مما لا شك فيه أنَّ التسويق السياسي هو أحد الاتجاهات الحديثة والمعاصرة لعلم التسويق الحديث، إلا أنه لم يلق الاهتمام اللازم من قبل الباحثين والكُتَّاب وخاصة المتخصصين في مجال التسويق. مما انعكس على قلَّة الأدبيات والموضوعات في هذا المجال، وعدم تطورها بالشكل الذي يتناسب مع أهمية هذا العلم، لذا سنستعرض وإياكم في هذا المقال مفهوم وتعريف التسويق السياسي.

نشأة مفهوم التسويق السياسي:

ظهر التسويق السياسي كفن للاقناع مع ظهور فلاسفة اليونان خاصة الفليسوف أرسطو، كما أنه تم تطويره فى عصر النهضة مع ظهور الأفكار الخاصة بالفلسفة السياسية لنيكولا ميكافيلي  – Niccole Machiavelli فى القرن السادس عشر.

ويرجع التطور التاريخي لأدوات التسويق فى أوائل القرن العشرين فى بريطانيا. وبالرغم من ذلك إلا أن أول من استخدم وطور أدوات التسويق لاستخدامها فى التسويق السياسي كان في الولايات المتحدة الأمريكية ثم لحقت بها بريطانيا. يقول ماريك – Maarek أن تاريخ الاتصال السياسى تزامن مع ظهور وسائل الإعلام المرئية (التلفاز)، وكان الرئيس أيزنهاور – Eisenhower هو المرشح السياسي الأول فى الولايات المتحدة الذى استفاد من تكنولوجيا الاتصال السياسي كوسيلة للاقناع. ووصف شامة – Shama أن أوائل عام 1960 كانت الحملات الانتخابية ما هى إلا مجرد ترويج للمرشحين، ولكن تطورت فى الولايات المتحدة مع حملات الرئيس ريجان – Reagan في عام 1980 والتى أعتمدت على التسويق بمعناه الشامل (كما تتبعها الشركات التجارية).

ثم انتقل استخدام التسويق السياسي من الولايات المتحدة إلى بريطانيا بعد استخدام مارجريت تاتشر – Margaret Thatcher – زعيمة حزب المحافظين – للتسويق السياسي لحملتها الانتخابية لعام 1987، والذى ينظر إليه باعتباره تغيير فى طريقة الانتخابات البريطانية. في حين أن المحافظين كانوا يستخدمون سابقاً فى حملاتهم الانتخابية وكالات الأنباء ساتشي ساتشي (Advertising Agents Saatchi and Saatchi) ، وفي عام 1980 استخدمت استراتيجيات التسويق لتحديد السياسات غير قابلة للاستمرار. وفى رأي اسكمل – Scammel “أن عام 1987… كانت البيانات الرسمية والاستراتيجية للانتخابات هى صلب تحليل دراسات التسويق فى بريطانيا”. ومن هنا قاد المحافظون استخدام التسويق لعرض أفكارهم عن طريق دراسة “وضع السوق الانتخابي”، وتابع حزب العمال أثناء قيادة نيل كينوك – Neil Kinnock، حيث أصبح التسويق السياسي كمصطلح جزء من التفكير التنظيمى لحزب العمال، ويتوازى هذا التوصيف للتسويق كمجموعة من الممارسات (الأدوات) التي تستخدمها النخب السياسية بواسطة الدراسات الاكاديمية التى وضعت التأصيل النظري للتسويق السياسي.

تعريف التسويق السياسي:

في اللغة العربية يتم استعمال تسويق أو علم التسويق، استناداً إلى جذر الكلمة في لغتها الأصلية (السوق)، وبالرغم من تعدد المرادفات والبدائل لهذا المفهوم، تبقى كلمة (marketing) هي الأكثر شيوعاً وتداولًا في الأوساط العلمية والتجارية وقد يكون الهدف هو الحفاظ على معناه الأصلي.

يعرف القاموس الروماني التسويق على اعتباره  “مجموعة متكاملة من الأنشطة والأساليب والتقنيات بهدف دراسة المستهلك وتلبية طلباته من المنتجات والخدمات.”

بينما في قاموس التسويق، فيعرف التسويق كمفهوم إداري حديث على أنه، يتبلور فى تخطيط وتنظيم وتنفيذ ومراقبة جميع الأنشطة الداخلية والخارجية للمؤسسة، من أجل توجيه المستهلك لسلع واحدة فى السوق، وذلك عن طريق تحقيق رضاء المستهلك من تلبية رغباتة واحتياجاته وفى نفس الوقت تحقيق المنظمة لأقصى ربح ممكن. والمضمون الأساسي لهذا المفهوم ليس عدم البيع ولكن تلبية احتياجات المستهلك.

ويعرف كوتلر  Kotler بأن التسويق هي عملية اجتماعية ادارية، تقوم بها المنظمة (فرد أو مجموعة) بغرض تغييير احتياجات ورغبات الجماعة أو الأفراد الأخرين، من خلال خلق التبادل بين المنتجات والقيمة.

ومن هذا المنطلق يُمكن عرض تعريف التسويق السياسي من خلال عدد من المفكرين نجد أنه:

فطبقاً لرؤية هاروب Harrop عام 1990 فإن التسويق السياسي ليس فقط متمثلاً فى الدعاية الانتخابية والانتشار الحزبي والخطب الانتخابية لكنه يحتاج إلى كافة الأدوات الاتصالية للترويج عن الحرب. كما قال كافانا Kavangh عام 1995، 1996 أن التسويق السياسي هو وضع استراتيجيات وأدوات لتتبع ودراسة الرأي العام قبل وأثناء الحملة الانتخابية لتطوير وتنمية مضمون الرسائل السياسية فى الحملات الانتخابية وتقييم أثرها.

كما يرى ماريك (Maarek) عام 1995 أن التسويق السياسي عملية مُعقَّدة وهي ناتجة عن تضافر أكثر من عامل للتواصل السياسي. وأعتبر إدخال علم التسويق فى علم السياسة كنتيجة لـوضع سياسة الاتصال السياسي فى استراتيجية شاملة على تصميم وترشيد ونقل الرسائل السياسية. كماأنه فرق  ماريك Maarek بين الاتصال التجاري لتسويق والاتصال السياسى للأحزاب السياسية، لأن المنتج الحزبى لا يتكون فقط من اتصالات سياسية ولكن هناك عدد من العوامل الأخرى مثل:

(1) برنامجها الايديولوجى ووضع مقترحات لسياستها.

(2) قائد الحزب والمرشحيين ومسئولى الحزب.

(3) أعضاء الحزب بشكل كامل.

 وفى رأي ماريك Maarek أن التسويق السياسي أصبح جزء لا يتجزء من الاتصال السياسى ، حيث قال، “الاتصال السياسي تشمل عملية التسويق بأكملها من دراسة مبدئية للسوق (الجمهور المستهدف) واختباره واستهدافه”

وإلى جانب أخر، يرى كلاً من لوك وهارس Lock and Harris عام 1996 أن التسويق السياسى يهتم بالاتصال بأعضاء الأحزاب ووسائل الإعلام ومصادر التمويل المحتملة فضلاً عن الناخبين. كما يعرف رينج Wring عام 1997، بأن التسويق السياسي استخدام الحزب أو المرشح لدراسات الرأي العام وتحليل البيئة للانتاج وللترويج لمرشح مناسب والذي يساعدها على تحقيق الأهداف التنظيمية وتلبية رغبات الناخبين مقابل أصواتهم.

ويقول أو كاس O’ Cass عام 1996 بأن التسويق السياسي يمكن الأحزاب السياسية من التصدى لمخاوف الناخبين المتنوعة ويحتاج من خلال التسويق التحليل والتخطيط والتنفيذ والتحكم فى الحملات الانتخابية، كما يقول أيضاً أن، الغرض الرئيسي من التسويق السياسي هو تمكين الأحزاب السياسية والناخبين لاتخاذ القرارات المناسبة والمرضية. ويستخدم أو كاس O’ Cass نموذج التبادل (exchange model) لتعريف التسويق السياسي ووفقاً لهذا النموذج عندما يدلي الناخب بصوته – وهي الصفقة – يقدم الحزب أو المرشح مقابل أصواتهم حكومة وسياسات جيدة، كما يقول أن تطبيق التسويق على العمليات السياسية تعتمد على أتمام الصفقات (المعاملات)، والحافز، وتقدير الناخب.

واعتمدت جمعية التسويق الأمريكية American Marketing Association AMA فى مفهوم التسويق السياسي على دمج كلمة “الأفكار” فى إعادة تعريف التسويق عام 1985 على أنها “عملية تخطيط، وتنفيذ التصورات، والتسعير، والترويج، والتوزيع للأفكار والسلع والخدمات لخلق التبادلات التي تلبي الأهداف الفردية والتنظيمية”.

فمن هنا ندرك أن التسويق أساسا يبدأ من حاجات ورغبات الأفراد المختلفة  من مجتمع لآخر والمتمثلة في المنتجات المادية والمعنوية، فالتسويق  يظهر عند توفر الرغبة لدى الأفراد في إشباع حاجاتهم عن طريق عملية التبادل في السوق.

عندما نستعمل كلمة التسويق لمفردها، فإن الأمر يتعلق تقريباً و دوماً، بالتسويق التجاري ومع ذلك فإنه يوجد بالتأكيد مقاربات تسويقية في المجال السياسي أيضا أو في المجال الاجتماعي.

فقد عُرِّف التسويق السياسي أيضا بأنه: “ذلك النشاط أو مجموعة الأنشطة التي تستهدف تعظيم وتنظيم عدد المؤيدين لمرشح سياسي أو لحزب معين()

كما عرف أن التسويق السياسي “هو  برنامج أو فكرة معينة بما في ذلك الدعم المادي الجماهيري باستخدام كافة وسائل الاتصال الجماهيري أو أي وسائل أخرى ضرورية “().

و في موضع آخر نجد أن التسويق السياسي يُعَّرف كما يلي:”هو مجموعة من العمليات والأنشطة التي تؤدي إلى نجاح المرشح في الانتخابات السياسية، أو هو نظام متكامل تتفاعل فيه مجموعة من الأنشطة التي تعمل فيه بهدف تخطيط وتسعير وتعزيز المرشح من أجل فوزه في الانتخابات التي يطمح إليها “().

إذن من خلال استعراض تعاريف التسويق الحديث للفعاليات السياسية  أو التسويق السياسي، واستعراض تسويق المنتجات و الخدمات، نرى أن التسويق السياسي يتطابق مع تسويق المنتجات والخدمات في الإجراءات والوظائف، ولكنه يفترق في في الاستراتيجيات والأهداف النهائية التي يهدف إليها كل منها.

مضامين (عناصر) التسويق السياسي:

بالاستناد إلى التعاريف السابقة، سنحاول أن نقوم بتحليل كل مكون من مكونات التسويق السياسي على النحو التالي:

أ – المنتج السياسي :

إن المنتج السياسي هو: “مجموعة من الصفات الشخصية وغير الشخصية وبضمنها خصائص المرشح، وصورة المرشح، وصورة الحزب الذي ينتمي إليه، والوعود المقدمة التي يقبلها الجمهور على أنها تشبع حاجتهم ورغباتهم “. إذن فإن المنتج المستهدف للترقية يأخذ ثلاثة صور أو أشكال حيث نجد:

  1. في البداية أفكار المرشح: حيث يندرج فيها كلٌّ من الخلفية الفكرية للمرشح و مرجعياته المختلفة وتصوراته للأشياء وطريقته في معالجة القضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

  2. ثم نجد انتماء المترشح: سواء تعلق الأمر بالانتماء العائلي أو السياسي.

  3. ثم نجد المترشح نفسه: وما يتصف به من صفات سلوكية، وخطابية، أي كل ما يتعلق بشخصيته الكاريزمية وقدراته الشخصية في مجالات عدة .

إذن يتعلق الأمر في النهاية بصورة شاملة (رجال/ أفكار) لهذا المنتج، ويمــكن القول بأن المنتج السياسي له مزيج ثلاثي الأبعاد كنظيره في السلع المادية أي أن المنتج السياسي له:

  1. اتساع: والذي يشير إلى عدد القضايا المطروحة أو البرامج الخاصة بالحزب (برنامج اجتماعي وسياسي واقتصادي).

  2. عمق: والذي يشير إلى مدى تعدد الطروحات الخاصة بحل المشاكل في البرنامج الواحد.

  3. ترابط: الذي يشير إلى استخدام وسيلة أو عدة وسائل مشتركة أو مستشار إعلاني واحد لنشر برنامج أو عدة برامج انتخابية.

كما أن البرنامج الانتخابي للحزب أو المرشح يحتوي على: الأسس الأيـديولوجيـة، الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، منهج تـنفيذ الـبرنامج، المرشح ذاته حتى و إن كان ينظر إليه بمنظور رمزي.

ب – الناخب والمؤيد: 

بالنسبة للتسويق السياسي فإن المستهلك وقبل كل شيء هو عبارة عن مواطن عادي، حيث يجب جلب انتباهه ثم تجنيده، عن طريق معلومات تهم مستقبله وكذا مستقبل عائلته، ومدينته، ومنطــقته، ومستقبل وطنه أيضاً، والجهد المبذول في التسويق السياسي للبحث عن المساندين يهدف إلى تطويع هؤلاء عن طريق إعلان نزيه خال من الأخطار، وبعيد كل البعد عن الكذب والديماغوجية التي يمكن أن يتصف بها هذا الإعلان في حالة انحرافه.

ج – خلق الفارق:

خلق الفارق عن طريق التنظيم الجيد للحملة الانتخابية وجدية هذه الحملة أيضاً، وعن طريق قدراته الشخصية في الاتصال بالآخرين. يجري هذا الاختيار (الصوت)  في الغالب، على أساس تفاصيل غير متوقعة، حسب مميزات نفسية وغير عقلانية، كما أن هذا الاختيار ناتج أيضا عن الفارق الذي أحدثه المرشح، المدعم بتسويق سياسي، بمعنى مرفوق بتسويق جيد يرتبط بعلم نفس.()

د – البيــع:  

في التسويق التجاري البيع يعني التنازل عن شيء حسب السعر المناسب، وهذا المفهوم غير موجود في التسويق السياسي،  يمثل التصويت الانتخابي عملية البيع ويعرف التصويت أو الانتخاب ” بأنه طريقة التعبير عن الإرادة الحرة في الاختيار، وهو حق وواجب لكل مواطن  يتمتع بالأهلية العقلية وعمره، فالمواطن له حقوق سياسية ومدنية، و يملك جزءً من السيادة يمارسها عن طريق الانتخاب”، إذن فبيع المنتج السياسي هو توصيل البرنامج أو الفكرة للجماهير المستهدفة وإقناعهم بها، أي إحداث التأثير المستهدف على الرأي العام لجمهور الناخبين.

هـ – الربح (الفوز و الانتشار):

الفوز والانتصار هو قدرة المرشح أو الحزب للترويج إلى أفكاره وزيادة عدد مؤيديه وإقناعهم برسالته وأهدافه، بحيث يصبح له شبكة مؤيدين ويظهر الربح في نتائج الانتخابات والاستفتاءات.

في النهاية يمكن القول من أنه لا بُدَّ  لإجراءات التسويق السياسي من اختيار القضية التي تخص شريحة ما، مثل قضية البطالة قد تخص شريحة الشباب، وقضية ديوان الفلاحين قد تخص الفلاحين والمزارعين، فيبدأ المرشح بتكوين عدد من القضايا ويحدد الهدف من كل قضية والمستهدف منها والغرض منها وبعدها يبدأ فى إعداد برنامجه التسويقي السياسي يتكون البرنامج التسويقي من أربع نقاط:

  1. المنتج السياسي، نعني بالمنتج السياسي (حزبه – ماضيه السياسي – صورته أمام الجمهور).

  2. الحشد، نعني حشد الدعاية والإعلانات مدفوعة الأجر.

  3. التسعير، وهي تكاليف الحملة والوقت المبذول في الدعاية.

  4. المكان، مكان الندوات وبرامج المتطوعين.

يقدم البرنامج التسويقي الجديد مرشحاً سياسياً أمامه فرص للمنافسة، إن المرشح السياسي في حاجة إلى البحوث التسويقية ليعرف القضايا التي تشغل الناس ليضع برنامجه الانتخابي.

المصادر والمراجع:

عبد السلام أبو قحف، “هندسة الإعلان و العلاقات العامة” ،ط (القاهرة – الإسكندرية، مطابع الإشعاع الفنية، 2001).

 محمود جاسم محمد الصميدعي، “مداخل التسويق المتقدم”، ط1(  الأردن، دار زهران للطباعة، 1999).

الطاهر خرف الله ، “الوسيط”، ج2(الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2004).

علي مقلد، “فن تسويق الحديث”، ط(سوريا ، دار الهدى للطباعة و للنشر، 2004).

أبو بكر إدريس، “الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية”، ط(القاهرة، دار الكتاب الحديث2002).

Heather Savigny , “Political Marketing”, The Oxford Handbook of British Politics, February2,2009

Cristian-Romeo POłINCU, “Features of the Socio-Political Marketing”, Bulletin of the Transilvania University of Brasov, Vol. 2 (51) , 2009

Sudha Venu Menon, “Political Marketing: A Conceptual Framework”,  Munich Personal RePEc Archive, December 2008

Loannis Kolovos and Phil Harris, “Political marketing and political communication: the relationship revisited”, University of Otago, 2005, November,

Henneberg, S. C, “An Epistemological Perspective on Political Marketing”, Journal of Political Marketing, 7 (2):.Defining Political Marketing, 2008,

Philip Kotler and Sidney J. Levy, “Broadening the Concept of Marketing,” Journal of Marketing, vol. 38, January  1969

 

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment