فتح إنتصار ماجنتا Magenta الدامي أمام الجيش الفرنسي أبواب ميلانو Milan التي كانت تئن تحت وطأة الاحتلال النمساوي، فكانت الفرصة لنابليون الثالث Napoleon III امبراطور فرنسا أن يعبر جبال الألب ويتحالف مع جيش سردينيا بقيادة فيكتور إيمانويل  الثاني Victor Emmanuel II، ليخوض معركة تحرير  إيطاليا وسط ترحيب كبير من سكانها، ليبلغ عدد القوات الفرنسية والسردينية مجتمعة مائة وخمسين ألف رجل، يعززها أربعمائة مدفع. ويلتقوا بالجيش النمساوي ذو المائة وسبعين ألف مقاتل بقيادة الامبراطور فرانسوا جوزيف Franz Joseph، المعزز بقرابة خمسة مدافع في معركة (سولفرينو Solferino) في 24 حزيران عام 1859م.

وفي الوقت ذاته ساقت الأقدار أن ترمي برجل الأعمال السويسري هنري دونان Henry Dunant الذي كان في رحلة تجارية في إيطاليا، ليصل إلى كستليوني ديلي ستيفير Castiglione delle Stiviere – موقع قرب معركة سولفيرينو Solferino – في اليوم الذي وقعت فيه المعركة. ليبلغ عدد القتلى والجرحى الذين خلفتهم الحرب، عمّا يزيد عن أربعين ألف صف ضابط وجندي و تسعة جنرالات، وما يزيد عن 1566 ضابطاً من مختلف الرتب.

فغصَّت المدينة بالمصابين واتضح أن الخدمة الطبية العسكرية غير كافية، فكان من الطبيعي جداً أن يحاول هنري دونان المساعدة في تخفيف آلام الجرحى ومعاناتهم. وقد أمكن تحقيق ذلك بما كان يتمتع به من سجية وتقاليد وتدريب. وغيرت هذه التجربة مسار حياته تماماً.

عاد دونان إلى جنيف بذكريات مرّوعة من الحرب ومشاهد من البؤس والألم سجلها فى كتابه ” تذكار سولفرينو A Memory of Solferino”، ولم يتوقف هنري دونان Henry Dunant بتوصيف هول المعركة إنما طرح تساؤل حول ألا توجد وسيلة لتكوين لجان إغاثة فترة السلام والهدوء تهدف إلى تقديم الرعاية للجرحى في زمن الحرب بواسطة متطوعين متحمسين ومتفانين؟! فما دام العالم  قد وصل إلى أن يُعْلَنْ أن “الحرب هي أمر إلهي” ، وما دام العالم يخترع كل يوم وسائل دمار جديدة وفظيعة – بمثابرة كانت تليق بهدف أسمى – ، لماذا لا نستفيد من فرصة السكون والهدوء النسبي لدراسة ومحاولة حلّْ هذه المشكلة ذات الأهمية الكبيرة من وجهة نظر الإنسانية؟!. وعليه نادى فيه بفكرتين ثوريتين في ذلك الوقت وهما:

  1. إنشاء جمعيات إغاثة مستقلة في كل بلد لإغاثة ضحايا الحرب.

  2. وضع اتفاقية دولية لقوننة قيامها ونظام عملها.

وفي عام 1863، أي بعد مرور أربع سنوات من معركة سولفيرينو Solferino وبعد عام واحد من نشر كتاب دونان، قامت لجنة خاصة تتألف من الجنرال ديفور Guillaume-Henri Dufour، وغوستاف مونييه Gustave Moynier، والطبيبين تيودور مونوي Théodore Maunoir و لويس أبيا Louis Appia، وهنري دونان Henry Dunant – عرفت هذه اللجنة بإسم لجنة الخمسة والتي كانت نواة لإنشاء الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومكوناتها – بالإضافة مندوبوا جمعيات خيرة وممثلو 16 بلداً آخر، لتنظيم مؤتمر في جنيف لمناقشة مقترحات هنري دونان Henry Dunant بناءاً على أحداث معركة سولفيرينو Solferino. أوصى المؤتمر بإنشاء “جمعيات وطنية للإغاثة” وطلب إلى الحكومات أن تمنح الحماية والمساندة لهذه الجمعيات. وأعرب المؤتمر علاوة على ذلك عن أمله في أن تعلن الدول المحاربة منذ وقت السلم حياد المعازل الصحية والمستشفيات الميدانية أي لا يجوز مهاجمتها، وأن تمتد هذه الحماية لتشمل الموظفين الصحيين بالجيوش والمساعدين الطوعيين والجرحى أنفسهم، وأن تختار الحكومات علامة مميزة مشتركة للأشخاص والأعيان الذين يمنحون الحماية.

وفي عام 1864م، عقد المجلس الاتحادي السويسري “مؤتمراً دبلوماسياً” في جنيف، شارك فيه مندوبون مفوضون من 16 بلداً؛ ووضع ذلك المؤتمر اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان التي وقِعَت في 22 اغسطس / آب من العام نفسه، وقد تم التصديق عليها خلال السنوات اللاحقة من قبل جميع الدول تقريباً. وحققت هذه الإتفاقية الآمال التي أعرب عنها مؤتمر عام 1863م وثبت المبدأ الهام – الحاسم بالنسبة للعمل في مجموعة – الذي ينص على وجوب جمع العسكريين الجرحى والمرضى ومعالجتهم بدون تمييز على أساس الجنسية. ووقع الإختيار على شارة موحدة لضمان الحماية والمساعدة المقررتين، وهي عبارة عن صليب أحمر على أرضية بيضاء وهو معكوس العلم الوطني السويسري تكريماً لسويسرا بلد هنري دونان Henry Dunan.

مكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر

تُعتَبر الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر حركة إنسانية دولية؛ مهمتهما حماية حياة الإنسان وصحته والإستعداد زمن السلم للمساعدة وقت الحرب بالإضافة إلى تخفيف المعاناة عن الإنسان دون أيّ تمييز مستند على الجنس أو العرق أو الإنتماء أو الدين. ولتحقيق ذلك أُنْشِئَت الحركة الدولية لتكون المظلة التي تشمل منظمات مستقلة قانونياً عن بعضهم البعض، لكنهم متحدين ضمنها من خلال المبادئِ، والرموز، والقوانين، والأهداف الأساسية المشتركة، التي تعمل في كل الأوقات للتخفيف عن الروح الإنسانية من ويلات الكوارث الطبيعية منها أو البشرية، وهي:

  1. اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC):

    أُنْشِئَتْ اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863م كمنظمة غير متحيزة ومحايدة ومستقلة، تؤدي مَهَمَّة إنسانية بحتة تتمثل في حماية أرواح وكرامة ضحايا الحرب والعنف الداخلي وتقديم المساعدة لهم. كما توجه اللجنة الدولية وتنسق أنشطة الإغاثة الدولية التي تنفذها الحركة في حالات النزاع وتسعى جاهدة أيضا إلى تفادي المعاناة عن طريق نشر وتعزيز القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية العالمية.

  2. الإتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC):

    تأسس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر عام 1919م باعتباره الممثل الرسمي للجمعيات الأعضاء على الصعيد الدولي. ويشجع التعاون بين الجمعيات الوطنية ويسعى إلى تعزيز قدراتها على التأهب بصورة فعالة للكوارث الطبيعية، وتنفيذ برامج الصحة والرعاية الاجتماعية.  كما يهدف إلى تسهيل وتشجيع جميع الأنشطة الإنسانية التي تتكلف بها الجمعيات الوطنية فضلاً عن تنسيق جهودها من أجل تحسين أوضاع الأشخاص الأكثر ضعفاً.

  3. الجمعيات الوطنية (NS):

    تجسّد الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر عمل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومبادئها في 188 بلداً، وتعمل الجمعيات الوطنية باعتبارها مساعدة للسلطات العامة في بلدانها في المجال الإنساني، وتقدم مجموعة من الخدمات تشمل الإغاثة في حالات الكوارث وبرامج الصحة والرعاية الاجتماعية. وأثناء الحروب تساعد الجمعيات الوطنية السكان المدنيين المتضررين وتساند خدمات الجيش الطبية وفقاً للحاجة. وينبغي للجمعيات الوطنية لكي تصبح جزءاً من الحركة أن تحظى أولاً باعتراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر بناءً على مجموعة من الشروط المحددة للاعتراف بها. ويجوز لها بعد ذلك أن تصبح عضواً في الاتحاد الدولي وهي المنظمة التي تضم كل الجمعيات الوطنية.

نهايةً يمكن القول؛ أن الحركة الدولية للصليب الأحمر هي منظمة عالمية من جهة، وعمل تعاقدي من جهة أخرى، فهي تسعى لتجميع مواردها لمواجهة تحديات العمل الإنساني، وتسيير المساعدة الإنسانية والحماية القانونية معاً لتكمل إحداهما الأُخرى وتشكل القوة التي تؤكد أن الانجازات المشتركة تكون أكبر بكثير مما يمكن أن يحققه أحد اللاعبين في مجال العمل الإنساني منفردًا، وذلك عبر مكوناتها وهياكلها التي تعمل في زمن السلم والحرب دعماً للفئات الأشد ضعفاً.

المصادر والمراجع:

 هنري دونان، تذكار سولفيرينو، تعريب د. سامي جرجس، مطبوعات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الطبعة الحادية عشر 2010.

النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

مكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر مقال منشور على موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، شركاء في الإنسانية، مقطع فيديو منشور على موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

1 Comment

Leave a Comment