شهد حقل العلاقات الدولية منذ بروزه كحقلًا علمياً أكاديمياً بعد الحرب العالمية الأولى العديد من الأحداث و التطورات، ويقتضى التفسير العلمي لهذه الأحداث استخدام نظريات تُبنى على افتراضات منطقية تكون الأساس الذي ينطلق منه في تفسير أي حدث سواءً كان دولياً أو إقليمياً أو محلياً.

و بارتفاع وتيرة الأحداث الدولية وتسارعها  في ظل غياب نظرية شاملة تفسر كل الأحداث، تعددت النظريات المفسرة كنتيجة لتركيز كل واحدة منها على جانب وإغفال جانب آخر، فهناك نظريات كُلِّية تُركّز في التحليل على المستوى النظمي أي النظام الدولي ككل إذ تعتمد في دراسة الظاهرة على العديد من المتغيرات وتعطي تفسيرات عامة. وكذلك هناك نظريات جزئية تركز في التحليل على أجزاء من النظام كمستوى الوحدة (الدولة) أي تركز على متغير واحد لفهم الظاهرة. إلا أن أي عملية في تحليل السياسة الخارجية تخضع لثلاث مستويات تبدأ من الوصف، فالتفسير، فالتنبؤ وذلك بغية فرض منهجاً تحليلياً أكثر دقة وقدرة على الإلمام بمجمل الأبعاد والمسـتويات والمضامين وتبيان أكبر المتغيرات أثراً وتحكماً في عملية صياغة وأداء سياسة خارجية لدولة ما.

ذلك هو الأمر بالنسبة لنظرية الدور التي اختصت بالتحديد في دراسة وتحليل السلوك السياسي الخارجي للوحدة من أجل تفسير سبب الاختلاف في السلوكيات الخارجية للدول رغم التشابه في بعض الأحيان في مصادر القوة.

مفهوم نظرية الـــــدور:

نشأت نظرية الدور وتطورت في إطار علم الاجتماع الغربي منطلقة من أسس اجتماعية سايكولوجية بالدرجة الأولى، بغية فهم موقع الفرد وتأثيره في السياسة الداخلية والعالمية، فضلاً عن الرغبة في فهم وتطوير النسق السياسية، مما دعا علماء السياسة المعاصرين لوضع بُنْية نظرية لمفهوم الدور في إطار علم السياسة، خصوصاً مع إسهامات بروس بيدل – Bruce Biddle الذي يُعرّف الدور على أنه: “قائمة أو دليل سلوك مميز لشخص أو مكانة، أو منظومة من المعايير والتوصيفات المحددة لسلوكيات شخص أو مكانة اجتماعية”.

فيما عرَّفه كال هولستي – Kal Holsti بأنه “تعريفات صناع القرار للأنواع العامة للقرارات والالتزامات و القواعد والسلوكيات التي تصدر عن دولهم، وللوظائف التي ينبغي على أية دولة أن تؤديها على أساس مستمر سواءً في النظام الدولي أو النظام الإقليمي الفرعي.

أما ستيفن والكر – Steven Walker فقد عرَّف مفهوم الدور على أنه: “تصورات واضعي السياسات الخارجية لمناصب دولهم في النظام الدولي.”

فيما عرَّفه آخرون بأنه “مسؤوليات حظيت بالشرعية ومتطلبات ترتبط بالموقف والمكانـة والقدرة على القيادة لتوفير الأمن للآخـرين أو مـدى الاعتماد على الأمن الخارجي.”

وبذلك نرى أنه قد تمثلت محاولات استخدام نظرية الدور في علم السياسة المعاصر من خلال مستويين من التحليل:
الأول: يتم فيه بحث الأدوار السياسية في إطار الأنساق السياسية من الداخل كل على حدة وبحث هيكل الأدوار وتوزيعاتها وتفاعلاتها بين الأنساق الفرعية أو الأبنية التي تشكل النسق السياسي ككل

أما المستوى الثاني : يتم فيه بحث الأدوار السياسية في إطار النسق السياسي الدولي والتركيز بصفة خاصة على الأدوار التي يشغلها الأفراد المؤثرين في السياسة العالمية ولا يشترط أن يكونوا من رؤساء الدول.

ولعلَّ مفهوم الدور من المنظور السياسي أخذ أبعاداً مختلفة بين الدور الوطني والسياسي الخارجي والدولي، فالدور الوطني يشمل أنماط السلوك ومجموعة المواقف المتوقعة من الأشخاص الـذين يحتلون مناصب في هيكل صنع القرار، واصفاً أنواع الأعمال التي تؤدى ضمن كـل موقـف، والدور السياسي الخارجي يرتبط بالسلوك السياسي الخـارجي للدولـة وينصرف إلى الوظائف الرئيسية التي تقوم بها الدولة في الخارج عبر فترة زمنية طويلة وذلك في سعيها لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وبالتالي جمـود أو قصـور إدراك صانعي السياسة الخارجية في تحديد الدور المطلوب في الوضع أو المكانة أو الاتجاه الذي يتطلبه، من الممكن أن يُحدث فجوةأو حالة من عدم التوازن بين القوة والدور دون تعديل أو تكييف، والذي يشكل تهديدا للنظام الدولي في حالة حدوث انقلاب مفاجئ فيما يتعلق بتوقعات الأمن مستقبلاً في دولة أخرى.

نظرية الدور في حقل العلاقات الدولية: 

انطلاقاً من النجاح الذي حققته نظرية الدور في تحليل سلوك الفرد في الحياة الاجتماعية، حاول بعض الباحثين الاستعانة بها في دراسة الظواهر السياسية ونقلها إلى حقل العلاقات الدولية. فقد تم نقل مفهوم الدور إلى مجال السياسة لدراسة دور الدولة كفاعل ضمن مجموعة من الفواعل الأخرى، على اعتبار أن الدولة تُعَبِّرْ عن إرادتها ضمن سلوك سياسي خارجي.

فنظرية الدور من المنظور السياسي تهتم بدراسة سلوك الدول بوصفها أدواراً سياسية تقوم بها الوحدات في المسرح السياسي الدولي. والدور هو “مجموعة من الوظائف الرئيسية التي تقوم بها الدولة في الخارج عبر فترة زمنية طويلة، و ذلك في إطار تحقيق أهداف سياستها الخارجية”.

وعليه يمكن القول أن الدور ليس مجرد قرار أو سلوك أو هدف، بل يُعبر عن مجموعة من وظائف محورية تقوم بها الدولة في فترة زمنية معينة، وهذا يتطلب منها مراعاة ثلاثة جوانب رئيسية: 

  1. تحديد مركزها في العلاقات الدولية ورسم مجال حركتها بدقة، وهذا انطلاقا من توصيفها لنفسها ضمن أي خانة من الدول تنتمي (عظمى – كبرى – إقليمية – صغرى) و منه يتحدد توجهها هل إقليمي أو عالمي؟.

  2. تحديد وضبط دوافع سياستها الخارجية.

  3. توقعها لحجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه نتيجة أدائها لهذا الدور حتى تستطيع تقييم هذا الأداء.

وعليه فنظرية الدور تساعد على فهم السلوكيات الخارجية للدول تجاه بيئتها الدولية أو الإقليمية.

المتغيرات التفسيرية لنظرية الدور: 

تُعد نظرية الدور من النظريات الجزئية في العلاقات الدولية والتي تختص بدراسة وتفسير السلوكيات الخارجية للدول، حيث يُوضح المفكر كال هولستي – Kal Holsti بأن الدول قد تتشابه في مصادر القوة لكنها تختلف في السلوكيات فلماذا هذا الاختلاف في السلوكيات؟.

في الحقيقة هناك ثلاثة متغيرات تفسيرية أساسية تعتمد عليها نظرية الدور في التفسير وهي:

  1. مصادر الدور: والتي تتخذها كمتغيرات مستقلة في التفسير، ويقصد بها الخصائص الوطنية للدولة من مقومات وإمكانيات مادية وغير مادية.

  2. تصور الدور: وتتخذها كمتغيرات وسيطة، و التي تُعنى بتصورات وادراكات صناع القرار لأدوارهم سواءً كان إقليميا أو دوليا، فامتلاك الدولة لمقومات مادية أو غير مادية لا يعنى بالضرورة أنها سوف تُؤدي دور خارجي فعال، حيث يجب على صانع القرار أن تكون لديه خبرة وإرادة القيادة التي تتحدد من خلال الخصائص الشخصية التي يحوز عليها؛ فلهذه العوامل تأثير كبير في تحديد سلوك الدولة على المستوى الخارجي، فضلاً عن أنها قادرة على أن تلعب دوراً في عملية اتخاذ القرار، وفي التمييز بين سلوك الوحدة مع باقي الوحدات.

  3. أداء الدور: وهي مخرجات السياسة الخارجية من قرارات وسلوكيات، والتي تُعد متغيرات تابعة، حيث تتحكم فيها درجة الفاعلية الأداء.

و عليه فالدور يعتمد بالأساس على مدى رؤية وتصور صانع القرار لدوره – كمتغير وسيط -، انطلاقاً من تقييمه لقدرات وإمكانيات دولته والتي يُطلق عليها كذلك “مؤهلات الدور” حيث لا يمكنها تخطي هذه الإمكانيات حتى لا يتآكل الأساس المادي للدور من جهة، ومدى قدرته على تهيئة البيئة الخارجية لقبول هذا الدور والتجاوب معه عندما يدخل مرحلة التنفيذ أي أداء الدور من جهة آخرى.

بمعنى آخر، على الدولة حتى يكون دورها فعالاً التعرف على طبيعة الظروف الخارجية المصاحبة لأداء هذا الدور، و مدى انعكاساتها سلباً أو إيجاباً على النتائج المحققة من هذا الأداء، كما يجب مراعاة حجم قدراتها التي تؤهلها لهذا الدور.

المصادر والمراجع:

عبد القادر دندن، “نظرية الدور في تحليل السياسة الخارجية، مداخلة مقدمة ضمن فعاليات الملتقى الدولي حول: “دور الجزائر الإقليمي: المحددات و الأبعاد”، جامعة تبسة (الجزائر)، يومي 28/29 أفريل، 2014.

 برهان غليون و آخرون، التغيرات الدولية و الأدوار الإقليمية الجديدة، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 2005).

أحمد عارف الكفارنة، ” العوامل المؤثرة في عملية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية”، دراسات دولية، ع.42، (د.س.ن).

إسماعيل صبري مقلد، السياسة الخارجية: الأصول النظرية و التطبيقات العملية (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 2013).

Vit Benes, ” Role Theory : Aconceptual Framework For The Constructivist Foreign Policy Analysis ?” Paper Prepared For The Third Global International Studies Conference ” World Crisis.Revolution or Evolution in the International Community ?”, 17-20 august2011, University of Porto, Portugal.

Steven J Campball, “ Role Theory,Foreign Policy Advisors,And U.S Foreign policy making” (USA : Departement in International Studies of Southern Caifornia, International studies Association, February1999). P.1.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
مريم مخلوف
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment