شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الحقل عن طريق استحداث اقترابات ومناهج أُخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها.

ويُعتبر اقتراب تحليل النظم من أحد أهم الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأت في التبلور والظهور مع منتصف خمسينيات القرن العشرين. والحقيقة أنَّ إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً، كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة؛ بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال بارسونز Parsons، وهومانز Hommans، وغيرهم من الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسية من أمثال دايفيد استون David Easton، وجابريل الموند Gabriel Almond وغيرهم من تطوير واستخدام اقتراب النظم في الدراسات السياسية.

تطور اقتراب تحليل النظم

يرتكز أصحاب اقتراب تحليل النظم/ التحليل النسقي إلى مفهومي ”النسق System“، و”الإتزان Equilibrium“، وهما مفهومان منقولان عن علم الفيزياء، ونُقلا إلى مجال العلوم الاجتماعية ليتم استُخدامها في القرن التاسع عشر في التحليل الاجتماعي والاقتصادي، ثم مُتأخراً في التحليل السياسي منذ أوائل القرن العشرين فصاعداً.

والفيزيائيون حين يستخدمون مفهوم ”النسق“ يستخدمونه كأداة ذهنية لفهم وتفسير العلاقات التي تُجرى عليها الأجسام الطبيعية، وعلى أساس أنَّ أيَّة مجموعة من مجموعات الأجسام في الطبيعة (كالمجموعات الشمسية مثلاً) هي مجموعات من قوى – حيث يُعد كل جسم في عالم الطبيعة قوَّة في ذاته -، فتتفاعل هذه القوى فيما بينها بعامل قانون الفعل ورد الفعل تفاعلاً ميكانيكاً، وتتبادل التأثير فيما بينها على وضع يُهيِّئها لحالة الإتزان الكلي لهذه المجموعة.

أمَّا في علم السياسة، لعلَّ الفضل الأول والأكبر في تطوير وإدخال اقتراب التحليل النظمي إلى حقل العلوم السياسية يرجع إلى عالم السياسة الأمريكي ديفيد ايستون David Easton ومن هنا لم يكن غريباً أن أطلق بعض دارسي العلوم السياسية على اقتراب التحليل النظمي اسم ”اقتراب ايستون“.

جاء تطوير ايستون لاقتراب تحليل النظم في علم السياسة تدريجاً وعلى مراحل. ففي عام 1953، نشر اللبنات الأولى لمفهوم النظام السياسي في كتابه The Political System، والتي تطورت بصورة واضحة في مقالته العلمية المنشورة بمجلة World Politics عام 1965 وبصورة أكثر وضوحاً في كتابه A System Analysis of Political Life الصادر عام 1965، والذي يرى فيه إيستون وجوب تبسيط الحياة السياسية المعقدة والمركبة، والنظر إليها تحليلياً على أساس آلي منطقي على أنَّها مجموعة من التفاعلات التي تتم في إطار النظام السياسي من ناحية، وبينه وبين بيئته من ناحية أُخرى.

ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، تميل المجتمعات والجماعات إلى أن تكون كيانات مستمرة نسبياً تعمل في إطار بيئة أشمل. هذه الكيانات يمكن نعتها بصفة النظام نظراً لأنَّها تُمثل مجموعة من العناصر أو المتغيرات المتداخلة وذات الاعتماد المتبادل فيما بينها، والتي يمكن تحديدها وقياسها. كما أن لهذه الكيانات أيضاً حدود مميزة تفصلها عن بيئتها فضلاً عن أنَّ كل منها يميل إلى الحفاظ على ذاته من خلال مجموعة من العمليات المختلفة، خاصة عندما يتعرض للاضطراب سواء من داخل أو خارج حدوده مع بيئته الأوسع.

يؤكد ايستون أنَّ فكرة النظام كإطار تحليلي، بما تتضمنه من علاقات ومفاهيم نظرية لها دلالات تطبيقية، تُمثِّل نقطة بداية حقيقية في تطوير الدراسات السياسية. هذا الإطار التحليلي للنظام السياسي في أبسط صوره كما يراه ايستون لا يعدو أن يكون دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي من التفاعلات السياسية الموجهة بصفة أساسيَّة نحو التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع. تبدأ هذه الدائرة الديناميكية بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات، وتقوم عملية التغذية الاسترجاعية بالربط بين نقطتي البداية والنهاية، أي بين المدخلات والمخرجات. كما يوضحه الشكل التالي:

 

نموذج ديفيد ايستون المبسط للنظام السياسي - الموسوعة السياسية السياسيّة

نموذج ديفيد ايستون المبسط للنظام السياسي – الموسوعة السياسيّة

المفاهيم الأساسية لاقتراب التحليل النظمي:

لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا أن أهم سمة شكلية يمكن ملاحظتها على اقتراب التحليل النظمي هو كثرة المفاهيم المستخدمة في التحليل ويعلل إيستون ذلك بالإشارة إلى أنَّه كان من الصعوبة بمكان الوصول إلى نظرية عامة وشاملة، فإنه يمكن الاستعاضة عن ذلك بتطوير مجموعة مترابطة منطقياً من المفاهيم في إطار متكامل وعلى درجة عالية من التجريد تُمَكِّن من القيام بالتحليل وتوجيه الإهتمام نحو المحددات الرئيسية للسلوك السياسي، كل ذلك انطلاقاً من أنَّ المفاهيم تشير إلى متغيرات من واقع الحياة السياسية. وأهم هذه المفاهيم هي: النظام، البيئة، الحدود، المخرجات، التحويل، التغذية الاسترجاعية وفيما يلي نبذة عن كل هذه المفاهيم:

1 – النظام System:

يُمثل النظام عند ايستون وحدة التحليل الرئيسية في اقتراب التحليل النظمي، ويُعَّرَفْ النظام بصفة عامة بأنَّه مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة وظيفياً مع بعضها البعض بشكل منتظم، بما يعنيه ذلك من أنَّ التغير في أحد العناصر المُكَوِّنَة للنظام يؤثر في بقية العناصر فالنظام يتمتع بنوع من الإعتماد المتبادل بين مكوناته، وله حدود تفصله عن النظم الأُخرى ، وله محيط أو بيئة يتحرك بها.

وعملية التحليل التي تتم داخل النظام هي عملية تعريف وتقييم للأجزاء التي يتكون منها الكل بهدف إدراك هذه الأجزاء كمكونات لكل مركب مع محاولة معرفة الضوابط التي تربط علاقاتها ببعضها البعض من جهة، والقوانين التي تحكم حركة وتطور الكل المركب من جهة أخرى. وعلى ذلك يُعَرَّف النظام السياسي بأنه مجموعة من التفاعلات السياسية التي تحدث داخل أي مجتمع والتي يتم بمقتضاها صنع السياسات العامة. ويتكون النظام السياسي من أربعة عناصر أساسية هي: المدخلات، التحويل، المخرجات، والتغذية العكسية / الاسترجاعية.

2 – البيئة Environment:

يشير مفهوم البيئة لدى ايستون بصفة أساسية إلى كل ما هو خارج حدود النظام السياسي ولا يدخل في مكوناته.

ولما كانت فكرة النظام السياسي لا تعدو أن تكون فكرة تحليلة، فإن الفصل التعسفي بين النظام السياسي والأنظمة الاجتماعية الأخرى لا وجود له، بما يعنيه ذلك من أن النظام السياسي يتأثر ببيئته من خلال مجموعة المدخلات ويؤثر عليها من خلال مجموعة المخرجات، وهو ما سوف يتم توضيحه بعد قليل.

3 – الحدود Boundaries:

لم يوجد النظام السياسي في فراغ قط، بل في إطار بيئة، كان لابد من الفصل التحليلي بين النظام السياسي وبيئته بوضع نقاط تصورية توضح مناطق انتهاء الأنظمة الأُخرى وبدء حدود النظام السياسي. وبعبارة أُخرى، هناك حدود للنظام السياسي – يمكن تمييزها تحليلياً – تفصله عن المحيط أو البيئة بمختلف جوانبها، وإن كان هذا لا يعني إلغاء علاقات التأثير بين النظام السياسي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية..الخ التي تتم عبر الحدود.

ويضيف الموند وباول في إطار تطويرهما لإقتراب تحليل النظم ليتلائم ودراسة المجتمعات الجديدة حديثة العهد بالاستقلال إلى أن الحدود بين النظام السياسي وبيئته تختلف من مجتمع إلى آخر، وتتأثر في ذلك بالأوضاع والقيم الاجتماعية والثقافية السائدة.

المدخلات Inputs:

تشمل مدخلات النظام السياسي وفقاً لاقتراب التحليل النظمي على كل ما يتلقاه هذا النظام من بيئته. ويلاحظ أنَّ هناك ثمة اختلافات حول هذه المدخلات. فطبقاً لرأي ايستون تشتمل مدخلات النظام السياسي على عنصرين رئيسيين فقط هما المطالب والتأييد. تشير الأولى إلى الرغبات الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة منها بكيفية توزيع القيم وتحقيق أهداف المجتمع، وهي في رأيه قد تكون عامة كما قد تكون محددة. وقد يكون التعبير عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشير الثانية إلى الإتجاهات والمواقف سواء المؤيد منها أو المعارض للنظام.

وتجدر الإشارة إلي أن الموند وباول في إطار دراستهما للبلدان النامية قد ميزا بين أربعة وظائف رئيسية للنظام السياسي على مستوى المدخلات هي:

  1. وظيفة التنشئة السياسية والتجنيد السياسي Political Seocialization and Recruitment: وهي العملية التي من خلالها يتم نقل ثقافة المجتمع عبر الأجيال من جيل إلى جيل آخر، ويتم ذلك بواسطة العديد من المؤسسات المجتمعية كالأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، وأوات الإعلام الجماهيري.. الخ، أما وظيفة التجنيد السياسي، وهي وظيفة مرتبطة بالتنشئة السياسية، مهمتها إسناد الأدوار السياسية إلى الأفراد بعد إكسابهم الخبرات والمهارات اللازمة للإطلاع بها، وتتم هذه الوظيفة عن طريق مؤسسات سياسية كالأحزاب والنقابات.

  2. وظيفة التعبير عن المصالح Interset Articulation: حيث تقوم الجماعات المختلفة داخل النظام بالعتبير عن مصالحها، ويفترض أن يتم ذلك من خلال القنوات الشرعية للتعبير عن المطالب، إلا أنه كثيراً ما يتم التعبير عن هذه المصالح من خلال القنوات غير الشرعية، وغالباً ما يتم ذلك باستخدام العنف الأمر الذي لا شك يؤثر على استقلال النظام.

  3. وظيفة تجميع المصالح Interest Aggregation: ويقصد بها بلورة المطالب والموالفة بينها وكلتيلها لتقدم في شكل مقترحات تعرض على صانعي القرار. وبديهي أنَّ وجود أبنية تقوم بتجميع المصالح كالأحزاب يخفف الكثير من العبء على صانعي القرار، وبالتالي يزيد من القدرة الإستجابية للنظام السياسي.

  4. وظيفة الإتصال السياسي Political Communication: وهي وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام وجماعات الضغط والمصالح، وتلعب دوراً في توفير الإتصال الفعال الذي يتيح للنظام السياسي القيام بوظائفه المختلفة بصورة أيسر. وتجدر الإشارة في هذا المقام أيضاً إلى أن ويليام متشل W. Mitchell قد أضاف في عام 1962 في إطار تطويره لنموذج ايستون عنصراً ثالثاً إلى عنصري المدخلات السابق الإشارة إليها، وهو عنصر الموارد بمختلف أشكالها، والحقيقة أنَّ هذا العنصر يمثل إضافة حقيقية لافتقاد نموذج ايستون له.

المخرجات Outputs: 

عرَّفها ايستون بأنها مجموعة القرارات والأفعال والتصرفات التي يقوم بها النظام وتكون لها الصفة الإلزامية، ويتم بمقتضاها التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع.

وبنفس الصورة وعلى غرار تقسيم المدخلات إلى مجموعة من الوظائف كما سبقت الإشارة، ميز الموند وباول بين ثلاثة وظائف رئيسية على مستوى المخرجات وهي:

  1. وظيفة صنع القواعد Rule Making، بما يعنيه ذلك من خلال وضع السياسات وإتخاذ القرارت، ويتم ذلك من خلال السلطة التشريعية بالأساس.

  2. وظيفة تنفيذ القواعد Rule Application، بما يعنيه ذلك تطبيق القواعد ولقرارت، ويتم ذلك بواسطة السلطة التنفيذية والجهاز الإداري.

  3. وظيفة التقاضي حول القواعد Rule Adjudication، بما يتطلبه ذلك من إصدار الأحكام القضائية الملزمة في حالة التنازع حول القواعد.

التحويل  Conversion:

وتتمثل هذه العملية في مجموعة الأنشطة والتفاعلات التي يقوم بها النظام ويحول عن طريقها مدخلاته من موارد ومطالب وتأييد إلى مخرجات، أي قرارات وسياسيات تصدر عن أبنية النظام السياسي. التحويل هو بمثابة غربلة للمدخلات. وعلى عكس مفهومي المدخلات والمخرجات اللذان يمثلان عمليات تبادلية بين النظام السياسي من جهة والبيئة المحيطة به من جهة أخرى، فإن عملية التحويل لا تعدو أن تكون عملية داخلية تتم في إطار النظام ذاته.

التغذية الاسترجاعية Feedback:

يقصد بها كافة عمليات التأثير الاسترجاعي للمخرجات على المدخلات، ويتم ذلك من خلال ما تحدثه المخرجات على البيئة من آثار سلباً أو إيجاباً ويكون لها تأثيرها في ذات الوقت على المدخلات، بعبارة أخرى؛ التغذية الاسترجاعية هي عملية يتم بمقتضاها تدفق المعلومات من البيئة إلى النظام السياسي من جديد في شكل مدخلات عن نتائج قراراته وأفعاله. التغذية الاسترجاعية بهذا المعنى تربط مدخلات النظام السياسي بمخرجاته، ومخرجاته بمدخلاته، وتعطي في ذات الوقت الطابع الديناميكي المستمر للنظام.

وتجدر الإشارة إلى أنَّهُ وفقاً لنموذج ايستون لتحليل النظم، فإنَّ التغذية الاسترجاعية تمثل عملية هامة وحيوية لبقاء النظام واستمراره. إنَّ علم النظام بمدى الإستجابة لقراراته وسياساته يجعله قادراً إمَّا على المضي في طريقه بانتهاج نفس السياسة، أو تعديلها، أو حتى التخلي عنها كلية، وهو ما يسميه ايستون بالتغذية الاسترجاعية الفعَّالة التي تضمن الإستجابة الفعالة للنظام، وإلا تعرض وجوده للخطر حال افتقادها.

الافتراضات الأساسية التي يرتكز عليها الاقتراب:

يرتكز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون على مجموعة من الافتراضات لعل أهمَّها:

  1. العملية السياسية عملية آلية ديناميكية: يفترض اقتراب التحليل النظمي أنَّ التفاعلات السياسية  بين مكونات النظام المختلفة وبعضها البعض، وبينها  وبين معطيات البيئة المحيطة تتم بصورة آلية ديناميكية. هذه الآلية والديناميكية تحكم عملية تحليل النظام السياسي من خلال التأكيد على التفاعل بين النظام بأنظمته الفرعية والبيئة بأنظمتها المختلفة.

  2. النظام السياسي نظام مفتوح يؤثر ويتأثر بالأنظمة الأخرى: نقطة البداية في التحليل لدى ايستون تفترض أنَّ التفاعلات السياسية في إطار النظام السياسي تتم استجابة للتأثيرات البيئية. النظام السياسي بطبيعته كنظام اجتماعي قد فصل تحليلياً عن الأنظمة الاجتماعية الأخرى المشكلة للبيئة، أنَّ ما يجعل تحديد هذه البيئة بمختلف مكوناتها أمر هام وحيوي هو الافتراض الذي ينظر إلى الحياة السياسية على أنها تشكل نظام مفتوح عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة، وإن كان هو الآخر يؤثر فيها بدوره وطالما أن الحياة السياسية تُفهم على أنَّها نظام مفتوح، فإنَّ المطالب – كما يرى ايستون – تقدم لنا أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الطرق التي من خلالها تحدث البيئة الكلية انطباعها على عمليات النظام وعلى مخرجاته.

  3. النظام يقوم بمجموعة من الوظائف لا بُدَّ منها لاستمراره: إنَّ ما يعطي قيمة للدراسة التحليلة للحياة السياسية كنظام سلوكي كما ينظر إليه اقتراب تحليل هو التساؤل الذي يثور حول كيف أنَّ الأنظمة السياسية تستمر في عالم يتضمن عناصر التغير كما يتضمن عناصر الاستقرار. يقول ايستون أنَّ محاولة الإجابة على هذا التساؤل كشفت ما أسماه ”دور حياة الأنظمة السياسية“، والتي تتبلور حول مجموعة من الوظائف الهامة والحيوية التي بدونها لا يستطيع أي نظام سياسي أن يستمر وأن يحافظ على بقاؤه.

  4. البيئة تفرض على النظام ضغوطاً: على الرغم من أن البيئة بمختلف جوانبها تمثل مشكلة تحليلية خطيرة، إلا أنَّ ايستون أكدَّ على أنَّه يمكن إلى حد كبير تبسيط الأمور فيما يتعلق بتحليل أثر البيئة إذا ما تم تركيز الاهتمام حول مجموعة من المدخلات، التي يمكن استخدامها كمؤشرات تلخص المؤثرات الأكثر أهمية من حيث مدى إسهامها في خلق التوتر والضغوط التي تعبر الحدود من البيئة إلى داخل النظام السياسي بالتركيز على مدخلين رئيسيين وهما: المطالب والتأييد.

    والمطالب تفرض على النظام السياسي ضغوطاً لا بدل له من أن يستجيب لها بصورة أو بأخرى. ويرجع ذلك إلى أنَّ عدم إشباع المطالب والرغبات الجماهيرية يترتب عليه تزايد الإحساس بعدم الرضى عن النظام السياسي، من ثم يقل الدعم والتأييد له.

    في حين أنَّ الضغوط كمفهوم تشير إلى التأثيرات القادمة من البيئة نحو النظام. وإن كان ايستون يرى أنَّه ليست كل هذه التأثيرات البيئية تمثل توتراً وضغوطاً على النظام. فبعضها قد يلعب دوراً إيجابياً في استمرار النظام، بينما بعضها الآخر قد يكون محايداً فيما يتعلق بإحداث التوترات والضغوط، إلا أنَّ الغالبية من هذه التأثيرات يتوقع أن تعمل في إتجاه إحداث التوترات والضغوط على النظام.

  5. النظام السياسي نظام تَكَيُّفِي: يعتقد ايستون أنَّ القدرة الحقيقية لبعض الأنظمة على الاستقرار والبقاء رغم الضغوط والتوترات غير العادية التي تتعرض لها من بيئاتها يحمل على الاعتقاد بحقيقة أن هذه الأنظمة تمتلك بالضرورة مقدرات للأستجابة في مواجهة هذه الضغوط والتوترات وعليه، فهو يفترض أن النظام الساسي هو نظام تكيفي ويقوم في الواقع بأكثر من مجرد رد الفعل بصورة سلبية للتأثيرات البيئية.

العلاقات الأساسية التي يطرحها الاقتراب:

يطرح اقتراب التحليل النظمي مجموعة من العلاقات الأساسية بين العناصر أو المتغيرات التي يتكون منها النظام السياسي من ناحية. وبينها وبين البيئة الخارجية المحيطة عبر الحدود التي تفصله عن غيره من النظم الاجتماعية الأخرى من ناحية أخرى.

يذهب ايستون إلى أنه ما أن يوجد النظام السياسي بحدوده وأنظمته الفرعية حتى نجد أن هناك مجموعة من العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة باعتبار أنها أنظمة مفتوحة تتعرض لتأثيرات من بعضها البعض. فالواقع أنه ليست هناك ثمة أنظمة اجتماعية – وبينها الأنظمة السياسية بالطبع – يمكن أن تكون معزولة تماماً عن البيئة المحيطة، وعلى ذلك فإن التحليل النظمي يجب أن يُركِّز جُلَّ اهتمامه على دراسة العلاقات عبر الحدود بين الأنظمة وبين المدخلات والمخرجات. وعلى الرغم من أنه ليس هناك اتفاق بين دارسي السياسة حول التسميات المتعلقة بالمفاهيم في هذا الخصوص، إذ كما سبق ورأينا أنَّ ايستون يرى مدخلات النظام السياسي من البيئة بمختلف أنظمتها الرئيسية والفرعية تتمثل فقط في المطالب والتأييد، باعتبارهما المؤشرين الرئيسييين للنظرية التي تؤثر بها العوامل البيئية في تشكيل وإعادة تشكيل عمليات النظام السياسي، كما يرى الموند وكولمان مزيداً من التحديد لهذه المدخلات، على النحو السابق المشار إليه، كما يضيف ميتشل عنصر الموارد كعنصر ثالث.

وعلى الرغم من أن هذه المفاهيم المتعددة تتفاوت إلا أنها تتشابه إلى حد كبير من حيث مدلولاتها بخصوص ما يتم تبادله وانتقاله عبر الحدود بين النظام السياسي بأنظمته الفرعية ومختلف الأنظمة البيئية الأخرى. فعندما يشير ايستون أو الموند أو ميتشل إلى المطالب أو التعبير عن المصالح أو تجميعها، فإنهم يشيرون إلي ظاهرة إمبريقية تتعلق بما يلي: من يطلب؟ ماذا يطلب؟ من من يطلب؟ كيف يطلب؟ متى يطلب؟ وبأي النتائج على المشاركين وعلى النظام؟

ولكي يوضح ايستون عملية تنظيم المصالح المختلفة، اقترح بناء نموذج لمسارات هذه المطالب اللحظة الأولى لدخولها النظام السياسي مروراً بمسارها نحو نقطة الخروج كسياسات وقرارات ملزمة. وعلى الرغم من اعتراف ايستون بأن التحليل النهائي لكل نظام سيكون فريداً، كما أن مسار المطالب سيكون فريداً أيضاً، إلا أنَّه يرى مع ذلك إمكانية التجريد في إطار التعددية في الواقع لنموذج نمطي لشبكة المطالب في كل الأنظمة السياسية منذ اللحظة التي تولد فيها المطالب في شكل رغبة أو شعور أو حاجة غامضة إلى اللحظة التي تجد فيها طريقها في النهاية عند مواضع مختلفة من القرارت السياسية. أطلق ايستون على هذا النموذج ”نموذج تدفق المطالب“ والذي يمكن توضيحه في الشكل التالي:

انماط وأشكال تدفق المطالب وفق نموذج ايستون - الموسوعة السياسيّة

انماط وأشكال تدفق المطالب وفق نموذج ايستون – الموسوعة السياسيّة

كما تطرق ايستون إلى توضيح الصورة الأشمل لعناصر النظام السياسي في علاقته مع بعضه البعض، وتفاعله مع البيئة بمكوناتها الداخلية والخارجية كما يوضحه الشكل التالي:

الاستجابة الديناميكية للنظام السياسي في نمذج ايستون - الموسوعة السياسيّة

الاستجابة الديناميكية للنظام السياسي في نمذج ايستون – الموسوعة السياسيّة

الإنتقادات الموجهة إلى اقتراب تحليل النظم:

بعد العرض السابق للجوانب الإيجابية التي أضافها اقتراب تحليل النظم إلى حقل الدراسات السياسية، تجدر الإشارة في النهاية إلى أهم الإنتقادات التي تعرض لها الاقتراب ولعلَّ أول الانتقادات التي وُجِّهَتْ إلى اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسيّة كما قدمه ايستون هو المحافظة والتحيُّز للوضع القائم. فالاقتراب يعطي اهتمام مبالغ فيه للاستقرار كقيمة عليا تسيطر على سلوك النظام حتى وإن كان الاستقرار المقصود لا يفترض الجمود، بل يفترض التغيير المنظم الذي يطرأ على البيئة أو النظام أو كليهما استجابة إلى المطالب إلا أنَّه لا يتضمن التغيير الثوري بما يعنيه ذلك من تحول جذري شامل للنظام السياسي، وهو الأمر الذي لا موضع له في اقتراب النظم.

كما أنَّ الاقتراب جعل من استمرار النظام والأمر الواقع في حد ذاته هدف له، وأعطى جُلَّ اهتمامه وتركيزه بالبحث عن مقومات استمرار النظام وتدعيمه وليس عن عوامل تغييره وتطويره. بعبارة أُخرى يكشف عن عناصر الاستمرارية والاستقرار في النظام، دون أن يستطيع تفسير كيف ولماذا يتطور النظام من وضع إلى آخر بصورة دقيقة. وهنا يوجه البعض إنتقاداً إلى الاقتراب باعتبار أنَّ أغلب الدراسات التي اتبعته انتهت إلى نتائج محافظة أو مؤيدة للأمر الواقع.

هناك أيضاً إنتقاد آخر يُوجه إلى اقتراب تحليل النظم كما صاغه إيستون يتمثل في التناول السريع والمبهم للعملية التحويلية. هذه العملية تتمثل في مجموعة الأنشطة والتفاعلات الداخلية التي يقوم بها النظام والتي بمقتضاها تتحول مدخلات النظام إلى مخرجات. اكتفى ايستون بالإشارة إلي أن هذه العملية التحويلية تحدث داخل النظام دون أن يذكر لنا بوضوح الأبنية التي تقوم بها وكيفية القيام بها. ومع ذلك يمكن القول أو وظائف النظام على مستوى المخرجات كما صاغها الموند وباول تتدارك ذك بعض الشيئ.

وحتى بعد التعديلات التي أدخلت على نموذج ايستون لتحليل النظم، فإن الاقتراب لا يزال يواجه بعض الإنتقادات لا سيما فيما يتعلق بصعوبة التحويل الإجرائي لكثير من المفاهيم الجديدة التي جاء بها الإقتراب لتُصبح قابلة للقياس، ومن ثم اختبار العروض وإجراء الدراسات، ولعل الصعوبات التطبيقية التي اعترضت محاولات استخدام الاقتراب، لا سيما في مجال دراسات العلاقات الدولية والنظام الدولي أصدق دليل على ذلك.

المصادر والمراجع:

أ. د. جابر سعيد عوض، النظم السياسية المقارنة، النظرية والتطبيق، جامعة 6 أكتوبر.

د. عادل ثابت، النظم السياسية، دراسة للنماذج الرئيسية الحديثة ونظام الحكم في البلدان العربية ولنظام السياسي الإسلامي، دار الجامعة الجديدة، 2007.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

Leave a Comment