لم ينتظر العالم نهاية الحرب العالمية الثانية كي يبدأ التفكير في شكل الترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد الحرب، مستفيداً من خبرة تجاربه في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث بادرت الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول 1939 إلى ارسال وزير خارجيتها كوردييل هال Cordell Hull لتشكيل لجنة مهمتها دراسة شؤون ما بعد الحرب، ليليها بعد ذلك في تشكيل لجان مماثلة كلاً من بريطانيا والإتحاد السوفيتي، فتداعيات الحرب ساقت لتصبح كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا والإتحاد السوفيتي ركيزة أساسية للتحالف الذي تمكّن فيما من دحر دول المحور (المانيا وإيطاليا واليابان) والحاق الهزيمة بهم، ليتسيدوا طاولة تشكيل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء منظمة أممية بغية تدعيم السلام وحماية العالم من دمار حرب أُخرى.

كان لمفاوضات الحلفاء الرئيسيين الثلاث إلى جانب الصين أهمية كبيرة في نشوء الأمم المتحدة إلا أن فكرة إنشاء الأمم المتحدة بتنظيمها الحالي مرت بمراحل جمَّة يمكن تقسيمها لما يلي:

  1. تصريح الأطلسي: في 14 اغسطس/ آب لعام 1941 عقب اجتماع عُقد بين رئيس وزارء بريطانيا ونستون تشرشل Winston Churchill ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفلت Franklin D. Roosevelt صدر عنه تصريح الأطلسي متضمناً في المادة السادسة على الخطوط العريضة لمنظمة دولية تضم الشعوب المختلفة تكون الغاية منها حفظ السلم وتحقيق التعاون الدولي، كما أكد على المبادئ المشتركة التي ترمي إليها سياسة بلديهما في سبيل تحقيق مستقبل آمن وأفضل للعالم.

  2. إعلان الأمم المتحدة: اجتمع في 1 يناير/ كانون الثاني 1942، في واشنطن العاصمة، ممثلو 26 من الحلفاء الذين كانوا يحاربون قوات المحور، متعهدين بدعم ميثاق الأطلسي  وبذل كل مافي وسعهم لهزيمة العدو المشترك والإمتناع عن عقد صلح منفرد معه، وتجلى ذلك في التوقيع على “إعلان الأمم المتحدة” الذي تضمن أول استخدام رسمي لعبارة “الأمم المتحدة”، التي اقترحها الرئيس روزفلت، وكان التوقيع بمثابة موافقة هذه الدول من حيث المبدأ على إنشاء منظمة عالمية لتنظيم العلاقات بين الدول محترمةً الاسـتقلال والحريـة الدينيـة وصـيانة العـدل والحقـوق الإنسانية.

  3. تصريح موسكو: تلا إعلان الأمم المتحدة العديد من المشاورات والمؤتمرات بين بريطانيا والاتحاد السوفييتي نوقشت فيها تفصيلاً أسس وهياكل التنظيم الدولي الجديد، مما أفضى إلى صدور بيان في موسكو بتاريخ 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1943 ذو الطبيعة المزدوجة، فهو من جهة تحالف عسكري يهدف إلى إجبار المانيا على الإستسلام دوم قيد أو شرط، ومن جهة أُخرى تحالف سلمي يهدف إلى التعجيل بإنشاء هيئة عالمية تقوم على اساس المساواة في السيادة بغية حفظ السلم والأمن الدوليين، ووقعه كلاً من وزراء خارجية الاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وسفير الصين في موسكو.

  4. تصريح طهران: وقد صدر في 1 كانون الأول/ ديسمبر 1943 أي بعد شهر من تصريح موسكو وجاء فيه تصميم الدول الكبرى الثلاث (بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي) على توكيد دورهم الهام ومسؤليتهم في حفظ السلم والأمن الدوليين.

  5. مؤتمر دمبرتون اوكس Dumbarton Oaks: عقد هذا المؤتمر بين أواخر أغسطس/ آب إلى أوائل أكتوبر/ تشرين الأول سنة ١٩٤٤، على مرحلتين، الأولى ما بين روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فيما كانت المرحلة الثانية بين الصين وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لرغبة روسيا في الإحتفاظ بحيادها في حرب الشرق الأقصى التي لم تكن طرفاً فيها بعد، وقد توصلت هذه الإجتماعات إلى وضع مجموعة من أهداف ومبادئ منظمة الأمم المتحدة المقبلة، فضلاً عن إرساء الشكل شبه النهائى للهيكل التنظيمى للأمم المتحدة.

  6. مؤتمر يالطا Yalta: امتد المؤتمر ما بين 4 و 11  فبراير/ شباط لعام 1945 للإتفاق على بعض المسائل التي لم يُتفق عليها في مؤتمر دمبرتون اوكس Dumbarton Oaks وأهمها طرق التصويت في الأمم المتحدة والنظام الجديد للمستعمرات (نظام الوصاية ونظام الأقاليم الغير متمتعة بالحكم الذاتي)، كما تم الإتفاق على توجيه دعوة إلى الدول التي وقعَّت أو إنضمت إلى “إعلان الأمم المتحدة” والتي أعلنت الحرب على دول المحور قبل أول مارس/ آذار 1942؛ للمشاركة في مؤتمر فرانسيسكو San Francisco التأسيسي للأمم المتحدة، واستثني منها بولونيا نتيجة تغير نظام الحكم فيها عقب تسلم الشيوعيين للسلطة.

  7. مؤتمر سان فرانسيسكو San Francisco: عقد المؤتمر في  25 إبريل/ نيسان 1945 واجتمع مندوبو 50 دولة لمناقشة وإعداد ميثـاق الأمـم المتحدة، وفقاً للخطوط التى تم إرساؤها في مؤتمري دمبرتون اوكس Dumbarton و مؤتمر يالطا Yalta،  لينهي المؤتمر أعمالـه و26 يونيو/ حزيران 1945، أي بعـد شـهرين مـن الاجتماعات، وانتهت خلالهما الحرب فى أوربا باستسلام ألمانيا فـي 8 مـن مايو/آيار 1945 والاتفاق على ميثاق يتكون من مائة وإحدى عشرة مادة، وعلـى نظـام وعلـى نظـام أساسي لمحكمة العدل مكون من 70 مادة، واعتُمدا بالإجماع في 25 حزيران/ يونيه 1945 في دار الأوبرا في سان فرانسيسكو San Francisco. وفي اليوم التالي، وقّعوا عليه في مسرح هيربست Herbst Theatre بمبنى النصب التذكاري للمحاربين القدماء كما تم التوقيع على اتفاق مؤقت يقضي بإنشاء لجنة تحضيرية للإعداد للدورة الأولى للجمعية العامة.

ومع يوم 24 نوفمبر/ تشرين الثاني لعام 1945 بدأ سريان ميثاق الأمم المتحدة وأبصر النور بعدما صدّقت عليه حكومات أعضاء مجلس الأمن الدائمين الخمسة ومعظم الموقعين الآخرين. وافتتحت أول جمعية عامة، بمشاركة ممثلين عن 51 دولة، في سنترال هال وستمينستر Central Hall Westminster، لندن London في 10 يناير/ كانون الثاني 1949 حيث تم استكمال بقية أجهزتها وفروع المنظمة التي بدأت سيرها على الفور، كما قررت إختيار مدينة نيويورك New York مقراً دائماً لها.

 

المصادر والمراجع:

أ.د حسن نافعة، مبادئ علم السياسة، جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية.

محمد عزيز شكري، التنظيم الدولي العالمي بين النظرية والواقع، دار الفكر، دمشق، 1973.

د. إيمان أحمد علام، التنظيم الدولي العالمي، كلية الحقوق جامعة بنها.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment