عَرِفَ الإنسان منذ بداية وجوده على سطح الارض أشكالا من الصراع والتناقض، سواء أكان هذا الصراع بينه وبين بيئته المحيطة أو بينه وبين أبناء جنسه، وكان دوماً مُطَالباً بمجابهة هذه التحديات والخروج منها بما يُحَقِّقْ مصلحته واستمراره، ثم اصبح مطالباً بما يحقق مصلحة أُسرته ثُمَّ قَبيلته ثُمَّ بلاده، وهذا كله هو ما أصبح يعرف اليوم بالنزاعات أو الصراعات المختلفة، إنَّ النِّزاعات الدُّولية ظاهرة قديمة تعود إلى ظهور الدول القوميّة، وقد تميّزت العلاقات الدّوليّة بهذه الظاهرة عبر الفترات الزمنية المختلفة، فاختلفت النّزاعات الدّوليّة وتعدّدت، وهو ما زاد من درجة تعقيدها، فعُرف الحقل المعرفيّ لتحليل النّزاعات الدّولية العديد من المحاولات الفكريّة التي حاولت أن تَدرس الظاهرة بجميع جوانبها المختلفة من نزاع إلى آخر، فاختلف المنظّرين و الباحثين في دراسة النّزاعات الدّوليّة وتعدّدت الأفكار والمفاهيم والأطر التّحليليّة من باحث لآخر، محاولين تفسير السلوك النّزاعي عن طريق نماذج مختلفة، و من بين الأطر التحليلية التي حاولت تحليل و تفسير السلوك النزاعي للدول، هذه الأخيرة التي اعْتُدَّتْ مُسَلَّمَاْت و افتراضات في طرحها وتفسيرها للنزاع الدولي…

الإطار المفاهيمي حول النزاع الدولي:

بداية يجب التنويه إلى أنَّ مُصطلح النزاع يثار حوله جدل كبير، و ذلك لوجود عدة مفاهيم تتقارب مع هذا المفهوم، ولذلك يجب وضع مفهوم النزاع أولًا وأثَر المفاهيم القريبة منه والمتمثلة في ظاهرة الصراع  لتتضح الرؤية للباحث أو القارئ.

تعريف النزاع الدولي:

يعرف الدكتور يوسف ناصيف حتي النزاع الدولي بأنه “تصادم أو تعارض بين اتجاهات مختلفة،أو عدم توافق في المصالح بين طرفين أو أكثر مما يدفع بالأطراف المعينة مباشرة إلى عدم القبول بالموضع القائم و محاولة تعبيره”.

كما يمكن أن نُعَرِّفْ النزاع الدولي أيضا بأنه “تصادم بين اثنين أو أكثر من القوى أو الأشخاص الحقيقيين أو الاعتباريين يحاول فيه كل طرف تحقيق أغراضه وأهدافه ومصالحه ومنع الطرف الآخر من تحقيق ذلك بوسائل وطرق مختلفة، والصراع ظاهرة طبيعية في الحياة والمجتمعات الإنسانية وفي كل الميادين وقد يكون مباشر أو غير مباشر، سلمياً أو مسلحاً، واضحاً أو كامناً.

أما الصراع في نظر جون دويتش John M. Deutch هو وجود أنشطة حادثة أو فعالة جارية تتعارض مع بعضها البعض، وهو النشاط الذي لا يتفق مع واحد آخر وهو الذي يعرقل ويمنع في حدوث أو فعالية النشاط الثاني.

كما يرى أحمد فؤاد رسلان أن الصراع الدولي هو ظاهرة عدم توافق أو التناقض في المصالح و القيم و الأهداف القومية بين القوى الفاعلة في النظام الدولي الذي يتميز بحتمية التفاعل بين وحداته المتفاوتة  في طاقاتها و إمكانياتها والمتناقضة في منطلقاتها القيمية والإيديولوجية.

وعليه يمكن القول أن الفرق بين الصراع و النزاع يكمن في أن الصراع يعتبر أعمق من النزاع، و لذلك عادة ما يكون الحديث عن إدارة الصراع وليس حله، فالنزاع يُعتبر شكلاً من أشكال تعارض الإرادات بين طرفين أو أكثر تجاه موضوعٍ ما، ينطوي على مصالح متضاربة لأطراف النزاع، بوضع يكون من الممكن فيه الوصول لآلية حل بإحدى أدوات فض النزاعات كالوساطة والتحكيم والتفاوض وما إلى ذلك، لتحقيق شكل من أشكال التوافق بين الأطراف المتنازعة.

أما الصراع فهو كما ذكرنا سالفاً أحد الأشكال المستعصية على الحل غالباً، نتيجة وجود مصالح متضاربة، من الصعوبة بمكان أن يتم الوصول في ظلها إلى شكل من أشكال التوافق بسبب عدم إمكانية تحقيق مصلحة أحد الأطراف إلا من خلال إنهاء الآخر. حيث من الممكن أن تأخذ الظاهرة الأولى شكلاً “تكاملياً للقيمة المتنازع عليها”، أما في الحالة الثانية فإن الظاهرة غالباً ما تأخذ شكلاً “توزيعياً للقيمة المتنازع عليها”.

هذا فيما يخص تعريف النزاع الدولي، وفي ما يلي فسنتطرق إلى النظرية الواقعية باتجاهيها الكلاسيكي و الجديد في تحليلها للنزاعات الدولية…

النظرية الواقعية الكلاسيكية في تحليلها للنزاعات الدولية:

بداية يجب التنويه إلى الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها النظرية الواقعية الكلاسيكية في التحليل و تمتثل فيما يلي:

  1. الدولة هي الفاعل الوحيد و الأساسي في العلاقات الدولية.

  2. عدم وجود سلطة عليا تفوق سلطة الدولة في النظام الدولي ، بمعنى أن النظام الدولي تحكمه الفوضى.

  3. في ظل البيئة الفوضوية للنظام الدولي تزداد المخاطر التي تهدد الدول و يصبح أمنها معرض بشكل كبير للفقدان، و عليه تسعى الدول لاستخدام كل وسائلها المتاحة و على رأسها القوة العسكرية من أجل ضمان أمنها المتمثل في البقاء.

  4. تختلف مصالح كل دولة عن دولة أخرى لكن المصلحة الأولى التي تشترك فيها جميع الدول هي مصلحة البقاء، حيث تسعى الدول لتحقيق مصلحتها الوطنية.

  5. من أهم الأهداف التي تسعى إليها الدول هو زيادة قوتها العسكرية خاصة والاقتصادية عامة.

التحليل الواقعي الكلاسيكي للنزاعات الدولية:

ويرجع هانس مورغانتو Hans Morgenthau أسباب السلوك النزاعي لدى الدول إلى الطبيعة البشرية المظلمة التي تحكمها غريزة القوة وحب السيطرة والهيمنة، حيث تزداد هذه الطبيعة العدوانية عندما تنتقل من مستوى الفرد إلى مستوى الدولة، نتيجة لقدرة هذه الأخيرة على تعبئة واستعمال إمكانياتها المادية لإيذاء الدول الأخرى.

ويشير كريس براون Chris Brown أثناء تناوله للصور التي يمكن من خلالها تفسير أسباب الحرب إلى أن الطبيعة البشرية المظلمة كسبب للحروب عادة ما يتم وضعها في أُطُر دينية أو سيكولوجية. إذ يتم المحاججة بأن البشر مخلوقات خاطئة  طُردت من “الجنة” وتميل بطبعها إلى العنف، وتسيطر عليها الرغبة في الموت، وبأن البشر هم المخلوقات الوحيدة التي تقتل أبناء جنسها ولا تمتلك رادعا يمنعها من إبادة بعضها البعض.

و يمكن القول أن هناك اتجاهين ضمن المدرسة الواقعية يخص أسباب سلوكيات الدول النزاعية، فالاتجاه الأول يعتبر أن الطبيعة تحكمها غريزة القوة، و هي غريزة حيوانية تتمثل في السيطرة و الهيمنة و هي تستمد نظرتها من المدرسة الهوبزية و هي نظرة تشاؤمية، و تزداد هذه العدوانية عندما تنتقل من مستوى الفرد إلى مستوى الدولة، نتيجة ازدياد الإمكانيات الموجودة، و تأخذ أبعاد أخرى تؤدي إلى صراعات عنيفة، أما الاتجاه الثاني فيقول أن البحث عن القوة و ليست كنتيجة غريزة حيوانية متأصلة في الطبيعة البشرية، و إنما تنتج عن انعدام الأمن في النظام الدولي الذي يتسم بالفوضى يخلق ضغوطاً على الدولة للحصول على أكبر قدر من القوة و المفارقة الكبرى هي أن اضطرار الدول إلى زيادة قوتها من أجل دعم أمنها يؤدي إلى حدة النزاعات.

النظرية الواقعية الجديدة في تحليلها للنزاعات الدولية:

لهذه النظرية منطلقات أساسية تعتمد عليها في التحليل تتمثل في ما يلي:

  1. اعتبار الدولة الوحدة الأساسية للتحليل، رغم وجود عدة فواعل أخرى كالمنظمات الدولية و الشركات متعددة الجنسيات، لكنها تبقى ذات أهمية ضئيلة، و يعتبرون أن الدولة فاعل وحدوي و عقلاني، و ترى الواقعية الجديدة أن الأمن الوطني يكون دوما في أعلى سلم الأولويات، و يتمثل الأمن العسكري.

  2. الواقعية الجديدة تنطلق من افتراض أن الحرب و النزاع ظاهرتان غير قابلتان للتجنب بسبب فوضوية النظام الدولي و عدم وجود سلطة عليا فوق الدول، ففي ظل هذه الفوضى تهتم الدول بالبحث  عن الأمن اعتمادا على القدرة الذاتية و زيادة قدرتها العسكرية و الاقتصادية، من خلال التحالف مع الدول الأخرى.

التحليل الواقعي الجديد للنزاعات الدولية:

بخلاف الواقعية الكلاسيكية لهانس مورغانتو Hans Morgenthau الذي يعتمد على مقولة أن الدول مثلها مثل البشر تملك رغبة فطرية للسيطرة على الآخرين و هو ما يقودها نحو التصادم و الحروب فإن واقعية كنيث والتز kenneth waltz جاءت بضرورة دراسة المجتمع الدولي إضافةً إلى الفرد , ففي كتابه “الإنسان، الدولة والحرب” يطرح كنيث والتز kenneth waltz التساؤل التالي:
أيهما أفضل لفهم الإنسان في المجتمع : دراسة الإنسان أم دراسة المجتمع ؟ يبدو أن الرد المرضي يأتي من خلال السؤال بأداة (أم) والإجابة المرضية تأتي بأداة (كليهما), إلا أن الشروع بإحداهما قبل الآخر في تفسير الأحداث يمكن أن يحدث فارقاً.
وعليه كانت مستويات التحليل عند كينث والتز قائمة على الثلاثية التالية في فهم الظواهر السياسية ومنها النزاعات :
1- بنية النظام الدولي: من خلال (توزع القوى وتركيزها – عدد الوحدات الفاعلة – دور الفواعل غير الدولة ).

2- الدولة: من خلال (طبيعة النظام السياسي – الوضع الاقتصادي – دور المؤسسات والبيروقراطيات في صنع القرار – الرأي العام ).

3- الفرد: من خلال ( شخصية صانع القرار – إيديولوجية صانع القرار – تصور صانع القرار للقضايا الدولية ).
كما ترى الواقعية الجديدة أنه بالتركيز على الأسباب الرئيسية للنزاع نجد أنها  تكمن في الطبيعة البشرية  وناتجة عن الأنانية في التعامل،  و منه فتفادي النزاعات  هو الاهتمام بالفرد و تحقيق وجوده الاجتماعي، و قد أوضح هذا برتراند راسل  حيث يقول أنه حتى يتحقق السلام يجب على الفرد أن يقلل من غريزة حب التملك و السيطرة على الآخرين.

و في ربطهم بين النزاع و الفوضى الدولية فهي ناتجة عن غياب سلطة عليا فوق سلطة الدولة لأنها ذات سيادة، و لهذا فهي تفكر حسب مصلحتها، و هنا تحدث النزاعات و تصبح الحرب فيا بعد هي وسيلة لتحقيق العديد من النتائج المرجوة، و في ظل هذه الفوضى يجب التناسق و تضطر كل دولة إلى استخدام ما تملكه من القوة لتحصل على الأهداف التي رسمتها في البداية.

و يميز الواقعيون الجدد بين سببين للحرب، أحدهما هو الحرب كسبيل لحل النزاع المباشر حول المصالح بين دولتين، و السبب الثاني هو بحث دولتان أو أكثر عن أمنهما. أما بخصوص الواقعية الهجومية ترى أن النظام  الدولي أكثر عدائية وغير متسامح، ويتسم بالغموض وهذا ما يؤدي بالدول إلى تبني استراتيجيات دفاعية غالبا ما تؤدي إلى حرب، والواقعية الدفاعية من ناحية أخرى أن الأمن ليس حالة نادرة كما ترى الواقعية الهجومية، ذلك أن الفوضى الدولية ليست في قوة الدول نفسها التي هي في نزاع أو في حرب و إنما هي استراتيجيات دفاع من أجل توفير الأمن.

مما سبق يكن أن نخلص إلى أن الواقعية الكلاسيكية انحصر اهتمامها في المستوى الأول بالتركيز على الطبيعة البشرية العدوانية، كعال محرك للصراعات الدولية، في الوقت الذي طرحت فيه الواقعية الجديدة  وجوب دراسة النظام الدولي بالاضافة إلى الفرد “بعبارة أخرى الإنسان ومحيطه أو الدولة ومحيطها ” مع التأكيد على المستوى الثالث من خلال التركيز على البنية الفوضوية  للنظام الدولي كمسبب رئيسي للصراعات.

المصادر والمراجع:

يوسف ناصيف حتي،النظرية في العلاقات الدولية، (بيروت:دار الكتاب العربي،1985).

عبد الوهاب الكيالي و آخرون، الموسوعة السياسة، الجزء الثالث، (بيرون: المؤسسة العربية للدراسات و النشر،1997).

اكرام بركان، ” تحليل النزاعات المعاصرة في ضوء مكونات البعد الثقافي في العلاقات الدولية”، ( مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، فرع الدبلوماسية و العلاقات الدولية، جامعة الحاج لخضر باتنة، كلية الحقوق قسم العلوم السياسية، 2009- 2010).

محمد الطاهر عديلة، ” تطور الحقل النظري للعلاقات الدولية: دراسة في المنطلقات و الأسس،( مذكرة لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية، و العلاقات الولية، جامعة الحاج لخضر باتنة، كلية الحقوق و العلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 2015.

عامر مصباح، الاتجاهات النظرية في تحليل النزاعات الدولية،( الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2006).

كريس براون ، فهم العلاقات الدولية، (الإمارات العربية المتحدة: مركز الخليج للأبحاث، 2004).

كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب تحليل نظري، ترجمة: عمر سليم التل، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2013.

خالد موسى المصري، الوضعية ونقادها في العلاقات الدولية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد30، العدد الأول2014.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment