درج الفقه القانوني على تقسيم الدول إلى نوعين رئيسيين، أحدهما يتصل بمدى ما تتمتع به الدولة من سيادة، فنجد دولاً كاملة السيادة وأخرى ناقصة السيادة، والنوع الأخر يتصل بطريقة تكوينها أو تركيبها؛ فالدولة قد تكون بسيطة وقد تكون مُركَّبة.

أما في مفهوم الدولة المُركَّبة، فنرى أن الدول المُركَّبة شكلت على مر الزمن عدّة أنواع من الاتحاد؛ بمعنى أن الدولة المُركَّبة قد تكون دولة اتحادية، أو فيدرالية، أو كونفيدرالية وذلك حسب استقلالية الأقاليم المكونة لها. وكذلك حسب طريقة تقسيم السلطة وتوزيع الصلاحيات بين مستوياتها المختلفة، فقد تتعدد فيها الدساتير وبالتالي قد تتعدد فيها الحكومات والتشريعات والقوانين واللوائح المطبقة في أقاليميها المختلفة، وللحصول على مفهوم واضح حول مفهوم الدولة المركبة نستعرض أهم نماذجها بالتفصيل:

النموذج الاتحادي:

ويشمل نوعين من أنواع الاتحاد بين الدول وهما الاتحاد الشخصي، والاتحاد الفعلي.
فالاتحاد الشخصي: يضم دولتين تحت سقف حاكم واحد للاتحاد، عادة ما يجسده ملك أو أسرة مالكة. وتصبح الرابطة الأساسية بين الدولتين، ومن ثم هي وحدة الأسرة المالكة أو شخص الرئيس. وتحتفظ كل دولة بكامل سيادتها الداخلية والخارجية وبالتالي بنظم الحكم الخاصة بها وبقوانينها وسياساتها الخاصة، ولا تلتزم أي منها بالضرورة بالمعاهدات والاتفاقات الدولية التي تبرمها الدولة الأخرى وعادة ما يتم الاتحاد الشخصي بين دولتين إما بسبب أيلولة العرش إلى نفس الشخص، أو بسبب استخدام القوة وتبريرها باسم الاتحاد.

ويعتبر هذا النوع من أنواع الاتحادات بين الدول هو أضعفها رابطة، وليس له سوى قيمة تاريخية؛ لأنه يكاد يكون قد انقرض تماماً ولم يعد له وجود في الحياة السياسية المعاصرة. وما هو قائم منه لا يمثل سوى رمز لحقبة تاريخية ولَّت وانقضت. من ذلك الاتحاد مثلاً الاتحاد الشخصي الذي يربط بين كندا وبريطانيا منذ عام 1953، حيث تعتبر ملكة بريطانيا هي في الوقت نفسه ملكة لكندا ورئيسة لرابطة الكومنولث. ويمثل الملكة في كندا حاكم عام تعينه بناء على اقتراح من رئيس الوزراء الكندي. ويمارس الحاكم العام وظائف شكلية يغلب عليها الطابع الرمزي أو الاحتفالي.

أما الاتحاد الفعلي: فيتم عادة عن طريق إبرام اتفاقية بين دولتين أو يجري الاتفاق بشأنه في إطار التسويات التي تتم في أعقاب الحروب الكبرى. وفي هذا النوع من الاتحادات يصبح للدول الداخلة فيه ملك أو رئيس واحد، وتتشكل هيئات مشتركة لإدارة الشؤون الخارجية وبعض الشؤون الداخلية. وتصبح المعاهدات التي يبرمها الاتحاد ملزمة للدول الأعضاء فيه، كما أن للاتحاد تمثيلاً دبلوماسياً موحداً، وهو ما يعني أنه يحظى بالشخصية القانونية الدولية. أما بقية الشؤون الداخلية فتترك إدارتها لعناية كل دولة على حدة. ومن أمثلة هذه الاتحادات اتحاد السويد مع النرويج الذي استمر من عام 1815 حتى عام 1905، واتحاد النمسا مع المجر الذي استمر من 1867 حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، واتحاد الدنمارك مع أيسلندا والذي استمر من عام 1918 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

النموذج الكونفدرالي(التعاهدي):

ويضم مجموعة من الدول تتفق فيما بينها، وبمقتضى معاهدة دولية خاصة، على إقامة مؤسسات مشتركة تزود بالسلطات والصلاحيات التي تمكنها من الإشراف على سياسيات الدول الأعضاء والتنسيق فيما بينها في الميادين ووفقاً للآليات التي يتم الاتفاق والنص عليها في المعاهدة المنشأة. ولا يتمتع الاتحاد الكونفيدرالي بالشخصية القانونية الدولية حيث تحتفظ كل دولة من الدول الأعضاء فيه بسيادتها واستقلالها. وغالباً ما تصدر الهيئات المشتركة المقامة بموجب المعاهدة المنشئة للاتحاد قراراتها بالإجماع أو بالأغلبية خاصة تكاد تقترب من الإجماع. كما تمول أنشطة هذه الهيئات عن طريق مساهمات الدول الأعضاء وليس من خلال موارد أو إيرادات ذاتية مباشرة.

ويعتبر هذا النموذج أيضاً من النماذج التاريخية التي يندر وجودها في الحياة السياسية المعاصرة. فلم تصمد الاتحادات الكونفيدرالية التي قامت في الماضي، وكان مصيرها إما التفكك والانهيار بعد زوال الأسباب التي أدت إلى قيامها، وإما التحول إلى نموذج أكثر تماسكاً، وهو النموذج الفيدرالي.

ومن الأمثلة التاريخية المهمة للاتحادات الكونفيدرالية: اتحاد أمريكا الشمالية الذي قام على أثر إبرام ولايات أمريكا الشمالية الثلاثة عشر لمعاهدة عام 1781، والتي هدفت في الأساس إلى مقاومة الولايات الداخلة في الاتحاد للاستعمار البريطاني الذي كانت تخوض ضده حرب تحرير في ذلك الوقت. وقد أنشأت هذه المعاهدة هيئة سميت الكونجرس، تتكون من مندوب واحد عن كل ولاية للإشراف على الشؤون العسكرية والشؤون الخارجية، وتؤخذ القرارت فيها بأغلبية تسعة أصوات ثم يتم إبلاغها بعذ ذلك إلى حكومات الولايات الثلاث عشر من أجل اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها. وقد أوشك هذا الاتحاد على الانهيار بسبب بروز التيارات الانفصالية في أعقاب انتهاء حرب التحرير، لولا تدارك التيارات الوحدوية لنقاط الضعف في المعاهدة الكونفيدرالية وتمكنها من إدارة المفاوضات بنجاح حتى تم إقرار النظام الفيدرالي وإبراك الدستور الأمريكي المعمول به حالياً في 17 من أيلول / سبتمبر لعام 1787.

النموذج الفيدرالي:

وهو عبارة عن مجموعة من الدول تقرر فيما بينها أن تتوحد في إطار سلطة أعلى تتفق على تشكيلها وتخضع لها في الوقت نفسه، ولكن دون أن تفقد كل سماتها وخصائصها المحلية أو تذوب ذوباناً في الدولة الجديدة التي حلَّت محلها. أي أن الدول التي تدخل في اتحاد فيدرالي تفقد شخصيتها الدولية لصالح شخصية دولية جديدة واحدة تتكون منها جميعاً وتتحول هي إلى ولايات أو أقاليم أو كيانات ذات مسميات مختلفة ولكن كأجزاء في إطار كل واحد هو الدولة الفيدرالية الجديدة. ويصبح لهذه الدولة الفيدرالية الجديدة دستور خاص بها ينظم العلاقة بين الولايات بعضها البعض، من ناحية، وبين الولايات والسلطات الفيدرالية أو المركزية من ناحية أخرى.

 ويتشكل النموذج الفيدرالي عادة نتيجة لقوة دفع إحدى التيارين الوحدوي أو الانفصالي. فقد تقرر دول كانت مستقلة تماماً أن تتوحد ولكن دون أن تذوب أو تندمج تماماً في دولة بسيطة، وهذا هو ما حدث بالنسبة لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وألمانيا. وقد تقرر ولايات كانت مندمجة في دولة بسيطة التحلل من قيود الدولة المركزية، ولكن دون الانفصال أو الاستقلال الكامل. وهذا ما حدث في دولتي البرازيل وروسيا. فقد كانت البرازيل دولة بسيطة ثم تحولت إلى دولة فيدرالية عام 1856 وكانت روسيا دولة بسيطة ثم تحولت إلى دولة فيدرالية في إطار الاتحاد السوفيتي، بعد اندلاع ونجاح الثورة البلشفية عام 1917.

كما ينتهي النموذج الفيدرالي بأحد ذات الأسلوبين أيضاً: الوحدوي أو الانفصالي. فقد تقرر الولايات الداخلة في اتحاد فدرالي أن الوحدة المحققة في إطار الدولة الفيدرالية لا تكفي، وتتطلع إلى وحدة اندماجية أقوى. وهذا هو ما حدث بالنسبة لأندونيسيا التي تحولت عام 1951 إلى دولة بسيطة بعد أن كانت دولة اتحادية مكونة من ست عشر ولاية بموجب معاهدة لاهاي المبرمة عام 1949. وقد تقرر الولايات الفيدرالية، على العكس، الانفصال والتحلل من الصيغة الفيدرالية التي تدرك في مراحل معينة باعتبارها قيداً على حرية شعوب هذه الولايات وتطلعها للاستقلال الكامل. وهذا ما حدث للاتحاد السوفييتي الذي انهار وتفكك كلياً عام 1991 بعد أن قررت جمهورياته الخمس عشر الانفصال والاستقلال التام.

المصادر والمراجع:

أ.د حسن نافعة، مبادئ علم السياسة، جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية.

 د. هادي الشيب، د. رضوان يحيى، مقدمة في عل السياسة والعلاقات الدولية، إصدار المركز الديمقراطي العربي، طبعة 2017.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

حكومة التك...

على الرغم من أن مصطلح التكنوقراط استُخدم في العديد من المناس...

نظرية الدو...

ظهرت نظرية الدومينو – DOMINO THEORY خلال الحرب الباردة...

نشأة الاتح...

يشكل الاتحاد الأوروبي تكتلاً سياسياً واقتصادياً أوروبياً بدأ...

Leave a Comment