تعتبر حقوق الإنسان من القضايا التي تحظى باهتمام عالمي بالغ خاصة مع تزايد الحروب وانتشار الاضطهاد والتعصب والتفرقة والتمييز العنصريين، وتسعى البشرية جاهدة لتأمين حقوق الإنسان الكاملة بغض النظر عن جنسه أو معتقده أو لونه ويزداد الحديث عن حقوق الإنسان يوما بعد يوم حتى كان الدفاع عنها يعتبر شريعة من الشعائر وأصبح مبدأ احترامها أحد المعايير المهمة في تحديد العلاقات و المعاملات الدولية، وكذلك في قياس التطور السياسي لأي مجتمع، وتتخذ مقياسا للنمو أو تلبية الحاجات الأساسية التي تستخدم في تحديد مستوى تطور الدول اقتصاديا وماديا، فالمفهوم يكتسب عالمية جديدة ذات فعالية أكبر.

التعريف بعالمية حقوق الإنسان:

المقصود بعالمية حقوق الإنسان عند بعض الفقهاء، أن كل الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومختلف وثائق القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتجاوز وتفوق الحدود السياسية، الجغرافية اللغوية وحتى الدينية والثقافية؛ فيصبح المجتمع الدولي ساحة لتطبيق تلك الحقوق، و يعتبر الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن 1789 من أهم مواثيق منظومة حقوق الإنسان، لأنه لما طرح لأول مرة طرح بوصفه إعلاناُ عالمياُ، لا يشير إلى حقوق الفرنسيين فقط بل قدم كوثيقة لمصلحة البشرية في كل زمان ومكان، كما نجد كذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، حيث أن عنوانه العالمي وليس الدولي، وهو يستخدم كلمات مثل الناس والفرد؛ ويبتعد عن استخدام كلمات ذات مفهوم أو قانوني مثل المواطنين والرعايا.

ولقد أكد المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي انعقد بإيران في 1968،عالمية حقوق الإنسان وأنها مكرسة للبشر أجمعين، وبانعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان  في فيينا سنة 1993 ،أكد على عالمية حقوق الإنسان  فتغيرت بذلك قراءة منظومة حقوق الإنسان وأصبحت الضرورة ملحة لتكريس ذلك، وهو ماعززه تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان بمختلف مصادره، هذا القانون الذي تعتبر فكرة العالمية نقطة لبدء فيه يزداد ثراء وتوسعا؛ إذ أكثر من 100 اتفاقية أو ميثاق دولي وافقت وصادقت عليه معظم دول العالم والتي تشكل حاليا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المرجعية الدولية لحقوق الإنسان ،لأنه لما نتكلم عن عالمية حقوق الإنسان فالمقصود هو هذه المنظومة من العهود والاتفاقيات الدولية  المتعلقة بحقوق الإنسان.

التمييز بين عولمة وعالمية حقوق الإنسان:

إنه من الخطأ اعتبار النزعة العالمية أو الانفتاح العالمي نوع من العولمة، فالعالمية كانت و مازالت قائمة في المجهودات المشتركة بين الدول و الأمم والشعوب، أما العولمة فهي فرض نمط محدد على الشعوب والدول في الثقافة والسياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان والإعلام … الخ، ويرتبط هذا الفرض بسيادة القوة في العلاقات الدولية بمعنى أن تحاول دولة أو مجموعة دول بفعل ما تمتلكه من مصادر قوة ومن قدرة على الفعل والتأثير في مسار العلاقات الدولية أن تصدر نمطاً محددا إلى العالم تحقيقاً لمصالحها بالدرجة الأولى، فإذا كانت عولمة حقوق الإنسان تعني الفرض الانفرادي لفهم يستند إلى مرجعية تخص حضارة معينة باعتبارها المفهوم الأسمى لحقوق الإنسان الذي ينبغي أن يسود العالم؛ فإن عالمية حقوق الإنسان تعني أن يشيع في العالم احترام كافة الصكوك الدولية لحقوق الإنسان الفردية منها و الجماعية دون تمييز أو مفاضلة، بالإضافة إلى أن العالمية شيء مختلف عن العولمة فالعالمية لا تنهي دور الدولة ولا تسعى للتقليل من شأنها فهي تضع على الدولة التزامات معينة وهي تحتاج لدور الدولة لتنفيذ هذه الالتزامات، هذا بعكس العولمة التي تحد من دور الدولة وسلطتها لتضعف تأثير الحدود السياسية والسيادة.

ويظهر هذا التمييز بين العالمية والعولمة جلياً إذا انتقلنا من التعميم إلى التخصيص على حالة حقوق الإنسان، فالعالمية تعني التزام في هذا المجال بالمفاهيم التي أقرها المجتمع الدولي، من خلال مئة معاهدة و اتفاقية وإعلان وعهد دولي، وتعني أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ، أما العولمة في هذا المجال فتعني تعميم مفهوم حقوق الإنسان في ثقافة الدولة الأقوى؛ باعتبارها ثقافة الأمة الصاعدة والساعية للهيمنة على مستوى العالم كله.

مظاهر عالمية حقوق الإنسان:

تعني العالمية بشكل عام الانفتاح على الآخر ورغبة في الأخذ والعطاء، فهي بذلك طموح مشروع، يسعى نحو الارتقاء بالخصوصية إلى مستوى عالمي، و بالتالي فهي تفتح العالم على ما هو عالمي، أما في مفهوم حقوق الإنسان فهي تعني ذلك الحد الأدنى من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان أينما وجد وأينما حل بدون تمييز، وهي لازمة من أجل الحفاظ على الكرامة والحرية، والسلام والأمن، في جميع بلدان العالم، كما أن صيانتها والحفاظ عليها من الاعتداء واجب عالمي وتظهر عالمية حقوق الإنسان في هذا القبول العالمي الواسع لمبادئها، على الأقل لفظياً أو كمعايير مُثلى، فعادة ما تعلن الدول قبولها لهذه الحقوق والالتزام بها عن طريق انظمامها للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتمثل الإتهامات بانتهاك حقوق الإنسان أقوى التهم التي يمكن أن تثار على صعيد العلاقات الدولية، فقد تعهدت جلّ دول العالم بالالتزامات القانونية الدولية الرامية إلى صيانه هذه الحقوق في مجال حقوق الإنسان، وعدم الإخلال بها.

العقبات التي تعترض عالمية حقوق الإنسان:

تتمثل العقبات التي تعترض عالمية حقوق الإنسان في ما يلي:

 العقبات الفكرية: من بين العراقيل التي وقفت في حقبة زمنية معينة في وجه تجسيد حقيقي وفعلي للمبادئ العالمية لحقوق الإنسان، هو المواقف الأيديولوجية المختلفة والموزعة بين الرأسمالية الغربية والاشتراكية ثم مواقف البلدان النامية.

وبالنسبة للموقف الغربي الرأسمالي فهو يكرس حقوق الفرد ويدافع عن الحقوق المدنية والسياسية ( الحقوق الشكلية) أما الموقف الاشتراكي فيقول بحقوق الطبقة العاملة والحزب وينظر لحقوق الإنسان من خلال مجتمع في طور البناء لذا يدافعون عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالحق في العمل، الراحة والحماية الصحية والثقافية (الحقوق الفعلية)

وأثناء الأعداد للمؤتمر فيينا العالمي لحقوق الإنسان الذي نظمته الأمم المتحدة في 1993، برزت آراء مؤيدة للأصولية والنسبية الثقافية، فأيدت بعض الدول الآسيوية بقيادة الصين تحفظا على عمومية حقوق الإنسان وعالميتها. و ذلك انطلاقا من إن المعايير الدولية لحقوق الإنسان تقوم على مفاهيم غربية تركز على الحقوق الفردية وهي لا تتناسب مع مجتمعات القارة الأسيوية وأن الثقافة والتقاليد المحلية يجب أن توضع في المقام الأول فلا ضرر في التضحية بالمصلحة الشخصية في سبيل الجماعة، كما أخذت بعض الدول الإفريقية والأمريكية اللاتينية بهذه  الفكرة مما أدى إلى نفي فكرة العالمية.

العقبات المادية: إن امتناع العديد من البلدان عن التصديق على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تشكل عقبة رئيسة أمام عالمية حقوق الإنسان على الرغم من أن الكثير من اتفاقيات حقوق الإنسان قد لاقت رواجاً من حيث الإقبال المعتبر للدول للتصديق عليها ، فمثلاً نجد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع  أشكال التمييز العنصري قد قبلت من قبل 150 دولة إلى غاية 1/7/1998،وبالنسبة للعهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية صَدَّقَ عليه من قبل 137 دولة ، وأما العهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية فَصَدَّقَ عليه من قبل 140 دولة، وهكذا تكون فاعلية الاتفاقيات الدولية ناقصة من جراء النقص في قبولها وعدم قبول الدول الخضوع لآليات الرقابة للوقوف على مدى تنفيذها لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

التناقض بين مبادئ العولمة و حقوق الإنسان:

إن المبدأ الأساسي الأول في حقوق الإنسان والذي بنيت عليه كل إعلانات ومواثيق الأمم المتحدة هو مسؤولية الحكومات عن توفير حقوق الإنسان لجميع المواطنين، بينما المبدأ الأساسي الأول في العولمة الاقتصادية هو إعفاء الحكومات من أي مسؤولية عن حقوق الإنسان، فمنذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 نجحت حكومات كثيرة في العالم في توفير حقوق الإنسان لمعظم مواطنيها وخاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك عن طريق ما تقدمه من دعم حكومي،  ومما يترتب عليه من تمتعهم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي نصت عليها المواثيق الدولية، وعلى عكس الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتي تلتزم فيها الحكومات بحقوق الإنسان، تلتزم نفس الحكومات في اتفاقيات العولمة بقواعد السوق العالمي وبالشروط التي تحددها منظمات دولية مثل منظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبهذا تحولت الحكومات إلي متلقية للأوامر و القرارات  بدلاً من أن تكون صانعة لهذه القرارات وبخاصة في المجال الاقتصادي وعليها أن تعدل من جميع أنظمة المجتمع لكي تتلاءم مع هذه القرارات الدولية. وأصبح على الحكومات أن تصدر قوانين جديدة في كل مجال لكي تسهل عمل آليات السوق العالمي وأن تقوم بإلغاء أي قوانين تعوق عمل هذا السوق. والكثير من هذه القوانين الجديدة تمس حقوق الإنسان وبخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن أهم هذه القوانين التي تهدر حقوق الإنسان، تلك المتعلقة بالضرائب وبعلاقة العاملين بأصحاب الأعمال وبالدعم الحكومي للسلع والخدمات… ذلك أن قوانين السوق العالمي تفرض أن يكون كل شيء سلعة تباع وتشترى وفقاً لقيمتها الاقتصادية بغض النظر عن حقوق الإنسان، وعلى هذا فإن الحكومات تجد نفسها في موقف يتسم بالتناقض الشديد، فإذا حاولت الالتزام باتفاقيات حقوق الإنسان فإنها ستجد نفسها مخالفة لاتفاقيات العولمة التي وقعت عليها أيضاً، وسوف تتعرض للنقد من أجل ذلك، أما إذا حاولت الالتزام باتفاقيات العولمة فإنها ستجد نفسها مخالفة لاتفاقيات حقوق الإنسان

يغلب على حقوق الإنسان في مفهومها وتطورها المعاصرين عدد من الملامح والمميزات العامة، والتي تبرز مدى التقدم الذي وصلت إليه النظم القانونية والسياسية المختلفة فيما يتعلق بهذه الحقوق على المستويين الداخلي والدولي على حد سواء. ولعلَّ أبرز هذه المميزات و الملامح وأهمها على الإطلاق هو غلبة الصفة العالمية عليها بحيث طبعتها وميزتها، وازداد الاهتمام بها بعدما تراجع تدريجياً الفكر الذي كان يعتبر حقوق الإنسان مجالًا محفوظاً للدولة تضطلع الدولة وحدها بتنظيمها.

و قد أصبحت حقوق الإنسان اليوم قضية عالمية، و لم يبق الاهتمام بها و بمدى احترامها منحصرا في ميدان معين أو مقتصرا على فئة محددة بل تجاوز المهتمون بها كل البقاع، ولم تعد الحدود الجغرافيا أو الخلافات الإيديولوجية تشكل أي حاجز، كما أنه لم يبق من حق الدول التضرع بالسيادة الوطنية لمنع التدخل من أجل قضية إنسانية.

 

المصادر والمراجع:

عبد العزيز قايدي، حقوق الإنسان في القانون الدولي والعلاقات الدولية، المحتويات و الآليات. الجزائر: دار هومة، 2008.

علي معزوز، “الخصوصيات الثقافية و عالمية حقوق الإنسان”. مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، جامعة بومرداس الجزائر، كلية الحقوق و العلوم التجارية،2005.

سمير نعيم أحمد، حقوق الإنسان و العولمة. “مجلة منشورات المدرسة النقدية في علم الاجتماع المصري”، العدد 04، 2012.

جهيدة اعجيري، تكامل وتجزئة حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق.”مـداخلـة مقدمـة ضمن أشـغال الملتقى الوطني حول حقوق الإنسان في الجزائر واقع ومقاربات”، جامعة محمد الصديق بن يحي بجيجل، كلية الحقوق و العلوم السياسية، 2013.

 

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment