تعد الانتخابات بمثابة الوسيلة الأساسية التي تؤهل الناس للمشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلدانهم والتي بدورها تعتبر حقاً أساسياً من حقوق الإنسان كافحت من أجله الشعوب في جميع أنحاء العالم، ويعتبر حق الانتخاب في الدول الديمقراطية، من أهم الممارسات السياسية، فهي وسيلة لنقل السلطة بطريقة سلمية من شخص إلى آخر، أو مجموعة إلى أُخرى.
تختلف إجراءات ونظم الانتخابات من بلدٍ لآخر، إلا أن هناك أسساً معينة يجري العمل بها في كثير من البلاد، ونظرا لأهمية ظاهرة الانتخابات لإرساء قواعد الديمقراطية في المجتمع سنتطرق إليها في هذه المقالة.

تعريف الانتخابات:

هناك العديد من التعاريف القانونية، والسياسية المختلفة للانتخابات نذكر من بينها ما يلي:

في لسان العرب لابن منظور، الانتخاب من فعل نخب، “ونخب: أي أنتخب الشيء أختاره، والنخبة ما اختاره منه ونخبة القوم ونخبتهم خيارهم، والنخب النزع والانتخاب الانتزاع والانتخاب الاختيار والانتقاء من النخبة.

أما اصطلاحاً فيعرف الانتخاب بأنه اختيار شخص من بين عدد من المرشحين ليكون نائباً يُمَثِّل الجماعة الـتي ينتمـي إليها، وكثيراً مـا يطلـق علـى الانتخـاب اسـم (اقـتراع) أي الاقـتراع علـى اسـم معـين، ويعـد الانتخـاب حقـاً عامـاً للمـواطنين ولـيس لسـلطة مـن السـلطات أن تحـرم المـواطن مـن ممارسـته مـا دام مسـتوفياً شـروط السـن والعقـل واعتبارات الشرف “ليس مجرمـا محكومـاً عليـه”، فضـلاً عـن شـرط الجنسـية.

كما عرف الدكتور صلاح الدين فوزي الانتخاب بأنه: “الإجراء الذي به يعبر المواطنين عن إراداتهم ورغبتهم في اختيار حكامهم ونوابهم البرلمانين من بين عدة مرشحين”.

و بذلك فالانتخابات هي إجراء دستوري لاختيار الفرد، أو مجموعة من الأفراد لشغل منصب معين.

التطور التاريخي لمفهوم الانتخابات:

الانتخابات في الديمقراطيات القديمة:

لم يكن للانتخاب في الديمقراطيات الإغريقية والرومانية دوراً بارزاً لأن الحقوق المدنية والسياسية كانت محصورة في عدد قليل من السكان أما الباقون فهم عبيد ليست لهم أي حقوق. كانت الديمقراطية في ذلك الوقت مباشرة؛ حيث يجتمع معظم سكان الدولة في الساحة العامة ليعقدوا اجتماعاتهم ويتخذون قراراتهم الهامة ثم يتم التصويت مباشرة دون وساطة النواب، فكان الاعتقاد السائد لديهم أن القرعة تترك الأمر لإرادة الآلهة تختار من تشاء، وهذا يعكس الشعور بالمساواة بين المواطنين، وأسلوب القرعة يستعمل حتى في الديمقراطيات الحديثة إذ يتم اختيار القضاة الإقليميين في الولايات المتحدة الأمريكية بالقرعة كذلك في فرنسا يتم تعيين أعضاء المحاكم التجارية والمجالس التجارية، وفي انجلترا يتم تعيين هيئات المحلفين بواسطتها…

الانتخابات في القرون الوسطى:

أدى انهيار الإمبراطورية الرومانية إلى تقلص فكرة السلطة العامة في أوروبا وانتشار نظام الإقطاع والطبقية فكانت الحياة الفردية جزء لا يتجزأ من الجماعات التي ينتظم فيها الفرد وتتولى حمايته، وكان الفرد لا يتمتع بحقوقه إلا عن طريقها “الجماعة” وكان دور الجماعة هو التمثيل؛ فعندما يشعر الملوك بأنهم بحاجة إلى تأييد المحكومين كانوا يدعون إلى مجالسهم ممثلين عن تلك الجماعات، فلم يكن الغرض الأساسي من التمثيل المشاركة في الحكم واقتصر دور الممثلين على إقرار الضرائب الجديدة المطلوب طرحها، بيان المخالفات التي يرتكبها الموظفين الملكيون، حماية الامتيازات الخاصة بالجماعة .وعليه لم يكن يساهم الشعب في ممارسة السلطة العامة بالرغم من أنه كثيرا ما يتم اختيار الممثلين عن طريق الانتخاب، فكانت سيطرة الملك على السلطة تحول دون مساهمة الممثلين فعليا في ممارسة السلطة.

الانتخابات في الديمقراطيات الحديثة:

تم الربط بين الديمقراطية والتمثيل في القرن الثامن عشر مع ظهور نظريات السيادة الشعبية عن طريق الانتخاب؛ وذلك لاستحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة لعدم إمكانية جمع كل المواطنين في جمعية عامة في الدول الكبرى، فمن جهة تزايد عدد الناخبين ومن جهة أخرى تشعبت حاجات الشعب وتعقدت أمور الحكم، الأمر الذي يستدعي توفر الخبرة الفنية و الدراية، ولم تكن الجمعيات العامة كافية لتناول أمور الدولة إضافة إلى إمكانية التأثير على المصوتين، لأن التصويت يتم علانية وكان يأخذ بعين الاعتبار تأثير رجال الدين عليهم. وأمام هذه الانتقادات ظهر في أوروبا مفهوم جديد هو الديمقراطية التمثيلية التي تفترض بطبيعتها انتداب ممثلين من الشعب لتولي الحكم عنه، لأن الشعب لا يستطيع ممارسة الحكم مباشرة عن طريق الانتخاب، الذي كان الوسيلة الوحيدة للشعب لانتقاء من يثق بهم. وفي نفس السياق شهد القرن التاسع عشر الميلادي نضالًا في سبيل الديمقراطية والمطالبة بتوسيع الانتخابات للوصول إلى الاقتراع العام فأصبح هناك تلازم بين الديمقراطية وحق التصويت وسائر الحقوق الفردية، إلى أن أصبحت الانتخابات الأداة الأساسية للحفاظ على انتقاء الحكام وتوليهم الحكم بطريقة شرعية.

طبيعة الانتخابات:

  1. الانتخابات حق: يعتبر الانتخاب حق لكل فرد في المجتمع ويترتب على ذلك تطبيق مبدأ الاقتراع العام أي مساهمة جميع أفراد المجتمع البالغين سن الرشد في الانتخاب، و لكن بما أنه حق شخصي فلا يترتب عليه أي إلزام، أي أن للفرد حق في أن يمارس هذا الحق ويشترك في عملية الانتخابات ويدلي برأيه، أو من حقه أيضاً أن يمتنع عن ذلك.

  2. الانتخابات وظيفة اجتماعية: خشية من تطبيق مبدأ الاقتراع العام ومشاركة جميع أفراد الجماعة في الحياة العامة وطمعاً في احتكار السلطة بين يديها فقد عمدت الطبقة البورجوازية بعد الثورة الفرنسية إلى المناداة بمبدأ سيادة الأمة بدلًا من مبدأ السيادة الشعبية، ومبدأ سيادة الأمة يقول بأن السيادة الشعبية لا تعود إلى أفراد الجماعة وإنما إلى شخصية معنوية مستقلة عن الأفراد الطبيعيين، وهذه الشخصية المعنوية هي الأمة، وإن الأفراد الذين يمارسون عملية الانتخاب والتصويت إنما يقومون بذلك نيابة عن الأمة ويؤدون وظيفة وهم لا يحصلون على هذا الحق إلا من الدستور ومن قوانين الدولة التي لا تعترف بهذا الحق لا لمن تراهم أهلا لذلك، أليس هناك حق للفرد ولا للجماعة بالانتخاب و إنما يحصل أفراد معنيون تتوفر فيهم شروط معينة على حق التصويت من خلال القوانين التي تصنعها الدولة.

  3. سلطة قانونية: يرى بعض الكتاب أن الانتخاب ليس بحق ولا وظيفة اجتماعية وإنما هو سلطة قانونية مصدرها الأساسي هو الدستور الذي ينظمها من أجل إشراك المواطنين في اختيار الحكام.

خصائص الانتخابات:

هناك عدّة مميزات أو خصائص للانتخابات الديمقراطيّة، وهذه الميزات هي:

  1. الانتخابات عامّة: بمعنى أنّه يحقّ لكلّ مواطن أن يَنتخِب وأن يُنتخَب. وفي بعض الأحيان هناك تقييدات لهذا الحقّ (أن تَنتخِب وأن تُنتخَب)، لكنّ هذه التقييدات تكون قليلة بقدر الإمكان، مثل قيد السن وغيرها.

  2. الانتخابات متساوية: ومعنى ذلك أنّ لكلّ ناخب صوتًا واحدًا. فصوت المثقّف يساوي صوت غير المثقّف، وصوت الغنيّ يساوي صوت الفقير.

  3. الانتخابات دورية: بمعنى أن الانتخابات تعود وتتكرّر بعد مرور مدة معينة من الزمن وهذه المدة منصوص عليها في القانون. كذلك، هناك قواعد  تتقرّر وفقها هذه الدوريّة بالنسبة للانتخابات.

  4. الانتخابات سرّيّة: هناك وسائل تهدف إلى ضمان وتأمين سرّيّة الانتخاب، بحيث لا تكون هناك إمكانيّة لممارسة ضغط غير لائق وغير عادل على الناخب وإقناعه بالتصويت لمرشّح معيّن عبر استخدام وسائل غير لائقة ومرفوضة. مثلاً، يتمّ وضع ورقة التصويت في مغلَّف غير شفّاف ومغلق، ويكون هناك ستار يحجب المصوِّت عن الأنظار ويحول دون إمكانيّة مشاهدة ورقة التصويت الّتي وضعها، وبالتالي معرفة المرشّح أو الحزب الّذي صوّت لصالحه.

  5. الانتخابات نزيهة وعادلة: والمقصود بذلك أنّها تجري وفق قواعد متّفق عليها وحسب قوانين الدولة.

  6. الانتخابات تعبّر عن حرّيّات المواطن: حرّيّة التعبير والإدلاء بالرأي، إبداء التسامح وعدم التعصّب تجاه الآراء المختلفة، حرّيّة الانتظام (في حزب أو حركة) والتنظيم السياسيّ.

يشارك في الانتخابات حزبان على الأقلّ، أو مرشّحان على الأقلّ؛ ليتسنى للمواطن الاختيار من بين البدائل المعروضة أمامه.

 

معايير نزاهة الانتخابات:

سنتطرق في ما يلي إلى أبرز معايير أو مؤشرات الانتخابات النزيهة:

  1. حق الاقتراع العام: ترتبط الانتخابات الديمقراطية التنافسية بحق الاقتراع العام، أي حق كل المواطنين البالغين المسجلين في الاقتراع في الانتخابات دون تمييز على أساس  اللون أو الأصل أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو النوع أو اللغة أو الدين أو المذهب. ويرتبط بحق الاقتراع العام قاعدة أن لكل ناخب صوت واحد.

  2. تسجيل الناخبين بشفافية وحياد: على الرغم من أن تسجيل الناخبين في سجلات انتخابية ليس شرطاً ضرورياً للانتخابات الديمقراطية، إلا أنه يعمل على تحقيق هدفين رئيسيين هما:

    أ – فالتسجيل يُوفر آلية للنظر في المنازعات التي قد تُثار في شأن حق الفرد في التصويت، وذلك بشكل منتظم وقبل يوم الانتخابات ذاته، وهذا بالطبع يكتسب أهمية كبرى في الحالات التي يحاول شخص ما- لا يمتلك الحق في التصويت – أن يُدلي بصوته في الانتخابات، أو عندما يحاول شخص أن يمارس حقه مرتين.

ب – ومن ناحية أخرى فإن تسجيل أسماء الناخبين في سجلات انتخابية يُمكّن الهيئة المشرفة على إدارة الانتخابات من تنظيم أعمالها المتصلة بتحديد الدوائر الانتخابية وتوزيع القوة البشرية المشرفة على الدوائر المختلفة.

  1. الحياد السياسي للقائمين على الانتخابات: من أبرز معايير نزاهة الانتخابات الديمقراطية حياد القائمين على إدارتها في جميع مراحلها بدءاً من الإشراف على عملية تسجيل الناخبين والمرشحين، ومروراً بإدارة يوم الانتخابات، وانتهاءً بعملية فرز الأصوات وإعلان نتائجها النهائية، والإشراف على حق الناخبين والمرشحين في الشكوى والتظلم أو الطعن.

  1. قانون انتخابي عادل وفعّال: تستند نزاهة عملية إدارة الانتخابات، بشكل رئيسي، على القانون الانتخابي الذي ينظم عملية الانتخابات في مراحلها المختلفة، ويتيح لكل أطراف العملية الانتخابية من ناخبين ومرشحين ومشرفين، الوقوف على الكيفية التي يتم من خلالها إدارة الانتخابات والإعلان عن نتائجها.

  2. دورية الانتخابات: وتعني سمة الدورية تطبيق القواعد والإجراءات الانتخابية ذاتها – والمحددة مسبقاً – على جميع الناخبين والمرشحين بشكل دوري ومنتظم وغير متحيز لفئة أو جماعة معينة، ويستند هذا المبدأ إلى سمة رئيسية من سمات الديمقراطية وهي أن تقلد المناصب السياسية تُحدد زمنياً بفترات محددة،

 وفي الختام فإن الانتخابات تعد قاعدة النمط الديمقراطي ومن أهم وسائل المشاركة في الحياة السياسية و تأصيل شرعية النظم السياسية الديمقراطية فسلامة الديمقراطية و نجاحها يتوقفان على سلامة العملية الانتخابية و نزاهتها و مصداقيتها.

 

المصادر والمراجع:

محمد بن مكرم الأنصاري، ابن منظور جمال الدين. لسان العرب. الجزء الثاني، مصر: الدار المصرية للتأليف والترجمة، بدون سنة نشر.

صالح جواد الكاظم، و العاني، علي غالب. الأنظمة السياسية. بغداد: مطبعة دار الحكمة، 1990.

صلاح الدين فوزي،  المحيط من النظم السياسية والقانون الدستوري. مصر: دار النهضة العربية،  2000.

ستار جبار علاي، الانتخابات العراقية و تأثيرها في الاستقرار و التنمية. “مجلة الدراسات الدولية”، العدد الرابع و الخمسون.

سامية عطاء الله، دور الانتخابات في تفعيل التحول الديمقراطي وإرساء الحكم الراشد”نموج الجزائر”. مقدمة مكملة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية و العلاقات الدولية، جامعة محمد خيضر بسكرة، كلية الحقوق و العلوم السياسية، قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية، 2013.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment