بعد أن أصبحت التنمية بأشكالها وتطبيقاتها المتنوعة الشغل الشاغل للعالم حتى الأمس القريب، أدرك العالم بعد أن مشاكله قد تفاقمت وأنه ماض في طريق يحتاج إلى تصحيح؛فنموذج التنمية الحالي تعدى على حقوق الأجيال القادمة لاسيما بعد أن ظهرت أزمات بيئية خطيرة مثل التغيرات المناخية والتصحر وقلّة المياه العذبة وتقلّص مساحات الغابات، وتلوث الماء والهواء، والفيضانات المدمرة الناتجة عن ارتفاع منسوب مياه البحار والأنهار، واستنفاذ الموارد غير المتجددة؛ نتيجة الإستهلاك الغير عادل من الإنسان.

 كل ذلك دفع بعدد من منتقدي ذلك النموذج التنموي إلى الدعوة إلى نموذج تنموي بديل مستدام يعمل على تحقيق الانسجام بين تحقيق الأهداف التنموية من جهة وحماية البيئة واستدامتها من جهة أخرى.

ولذلك رسمت الأمم المتحدة خارطة التنمية البيئية والاقتصادية، لتحسين ظروف المعيشة لكل فرد في المجتمع، دون الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية، التي تُحمّل كوكب الأرض فوق طاقته، بهدف تطوير موارد الكوكب الطبيعية والبشرية، وتجويد التعاطي الاقتصادي – الاجتماعي معها، شريطة أن تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة في تلبية حاجاتها الخاصة بها.

وبذلك تكون التنمية المستدامة نموذج تنموي بديل عن نموذج التنمية السابق – الذي كان يهدف إلى زيادة رفاهية الإنسان بالدرجة الأولى –  يتيح من الناحية الاقتصادية إقامة الأسواق وفتح أبواب العمل، ومن الناحية الاجتماعية تضمن دمج المهمشين في تيار المجتمع، ومن الناحية السياسية تخلص لمنح كل إنسان رجلاً كان أم امرأة، صوتًا وقدرة على الاختيار لتحدّي مسار مستقبله بما يلبي احتياجات الحاضر دون التأثير على قدرة الأجيال القادمة في تلبية حاجاتها الخاصة بها في المستقبل.

تعريف التنمية المستدامة:

عَرَّفت مؤتمر منظمة الزراعة و الأغذية العالمية (FAO) التنمية المستدامة بأنها “إدارة قاعدة الموارد وصونها وتوجيه عملية التغير البيولوجي والمؤسسي على نحو يضمن إشباع الحاجات الإنسانية للأجيال الحاضرة  والمقبلة بصفة مستمرة في كل القطاعات الاقتصادية ، ولا تؤدي إلى تدهور البيئة وتتسم بالفنية والقبول”.

فيما عرفها  المؤتمر الدولي للتنمیة المستدامة الذي انعقد في جوهانسبورغ في العام 2002 بأنها: “الالتزام بإقامة مجتمع عالمي منصف یدرك ضرورة كفالة الكرامة الإنسانیة للمجتمع ، حیث یمثل السلام والأمن والاستقرار  و احترام الإنسان والحریات الأساسیة بما فیها الحق في التنمیة و احترام التنوع الثقافي”.

تُعَرَّفْ التنمية أيضا بأنها التنمية الحقيقية ذات القدرة على الاستمرار والتواصل من منظور استخدامها للموارد الطبيعية والتي يمكن أن تحدث من خلال إستراتيجية تتخذ التوازن البيئي كمحور ضابط لها لذلك التوازن الذي يمكن أن يتحقق من خلال الإطار الاجتماعي البيئي والذي يهدف إلى رفع معيشة الأفراد من خلال النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحافظ على تكامل الإطار البيئي.

مكونات مفهوم التنمية المستدامة:

ومنه تتكون التنمية المستدامة من سبعة مفاهيم أساسية وهي:

الاعتماد المتبادل: وهذا يعني أنه ينبغي علينا فهم كيفية وجود علاقات مترابطة بين البيئة والاقتصاد على جميع المستويات من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي.

المواطنة والإشراف: المسؤوليات التي يتعين على كل فرد تحملها داخل المجتمع لضمان أن يصبح العالم مكاناً أفضل.

احتياجات وحقوق الأجيال القادمة: فهم الاحتياجات الأساسية للمجتمع والآثار المترتبة على الإجراءات المتخذة اليوم لتلبية احتياجات الأجيال القادمة.

التنوع: احترام وتقدير الاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

جودة الحياة: الاعتراف بأن تحقيق المساواة والعدالة على مستوى العالم عناصر أساسية للاستدامة وهي أيضًا احتياجات أساسية يجب تلبيتها في جميع أنحاء العالم.

عدم اليقين والاحتياطات: يجب الاعتراف بالمناهج المختلفة لتحقيق الاستدامة والتغيير المستمر للأوضاع والاعتراف بأساليب التعلم المستدامة والمرنة.

التغير المستدام: فهم أن الموارد محدودة وهو ما قد يؤدي إلى تأثير سلبي على أساليب حياة البشر.

تطور مفهوم التنمية المستدامة:

شهد مفهوم التنمیة للدول النامیة تطوراً واضحاً، فمنذ منتصف القرن الماضي وحتى منتصف عقد الستینات، منه تركز مفهوم التنمیة على البعد الاقتصادي خاصة من خلال إستراتيجية التصنیع كوسیلة لتحقیق معدلات النمو الاقتصادي المنشودة للدخل القومي، ثم منذ نهایة عقد الستینات حتى منتصف العقد السابع أخذ یشمل مفهوم التنمیة البعد الاقتصادي وبعض المسائل الاجتماعیة كالتعلیم الصحة، ثم حتى منتصف عقد الثمانینات ظهر مفهوم التنمیة الاقتصادیة الشاملة، وفي الفترة نفسها ظهر مفهوم التنمیة المستقلة الذي ركز على مسألة تحریر الاقتصاد النامي من السیطرة الأجنبیة والتبعیة بغیة تحقیق معدلات متزايدة للتنمیة الاقتصادیة وتحقیق العدالة الاجتماعیة في إطار المشاركة الشعبیة. ومن ثم ظهر مفهوم التنمیة المستدامة، حیث یجمع الاقتصادیین وبمختلف مدارسهم على أن هذا المفهوم یتركز في مناحي الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة والبیئیة التي تلبي حاجات الجیل الحاضر والأجیال اللاحقة، وقد بدأت بعض مضامین فكرة التنمیة المستدامة بالظهور في المؤتمرات والوثائق العالمیة منذ بدایة سبعینات القرن الماضي، وذلك قبل أن یرد التعریف الكامل لها في العام 1987 بتقریر اللجنة العالمیة للبیئة والتنمیة، مثل:

تقریر الإستراتيجية الدولیة للمحافظة على البیئة في العام 1981 الصادر عن الاتحاد العالمي للمحافظة على الموارد الطبیعیة ، والذي عَرَّفَ التنمیة بوصفها “السعي الدائم لتطویر نوعیة الحیاة الإنسانیة ، مع الأخذ بنظر الاعتبار قدرات النظام البیئي الذي یحتضن الحیاة و إمكاناته.”

 وكذلك الأمر في تقریر مستقبلنا المشترك في العام1987 الصادر عن اللجنة العالمیة للتنمیة والبیئة التي تشكلت في العام 1983، الذي اهتم بدراسة مشكلات البیئة والتنمیة وبما لا یعرض موارد الأجیال اللاحقة للنضوب… بالإضافة إلى الكثير من المؤتمرات الأخرى التي تناولت مفهوم التنمية، وهكذا أصبح مفهوم التنمیة المستدامة مدرسة فكریة ممیزة انتشرت في مختلف دول العالم، وأصبحت لها مؤسسات وهیئات حكومیة وخاصة تتبنى هذا المفهوم الجدید للتنمیة.

أبعاد التنمية المستدامة:

للتنمية المستدامة ثلاث أبعاد أساسية تتعلق بالجانب الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي:

البعد الاقتصادي: تعني الاستدامة استمرارية وتعظيم الرفاه الاقتصادي لأطول فترة زمنية مكنة من خلال توفير مقومات الرفاه الإنساني بأفضل نوعية، مثل: الطعام، النقل، المسكن والصحة …

البعد البيئي: يركز البعد البيئي للتنمية المستدامة على مراعاة الحدود البيئية بحيث لكل نظام بيئي حدود معينة لا يمكن تجاوزها من الاستهلاك والاستنزاف، أما في حالة تجاوز تلك الحدود فإنه يؤدي إلى تدهور النظام البيئي، وعلى هذا الأساس يجب وضع الحدود أمام الاستهلاك والنمو والسكاني والتلوث وأنماط الإنتاج السيئة واستنزاف المياه وقطع الغابات وانجراف التربة.

البعد الاجتماعي: يركز البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة على أن الإنسان يشكل جوهر التنمية وهدفها النهائي من خلال الاهتمام بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر وتوفير الخدمات الاجتماعية إلى جميع المحتاجين لها بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية من خلال مشاركة الشعوب في اتخاذ القرار بكل شفافية.

مبادئ التنمية المستدامة:

المثل والمبادئ التي تكمن وراء التنمية المستدامة تشمل مفاهيم واسعة مثل، المساواة بين الأجيال العدالة بين الجنسين، السلام، التسامح، الحد من الفقر، حفظ وصيانة البيئة، الحفاظ على الموارد الطبيعية، العدالة الاجتماعية، و يحتوي بيان ريو على 27 مبدأ نذكر أهمها:

  1. حق الإنسان في حياة صحية منتجة في وئام مع الطبيعة.

  2. لابد من تحقيق التنمية بحيث يتم إشباع الاحتياجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحالية والمستقبلية بطريقة منصفة.

  3. القضاء على الفقر وتقليص الفوارق في مستويات المعيشة في أنحاء العالم أمر أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.ا

  4. حماية البيئة يشكل جزءاً لا يتجزء من عملية التنمية بحيث لا يمكن النظر فيه بمعزل عنها.

  5. الإجراءات الدولية في مجال البيئة والتنمية يجب أن توضح مصالح واحتياجات جميع البلدان.

  6. لتحقيق التنمية المستدامة وجودة حياة أفضل لجميع البشر، على الدول خفض واستبعاد الأنماط غير المستدامة للإنتاج والاستهلاك وتعزيز السياسات الديمغرافية المناسبة.

  7. تلعب المرأة دوراً حيوياً في الإدارة البيئية والتنموية، ومشاركتها الكاملة هي أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.

  8. الصراع بطبيعته مدمر للتنمية المستدامة، السلام والتنمية وحماية البيئة عناصر مترابطة لا تتجزأ.

هذه المبادئ يمكن أن توجه جهود الحكومات والمجتمعات والمنظمات لتحديد أهداف التنمية المستدامة و وضع برامج للمساعدة في تحقيق تلك الأهداف.

أهداف التنمیة:

 إن أهم أهداف التنمیة المستدامة تكمن في وضع إستراتيجية شـاملة لتلبیـة احتیاجـات التنمیـة فـي الدولـة المعنیـة ولابـد أن تكـون مخططـة ومدروسـة بشـكل جیـد، مـن خـلال تحدیـد أهـداف قابلـة للقیـاس ومؤشـرات محـددة،  ویمكـن بلـورة أهدافها بالآتي:

  1. اعتماد استراتیجیات جدیدة تركز اعتماد الآلیات القابلة للاستدامة وإعداد سیاسات وطنیة لتبني وخلق بیئة ابتكارية أهم جوانبها التركیز على تعزیز وتطویر البحث العلمي والمعارف وتكنولوجیا المعلوماتیة والاتصالات، التي تعد عنصراً أساسیا لنجاح التنمیة المستدامة.

  2. تنمیة القدرات العلمیة والتكنولوجیة وتشجیع ودعم الابتكار لترسیخ التنافسیة وزیادة النمو الاقتصادي وتحسین الأداء المؤسساتي من خلال استخدام التكنولوجیا الحدیثة.

  3. تنظیم استخدام الموارد الطبیعیة والعمل على اكتشاف البدائل ذات الكلف الواطئة .

  4. وضع الخطط اللازمة لتحو یل المجتمع إلى المجتمع المعلوماتي و إدماج التكنولوجیات الجدیدة في خطط واستراتیجیات التنمیة الاجتماعیة والاقتصادیة.

  5. تطویر البرامج الوطنیة لحفظ الطاقة.

متطلبات تحقيق التنمية المستدامة:

 إن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب مجموعة من الأنظمة الثابتة التي يجب أن تتجسد في واقع الحياة الإنسانية أبرزها الأتي:

  1. نظام اجتماعي يقدم الحلول للتنمية غير المتناغمة ويقدم المقترحات الممكنة لديمومة وتصعيد فعاليات المشاركة للنوع الاجتماعي.

  2. نظام سياسي يُؤمّن المشاركة الفعالة للمواطن في عملية صنع القرار وفي مختلف مستويات الحياة والفعاليات الإدارية و الاجتماعية.

  3. نظام اقتصادي يستطيع من خلال مقدرته على إحداث فوائض إنتاجية على أساس الاعتماد الذاتي والاستدامة.

  4. نظام إنتاجي وأداري ودولي يراعى فيها الأنماط المستدامة للتجارة والتمويل.

من خلال هذه المقالة توصلنا إلي أن مفهوم التنمية المستدامة قد لقي قبولاً واستخداماً دولياً واسعاً منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وتعددت تعريفاتها، كما توجد مبادئ وأهداف عديدة للتنمية المستدامة، ويتطلب تحقيقها وجود إرادة سياسية للدول وكذلك استعداد لدى المجتمعات والأفراد لتحقيقها ومتطلبات كثيرة، فالتنمية المستدامة عملية مجتمعية يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات بشكل متناسق، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة، ومورد واحد.

المصادر والمراجع:

نهى الخطيب، . اقتصاديات البيئة والتنمية.مركز دراسات واستشارات الإدارة ، 2000 .

 التربية من أجل التنمية المستدامة: كتاب مرجعي، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ، اليونسكو، 2013.

أحمد هاشم الصقال، متطلبات التنمية المستدامة في العراق: دور إدارة الموارد في تحقيق التنمية المستدامة. “مجلة كلیة بغداد للعلوم الاقتصادیة الجامعة” العدد الخاص بالمؤتمر العلمي المشترك ،2014.

فاطمة مبارك، التنمية المستدامة: أصلها و نشأتها. “مجلة بيئة المدن الالكترونية”، العدد 13، 2016.

مراد ناصر، التنمية المستدامة و تحدياتها في الجزائر. “مجلة التواصل”، العدد 26، جوان، 2010.

عدنان صالح مناتي، التنمية المستدامة في الاقتصاد النامي بين التحديات و المتطلبات. “مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة”، 2014.

راكز هاويت وليم ، نحو عالم مستديم . مترجم ، “مجلة العلوم”  العدد1 ، الكويت ، 1990.

صالح إبراهيم يونس الشعباني، دور الإفصاح البيئي في دعم التنمية المستدامة. “مجلة الإدارة و الاقتصاد”، العدد 93، 2012، ص8.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment