شكلت نهاية الحرب الباردة مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الدولية، اتسمت بإعادة بناء العديد من المفاهيم التي كانت متواجدة منذ قدم البشرية ومنحها الأولوية في الخطابات السياسية لارتباطها المباشر بالظواهر الدولية، ومن بين الكم الهائل من هذه المفاهيم نجد “مصطلح الأزمة” والذي يُعد من المصطلحات الأكثر استخداماً في عصرنا الحالي الذي يمكن وصفه بعصر الأزمات، فأزمات اليوم مست كل جوانب الحياة وأضحت متواجدة على الكافة الأصعدة والمستويات، سواءً على المستوى الفردي بمواجهة الفرد لأزمات نفسية واجتماعية في حياته اليومية، أو على المستوى الوطني بمواجهة الحكومات والمؤسسات لأزمات سياسية واقتصادية، وكذا على المستوى الدولي ببروز ما يُعرف اليوم بالأزمات الدولية ذات الامتدادات العابر للقومية وهي محل الدراسة في هذا المقال.

مفهوم الأزمة الدولية: 

يعودُ أصل كلمة أزمة إلى العصور القديمة، حيث اشتقت كلمة crisis من الكلمة الإغريقية krino والتي تعنى القرار الحاسم أو المهم، ومن الكلمة اليونانية kip vew بمعنى لتُقرر، وجاءت في اللغة الصينية جامعة بين معنيين اشتملت عليهما كلمة wit-ji فكلمة (wit) تعنى الخطر، وكلمة (ji) تعنى الفرصة التي يمكن أن نستثمرها لدرء الخطر.

هذا في اللغة أما في الممارسة فأول ما ورد مصطلح الأزمة كان في علم الطب الإغريقي، حيث كانت تُعبر أو تدل على اللحظات المصيرية من تطور المرض، وبالتالي يتوقف عليها شفاء المريض أو موته. ومع تطور العصور أخد المصطلح بالتداول من قبل العديد من الدارسين وشمل مختلف الميادين وفتح المجال لتعدد الآراء والدراسات حوله، مما وضع الباحث أمام إشكالية إيجاد تعريف شامل له وقد عبر عن ذلك تشارلز ماكليلاند – Cheres Makliland بقوله: ” يصعب و يتعذر وضع تعريف شامل للأزمة بسبب الكم الهائل من الدراسات التي نشرت حول مدلولها، و التي شملت كل زواياها”.

فمن الناحية السياسية الأزمة هي: “حالة أو مشكلة تأخذ بأبعاد النظام السياسي و تستدعي إيجاد قرار لمواجهة التحدي الذي تمثله”.

أما من الناحية الاقتصادية فالأزمة تدل على: “انقطاع في مسار النمو الاقتصادي حتى انخفاض الإنتاج”.

و قد جاءت في العلوم الاجتماعية بمعنى الفوضى، فهي تشير إلى حالات الفوضى التي تعاني منها الناس و الحكومات و الدول، و بمعنى أكثر دقة تعنى الوضع الغير مستقر الذي يحدث فجأة و يكسر العمليات الروتينية في كل نظام، أما في العلاقات الدولية فأشارت إلى الفرصة لكسب شيء ما.

و عليه يمكننا القول بأن الأزمة في معناها العام و بغض النظر عن المجال أو الميدان الذي تنتمي إليه سواءً كان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً هي عبارة عن موقف حرج يحدث فجأة و يفرض على صانع القرار اتخاذ قرار حاسم يمثل له فرصة للنجاح أو الفشل.

أما مصطلح الأزمة الدولية فلم يتم تداوله في السياسة الدولية إلا في القرن التاسع عشر مع إسهامات جون كريج أوند فريدين – Jons Krieng Und Freienden  والتي جاءت معبرة عن الفترة الانتقالية بين السلم والحرب، بمعنى هناك أزمة ليس هناك حرب وفي نفس الوقت لا يوجد سلام، فالأزمة بهذا المعنى تشير إلى مرحلة اللاحرب، لا سلام.

وقد تعددت التعريفات المقدمة للأزمة الدولية ولعل سبب هذا التعدد والاختلاف راجع إلى عاملين أساسيين، أولهما مرتبط باختلاف الاتجاهات الفكرية والعلمية، وثانيهما يعود إلى الاستخدام الواسع والمختلف لمضمونها خدمة لأهداف ومصالح محددة.

حيث تُعرف كورال بيل – koral pill الأزمة الدولية على أنها: ” نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين أطراف ما، حيث ترتفع الصراعات إلى مستوى يُهدد بتغير طبيعة العلاقات بين الدول”، ففي حالة الأزمات بين الأعداء مثلاً تتحول العلاقات من علاقات سلمية إلى علاقات عدوانية (حربية)، أو من علاقات تعاونية إلى علاقات صراعية، أما في حالة الأزمات بين الأحلاف فتتحول العلاقات من تحالفية إلى انشقاقية.

أما أوران يونغ – Oran Yong فيعرف الأزمة الدولية على أنها: “مجموعة أحداث تكشف عن نفسها بسرعة محدثة بذلك خلالاً في توازن القوى القائمة في ظل النظام الدولي أو أياً من نظمه الفرعية، بصورة أساسية و بدرجة تفوق الدرجات الاعتيادية مع زيادة احتمال تصعيد الموقف إلى درجة العنف داخله”، والملاحظ من تعريف يونغ هو إشارته إلى النظم الفرعية أو الإقليمية التي تتأثر هي الأخرى بالأزمات التي تمس النظام الدولي ككل.

فيما يُقدم شارلز هيرمن – Charles Hurman تعريفاً أخر للأزمة الدولية على أنها: “الوضع الذي يُهدد أحد الأهداف الرئيسية للوحدة السياسية، بحيث يحد من الوقت للتفكير والتخطيط والاستجابة من أجل تغيير النتيجة المحتملة”، والواضح من تعريف هيرمن أنه ركز على عنصر المفاجئة أي أن الأزمة تحدث بشكل مفاجئ لم يُتوقع من قبل صانع القرار.

و يقترب هذا التعريف من تعريف كال هولستي – Kal Holsti الذي يرى أن الأزمة الدولية: “تغير مهم في كمية و نوعية أو شدة تفاعلية الأمم”، فالأزمة عند هولستي هي أحد مراحل الصراع، تنشأ عن طريق مفاجئة أحد الأطراف للطرف الأخر بفعل ما، مما يؤدي إلى زيادة حدة التوتر و التهديد بين الطرفين لدرجة تفرض على صانع القرار اختيار أحد البديلين إما الحرب أو الاستسلام.

انطلاقاً من التعاريف السابقة يمكننا أن نرى مدى الاختلاف والتعدد حول مدلول الأزمة الدولية بين مختلف الاتجاهات العلمية والمدارس الفكرية، لكن من جهة أخرى هناك قدر من الاتفاق بين البعض منهم، ولتبسيط نقاط الاختلاف والاتفاق سنقسم دارسي الأزمة الدولية إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى: والتي نرى بأنها تُعرف الأزمة الدولية في إطار المفاهيم الخاصة بمنهج النسق في تحليلات العلاقات الدولية، حيث تُركز على التفاعلات السلوكية بين وحدات النظام أي أنه كما يقول كينيت بولدينغ Kenneth E. Boulding “الأزمة الدولية هي أزمات النظام السياسي أو الدولي”، فنشوء أزمة دولية حسب هذا الاتجاه يقوم على الجمع بين معيارين أساسيين، أولهما هو تغير أو زيادة في واقع/ كثافة الاتجاه نحو الصراع في التفاعلات بين دولتين أو أكثر مع احتمال تصاعد العمليات العسكرية، وثانيهما هو مدى تسبب تلك التغيرات في زعزعة الاستقرار في العلاقة بين الدول، وبالتالي التأثير على النظام الدولي ككل.

المجموعة الثانية: نجدها تنظر للأزمات الدولية انطلاقاً من كونها أزمات السياسة الخارجية، بحيث ترتبط بعملية صناعة القرار سواءً التنظيمية، إذ تعد حالة من التهديد المفاجئ والآني لأهداف حيوية تضع صانع القرار في موقف حرج، حيث تفرض عليه اختيار القرار المناسب في وقت محدد، أو الإدراكية أي ارتباطها بادراك صانع القرار وهنا نميز بين نوعين من الأزمات، أزمات من جانب واحد يكون فيها الفاعل يرى نفسه محاطاً بالأزمة في حين الخصم لا يرى ذلك، وأزمات ذات وجهين تكون فيها كل أطراف الأزمة مدركة لوجودها.

و قد حاول ميخائيل بريتشر- Mikhil Britcher التوفيق بين المجموعتين وأعطى تعريفاً للأزمة الدولية على أنها: “حالة تميزها وتتنبأ بها أربعة أمور تتلخص كما تراها المستويات العليا لصانع القرار في: ظروف داخلية وخارجية، بروز تهديد للقيم الأساسية الحالية والمستقبلية، تصاعد احتمال حدوث أعمال عنف عسكرية، فرض وقت محدد يكون قصير للتعامل مع هذه التهديدات”.

انطلاقاً من التعريفات السابقة الذكر وبناءاً على تحليلات مختلف الاتجاهات النظرية المهتمة بدراسة الأزمة الدولية، يمكننا أن نقدم تعريفاً عاماً للأزمة الدولية على أنها: “نقطة تحول مفاجئة في العلاقات بين الدول، تتضمن تهديداً مباشراً للقيم والمصالح العليا لمختلف الفواعل، مما يفرض على صانع القرار اتخاذ مواقف سريعة وفعَّالة في فترة ضيقة، حيث يتوقف احتمال تحول الأزمة إلى صراع أو حرب على كيفية استجابة الأطراف المعنية تجاه الموقف، مما يؤدي إما إلى استقرار النظام الدولي أو اختلال توازنه”.

و نظراً لارتباط مصطلح الأزمة الدولية بالجانب الصراعي أو التفاعلات الصراعية في العلاقات الدولية نجده يتداخل مع العديد من المصطلحات التي تتشارك معه في قدر من الخصائص، مما يُصعب على الباحث أحياناً اختيار المصطلح المناسب، و يضع القارئ أحياناً أخرى في مرحلة الخلط بين المفاهيم، ومن بين هذه المفاهيم:

  1. التوتر: و يعنى “حالة من القلق و عدم الثقة المتبادلة بين فاعلين أو أكثر داخل الدولة الواحدة أو بين دولتين”، وعليه فالتوتر يكون مرحلة سابقة عن الأزمة قد يؤدي إليها أو لا.

  2. النزاع: ويعنى “تنازل الإيرادات الوطنية الناتج عن الاختلاف في دوافع الدول وتصوراتها وأهدافها، التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات وانتهاج سياسات خارجية ذات طبيعة اختلافيه أكثر منها توافقية”، وبالتالي النزاع هو مرحلة لاحقة عن الأزمة أي مرحلة من مراحل تطور الأزمة، ففي حالة ما إذا لم يتم إدارة الأزمة بالطرق السلمية سوف تتحول إلى نزاع.

  3. الصراع: كثيرا ما يتداخل مفهوم الصراع مع مفهوم الأزمة حيث يُعرف كال دويتش الصراع على أنه: ” وجود أنشطة حادثة أو أفعال جارية تتعارض مع بعضها البعض، وهو النشاط الذي لا يتفق مع أحد آخر ويمنع ويُعرقل فعالية النشاط الثاني”، فالصراع يكون معروف الأطراف والأبعاد والاتجاهات على عكس الأزمة التي في أغلب الأحيان تفتقر للمعلومات حولها، وعليه فالأزمة هي المرحلة الأعلى الحساسة من الصراع، والصراع هو آخر مرحلة من تطور الأزمة والذي غالباً ما تكون فيه المعادلة صفرية تؤدي للحرب.

بناءاً على ذلك تتدرج التفاعلية الصراعية في العلاقات الدولية بدءاً من التوتر، الذي إذا ما استمر وزادت حدته يؤدي إلى أزمة، فإذا لم تدار هذه الأزمة من قبل صنّاع القرار بشكل صحيح ستتفاقم لتصبح نزاع، أي يصبح الحل التوافقي أكثر صعوبة على الأطراف المباشرة أو غير المباشرة والذي في أغلب الأحيان يوصلنا إلى صراع، كآخر مرحلة من تطور الأزمة.

سمات الأزمة الدولية: 

تتسم الأزمات الدولية بخصائص تميزها عن غيرها وهي مستنبطة من التعاريف المقدمة لها، لهذا نجدها تختلف من اتجاه إلى أخر وعموماً يمكن إجمال أهم خصائص الأزمة الدولية فيما يلي:

  1. خاصية المفاجئة:  تمثل الأزمة الدولية نقطة تحول مفاجئة في العلاقات بين الدول أو داخل الدولة الواحدة، حيث تحدث بشكل مفاجأ غير مخطط له مسبقاً.

  2. خاصية التهديد: إذ تهدد المصالح العليا والأمن القومي للدولة.

  3. خاصية ضيق الوقت: حيث يكون الوقت المتاح لمواجهتها محدود وقصير في ظل شح المعلومات أو انعدامها.

  4. خاصية المخاطرة: حيث تفرض على صانع القرار ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية لمواجهة الأحداث، التي قد تؤدي إلى تحول في مستقبل العلاقات بين الأطراف.

لكن بالرغم من كون المفاجأة هي أحد خصائص الأزمة إلا أن هذا لا ينفي وجود بعض المؤشرات التي تحفزها والدلالات التي تتنبأ  بقرب حدوثها، كتعارض الأهداف والمصالح بين الدول، النزاعات حول الحدود، التدخل في الشؤون الداخلية للدول، الصراعات الطائفية، وقد تنشأ نتيجة لعوامل نفسية تتعلق بسوء الفهم وسوء الإدراك وسوء التقدير والتقييم من قبل صانع القرار.

كما تتسم الأزمات الدولية بالديناميكية والنمو التدريجي، حيث تمر بمراحل في تطورها:

  1. المرحلة الأولى (ميلاد الأزمة): في هذه المرحلة يبدأ صانع القرار يحس بخطر ما يلوح في الأفق، ولابد عليه التعامل معه ودرئه قبل تفاقمه وانتقاله للمرحلة التالية.

  2. المرحلة الثانية (نمو الأزمة و اتساعها): هنا تبدأ الأزمة في النمو والاتساع مستمدة قوتها من محفزات داخلية وخارجية نتيجة عدم قدرة صانع القرار السيطرة عليها في المرحلة الأولى.

  3. المرحلة الثالثة (نضج الأزمة): تعد هذه المرحلة الأخطر من عمر الأزمة فيها تصل الأزمة إلى أقصى قوتها وعمقها، مما يصعب السيطرة عليها وفي كثير من الأحيان تقف الأزمات عند هذه المرحلة لأسباب داخلية أو إقليمية أو دولية.

  4. المرحلة الرابعة (انحسار الأزمة): تأتي هذه المرحلة نتيجة لقدرة صانع القرار على احتوائها وفق خطط مدروسة أي بداية للانفراج.

  5. المرحلة الخامسة (حل الأزمة): في هذه المرحلة تنتهى الأزمة نهائياً.

و انتهاء الأزمات الدولية غالباً يكون بإحدى الطريقتين إما بطرق سلمية يتوصل فيها الطرفان إلى حلول غير صفرية عن طريق التفاوض و المساومة، و إما بطرق عنفيه تؤدي إلى اللجوء للحرب واستخدام القوة العسكرية في حالة تعنت الطرفين واختيارهم الحلول الصفرية.

المصادر والمراجع:

قحطان حسين طاهر، “ماهية الأزمة الدولية..دراسة في الإطار النظري”، مجلة العلوم السياسية، ع.42، جامعة بغداد.

عباس رشدي العامري، إدارة الأزمات في عالم متغير، القاهرة: مؤسسة الأهرام، 1993.

عليوة السيد، إدارة الأزمات و الكوارث: مخاطر العولمة والإرهاب الدولي، ط.2، القاهرة: دار الأمين للنشر و التوزيع، 2002.

ثامر كامل محمد الخزرجي، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات، الأردن: دار مجدلاوي للنشر و التوزيع، 2005.

 خليل عرنوس سليمان، “الأزمة الدولية و النظام الدولي: دراسة في علاقة التأثير المتبادل بين إدارة الأزمات الإستراتيجية الدولية و هيكل النظام الدولي”، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، 2011.

حسين قادري، النزاعات الدولية: دراسة و تحليل، باتنة: منشورات خير جليس، 2007.

بوزرب رياض، النزاع في العلاقات الجزائرية المغربية 1963-1988، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية غير منشورة, جامعة قسنطينة: كلية الحقوق و العلوم السياسية، 2007-2008.

مصطفى بخوش، ماهية الأزمة الدولية، محاضرة مقدمة في مقياس إدارة الأزمات الدولية (غير منشورة)، جامعة بسكرة، 2015-2016.

علي بن هلهول الرويلي، الأزمات: تعريفها، أبعادها، أسبابها، حلقة علمية خاصة بمنسوبي وزارة الخارجية “إدارة الأزمات”، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية التدريب، 2011.

Michael Brecher, ” Conflict and crisis: crisis concepts overview findings on earthquaker”, internatinal politcalearthqukes, university of michigan, 2008

.Omer Goksellsyar , “Difinition and managment of international crisis”, Winter 2008

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
مريم مخلوف
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment