تعتبر حقوق الإنسان حقوق طبيعية وغريزية تولد مع ولادة الإنسان فقد كرستها واعترفت بها كل الأديان السماوية والدول والمنظمات… في العصر الحديث، فهي تمس بصيفه مباشرة جوهر الإنسان في كرامته.

والحديث عن حقوق الإنسان حديث قديم متجدد، فهي موجودة مع وجود الإنسان في حد ذاته وباقية على وجه الأرض، وهي نابعة من ضرورة الاحترام المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان، وكان الإسلام سبَّاقاً في تثبيت الحقوق الأساسية للإنسان باعتباره كائن كرمه الله بالعقل واصطفاه على سائر خلقه، وجعله سيداً في الأرض وأمده بالوحي السماوي والرعاية الإلهية والشرع القويم وأرسل له الأنبياء والرسل وأنزل عليه الكتب ليسير على الهدى السديد والصراط المستقيم، وشرَّع له الأحكام لبيان الحقوق والواجب.

تعريف حقوق الإنسان:

ليس هناك اتفاق على مصطلح واحد لحقوق الإنسان، بل هناك مصطلحات عدة تستخدم للدلالة عليها، منها: حقوق الإنسان”،  “الحقوق الإنسانية”، “حقوق الشخصية الإنسانية”، ولكن أكثر المصطلحات شيوعاً منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، هو مصطلح “حقوق الإنسان”، كما اختلف الباحثون في تعريفاتهم لحق الإنسان فنجد تعريف السيد فودة  لحقوق الإنسان بأنها: ” تلك الحقوق التي يتمتع بها الإنسان، لمجرد كونه إنسان، وهذه الحقوق يُعترف بها للإنسان بصرف النظر عن جنسيته أو ديانته أو أصله العرقي أو القومي أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي حقوق طبيعية يملكها الإنسان حتى قبل أن يكون عضواً في مجتمع معين فهي تسبق الدولة وتسمو عليها”.

وعرفتها ليا ليفين Leah Levin بأنها “مطالب أخلاقية أصيلة وغير قابلة للتصرف مكفولة لجميع بني البشر بفضل إنسانيتهم وحدها، فُصِّلَتْ وصيغت هذه الحقوق فيما يعرف اليوم بحقوق الإنسان، وجرت ترجمتها بصيغة الحقوق القانونية وتأسست وفقاً لقواعد صناعة القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية، وتعتمد هذه الحقوق على موافقة المحكومين بما يعني موافقة المستهدفين بهذه الحقوق”.

كما عرفها جابرال الروي بأنها: ”الحقوق التي تهدف إلى ضمان وحماية معنى الإنسانية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

تطور مفهوم حقوق الإنسان:

أولاً: حقوق الإنسان في الحضارات القديمة:

الحضارة الإغريقية:

أهم ما عرفته الحضارة الإغریقیة هو حریة المشاركة في الحكم وعلى اعتبار أن الدیمقراطية هي أسلوبهم الأمثل للحكم كانت نظرتهم للإنسان أنه الأصل في كیان الدولة، إلا أنه لم یكن یعترف للفرد بالحریة الشخصیة ولا للجمیع بممارستها ولكن مفهوم الحریة في ديمقراطية أثینا تختلف عن مفهوم الحریة في الديمقراطيات المعاصرة فالحریة عند قدماء الإغریق كانت تعني حریة المواطن بصفته عضواً في المجتمع دون أن یمتاز بالحریات المدنیة الحدیثة مثل  الحریة الشخصیة وحریة التملك وحریة العقیدة وحریة السكن.

الحضارة الرومانیة:

كانت الحریة عند الرومان تعني المشاركة في الحیاة السیاسیة، على خلفیة الحكومة الشعبیة التي یشارك فیها جمیع الأفراد ، ولقد عرفت الحضارة الرومانیة الملكیة الفردیة والجماعیة للأرض ، أما الحریة الدینیة فكانت معدومة وكان الانتخاب عندهم هو أساس اختیار الحاكم، و لا یشارك في العملیة إلا الأحرار الأثریاء ، وكان المجتمع مقسم إلى طبقتین طبقة الأشراف وطبقة العامة ، ولا توجد مساواة بینهم أمام القانون ،كما كانت المرأة لا تملك أیا من هذه الحقوق.

ثانياً: حقوق الإنسان في الديانات السماوية:

حقوق الإنسان في الدیانة الیهودیة:  

في أصولها الأولى غرست الدیانة الیهودیة في نفوس أتباعها اعتبارات المصلحة القومیة وقواعد العنایة بالشعب، ومصالحه ونادت بالجزاء على الفضیلة والعقاب على الرذیلة ، لكن نظراً للتحریفات التي وقعت في التوراة فإن مفاهیم جدیدة شوهت هذه الدیانة مثل إظهار الیهود بأنهم شعب الله المختار، وهذا یعني إقرارهم بعدم المساواة مع بني البشر وهي صورة من صور انتهاك حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان في الدیانة المسیحیة:

كانت الدیانة المسیحیة دعوة دینیة خالصة ، فلم تهتم بنظام الحكم الذي تفضله، فاكتفت بإعلان حریة العقیدة والدعوة إلى التسامح والمحبة وكانت تهدف إلى تحقیق المثل العلیا، وأهم ما أكدت علیه هو تكریم الإنسان على أساس المحبة والاحترام والتقدیر، لأنه مخلوق من طرف الله الذي خصه بهذه الكرامة، وفكرة الإخاء والمحبة في المسیحیة تتضمن المساواة والحقوق و احترام الشخصیة البشریة.

حقوق الإنسان في الدیانة الإسلامیة:

لقد أقر الإسلام بالحقوق والحریات العامة لجمیع الناس بدون تمییز بینهم بسبب الجنس أو اللون أو العقیدة أو الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي، وعلیه فان الإسلام یعتبر حقوق الإنسان ” أزلیة ” ولا یستغني عنها لأن الله هو الذي منحها للبشر، والشریعة الإسلامیة قامت بالتوفیق بین المصلحة الفردیة والمصلحة الجماعیة، ومن المبادئ والأسس التي یقوم علیها المجتمع الإسلامي في الإسلام هي العدالة والحریة والمساواة القائمة على الإنصاف ، كما أن الأحكام التي جاء بها الإسلام ترتقي بمكانة الإنسان الذي كرمه الله ، لذا فهي أحكام عامة ومطلقة صالحة لكل زمان ومكان مما جعلها من أسس النظام السیاسي والاجتماعي والمكون الأساسي لأركان الدولة التي تهدف إلى التنمیة الشاملة للإنسان، وكما قال محمد الغزالي : “حقوق الإنسان في الإسلام لیست منحة من الملك ولا الحاكم أو إقرار  صادر من سلطة محلیة أو منظمة دولیة و إنما هي حقوق مصدرها إلاهي ملزمة لا تقبل النسخ ولا التعطیل ولا التغییر أو التنازل عنها”.

ثالثاً: حقوق الإنسان في عصر النهضة:

من أبرز مفكري عصر النهضة  ميكافيلي Niccolò Machiavelli الذي كان یؤید الحكم المطلق، إلا أنه كان أول المفكرین الذین دافعوا عن الحریة، حیث قال لا حریة دون مساواة، وأباح للشعوب استعمال العنف للحصول على حقوقها في الحریة والمساواة، وكان لفلاسفة العقد الاجتماعي كذلك دوراً بارزاً في التطور الفكري لمفهوم حقوق الإنسان، مثل جون لوك John Locke و مونتسكیو Montesquieu اللذین دافعا عن الحریة  وجان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau الذي ناصرا لسیادة الشعبیة، حیث كان یرى أنها الوحیدة الكفیلة بحمایة حقوق الأفراد وحریاتهم ، إن الأساس الذي انطلقت منه المدارس الفلسفیة في القرن الثامن عشر في الغرب في الدعوة إلى حقوق الإنسان هو فكرة الحق الطبیعي التي بدورها أدت إلى نظریة العقد الاجتماعي.

خصائص حقوق الإنسان:

يمكن إدراج أهم خصائص حقوق الإنسان في ما يلي:

  1. حقوق الإنسان لا تشترى ولا تكتسب ولا تورث فهي ببساطة ملك الناس لأنهم بشر فحقوق الإنسان متأصلة في كل فرد.

  2. حقوق الإنسان واحدة لجميع البشر بغض النظر عن العنصر أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو الرأي الأخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي فقد ولدنا جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق فحقوق الإنسان عالمية وعالمية حقوق الإنسان لا تتعارض مع فكرة التنوع الثقافي والخصوصية الثقافية.

  3. حقوق الإنسان لا يمكن انتزاعها فليس من حق احد أن يحرم شخصا أخر من حقوق الإنسان وان لم تعترف بها قوانين بلده أو عندما تنتهكها تلك القوانين فحقوق الإنسان ثابتة وغير قابلة للتصرف.

  4. حقوق الإنسان غير قابلة للتجزؤ.

تصنيفات حقوق الإنسان:

تعددت تصنيفات حقوق الإنسان بتعدد العوامل المعتمدة في تصنيفها و سنعتمد على التصنيف التقليدي الذي يصنف حقوق الإنسان إلى ثلاث أجيال تتمثل في:

الجيل الأول “الحقوق المادية والسياسية”: 

و تعرف كذلك بالحقوق السلبية التي يمكن للفرد الاحتجاج بها في مواجهة الدولة التي تملك فقط سلطة وضع الضوابط الخاصة لمباشرة هذه الحقوق، و توصف بأنها شخصية، و من أمثلتها الحق في الحياة، منع التغذية، حرية التعبير و الانتقال… ويسميها بعض الفقهاء بالحريات الأساسية، و يصفونها بالمثالية نشأت في ظل البرجوازية الأوروبية في مكافحتها الإقطاعية، تطورت في ظل الرأسمالية، مؤسسة على قيم فردية بحيث لا يمكن فصل هذا القيم الفردية في تعريف هذا الجيل من الحقوق.

الجيل الثاني” الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”: 

و تتطلب ليس فقط مجرد امتناع الدولة عن عرقلة ممارستها أوإشباعها، بل تلتزم الدولة بالتدخل الإيجابي اللازم لكفالتها، و تعبر عن المساواة المثالية وتختلف فلسفتها تماماً عن تلك التي تقوم عليها حقوق الجيل الأول، فهي مؤسسة على فلسفة اشتراكية اجتماعية، تأخذ بعين الاعتبار الطبقات الاجتماعية الكادحة في المجتمع، حيث تطالب بضرورة توفير الحد الأدنى المعيشي لها، تطبيق هذا النوع من الحقوق يكون تدريجي حسب القدرة الاقتصادية لكل دولة.

الجيل الثالث: “حقوق التضامن”:

و تسمى كذلك بالحقوق الجديدة أو المبرمجة أو الحقوق الجماعية، تختلف عن حقوق الجيلين الأول و الثاني في أن صاحب الحق فيها الشعب أو الجماعة و ليس الفرد كما في الجيلين الأول و الثاني والأساس الذي تقوم عليه، هو إدخال البعد الإنساني إلى مجالات كانت متروكة، و لا يمكن إعمال هذه الحقوق إلا بتضافر جهود كل الفاعلين في اللعبة الاجتماعية، الدول، الأفراد، الكيانات العامة و الخاصة و المجتمع الدولي، لذلك تسمى حقوق التضامن، فهي المجموعة البشرية، و هي تعد ضرورة لتأسيس قانون دولي لصالح الإنسان.

مصادر حقوق الإنسان:

تتعدد مصادر ومنابع حقوق الإنسان  لتشكل هذا التيار الذي يسعى لحماية الإنسان في كل زمان ومكان و يمكن تلخيصها في ما يلي:

الصكوك العالمية: وهي الصكوك  التي تتسع دائرة خطابها لتشمل الأسرة الإنسانية الدولية بأسرها. ومن أمثلة  هذه الصكوك ما صدر ويصدر عن  (الأمم المتحدة)  من إعلانات واتفاقات وعهود لحماية وتطوير حقوق الإنسان، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى اتفاقية القضاء على كافة أشكال التميز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل وغيرها من الاتفاقيات والمواثيق الأخرى.  فنتيجة عدة حروب وصراعات أهمها  الحربين العالميتين و الفضائع التي ارتكبت فيهما بحق ملايين البشر فقد  كان تأمين احترام حقوق الإنسان من اهم  الأهداف الرئيسية لقيام هذه المنظمة  حيث تحدث ميثاقها  عن ( حق تقرير المصير)  الذي هو أساس لحقوق الإنسان جميعها. كما جاءت أهداف الأمم المتحدة لتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين …”.

ويأتي في مقدمة المصادر العالمية  لحقوق الإنسان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. هذا الإعلان وإن كان ذو طابع أدبي غير ملزم إلا أنه من المستقر عليه  دولياً أن مبادئ هذا الإعلان تدخل في قواعد القانون الدولي العرفي التي استقرت في وجدان وضمير البشر، وتعتبر قواعد دولية آمرة لا يجوز انتهاكها بصرف النظر عن قبول الدول به من عدمه.

المواثيق الإقليمية: وهي تلك المواثيق التي تخاطب نطاقاً إقليمياً محدداً أو مجموعة جغرافية خاصة غالباً ما يجمعها جامع ثقافي متميز عن غيرها رغبة من تلك  المجموعات في التأكيد على الحقوق المنصوص عليها في المواثيق العالمية وإكسابها طابعاً إلزامياً إقليمياً أكثر إلزامية مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، بالإضافة إلى  تضمين المواثيق الإقليمية حقوقاً جديدة لم تتضمنها المواثيق العالمية استجابة لاعتبارات الخصوصية الثقافية الإقليمية. و تنص هذه المواثيق على مبادئ حقوق الإنسان محل الحماية التي تتفق في مجملها مع المبادئ والمعايير الدولية وإن عكست خصوصية كل مجموعة إقليمية بالتركيز على أنواع معينة من الحقوق. ومن أهم المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان “الميثاق  الأوروبي ، والميثاق  الأمريكي، والميثاق  الأفريقي ثم الميثاق العربي لحقوق الإنسان”.

المصادر الوطنية: وهي التشريعات الوطنية التي تنص على مبادئ حقوق الإنسان. وتأتي في مقدمة هذه المصادر الدساتير الوطنية التي لا يخلو أي منها من فصل خاص بالحقوق والحريات الأساسية. وتتوزع مبادئ حقوق الإنسان بين مختلف فروع التشريع العادي. فقانون العقوبات يضع النصوص العقابية التي تجرم انتهاكات حقوق الإنسان وتعاقب عليها. وقانون أصول المحاكمات الجزائية  يتضمن النصوص الخاصة بحقوق وضمانات المتهمين في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ،وقوانين الأحزاب والمشاركة السياسية وغيرها تتضمن الحق في المشاركة السياسية، وقوانين الجمعيات تنظم حق تكوين الجمعيات، وقوانين المطبوعات والصحافة تنظم الحريات الصحفية وقوانين التعليم والإسكان والرعاية الصحية والنقابات تنظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .. الخ ..

ختاماً يمكن القول أن حقوق الإنسان هي كما قال عنها “زكريا المصري” بأنها هي المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس، من دونها أن يعيشوا بكرامة كبشر، و أنها أساس الحرية والعدالة والسلام، وأن من شأن احترام حقوق الإنسان أن يتيح إمكانية تنمية الفرد والمجتمع تنمية كاملة وتمتد جذور تنمية حقوق الإنسان في الصراع من أجل الحرية والمساواة في كل مكان من العالم.

 

 

المصادر والمراجع:

سرين محمد عبده، حقوق الإنسان: المفهوم و الخصائص و التصنيفات و المصادر، مصر: شبكة الألوكة،2015.

مسعود شنان، حقوق الإنسان بين عالمية القيم و خصوصية الثقافات و علاقة ذلك بالعولمة. “مجلة الفكر”، العدد08، جامعة الجزائر، كلية الحقوق و العلوم السياسية.

أمال عبد الجبار، محاضرات حول حقوق الإنسان. الجامعة الالكترونية.

معزوز، علي. “الخصوصيات الثقافية و عالمية حقوق الإنسان”.مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، جامعة بومرداس الجزائر، كلية الحقوق و العلوم التجارية،2005.

عيسى المرازيق، مصادر حقوق الإنسان، وكالة سنديان الاخبارية.

 

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

اقتراب الج...

يُعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي ركَّزت الاه...

Leave a Comment