يُعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي ركَّزت الاهتمام على الهياكل المتنافسة في الدولة بغض النظر عن كونها رسمية أم غير رسمية. فاتحة الباب أمام إدخال مفاهيم مثل القوة، والمصلحة، والتعاون، والصراع إلى قلب الدراسة العلمية المنظمة للحياة السياسية، لتُركِّز بذلك على دراسة الجماعات ودورها في المجتمعات، مثيرةً مجموعة من التساؤلات في للوصول إلى تعميمات بشأن النظم السياسية مثل: كيف ولماذا يكون الأفراد الجماعات؟ ما هي الأشكال المختلفة من الجماعات؟ وما هي علاقتها بالنظام السياسي؟ ما هي قدرة الجماعات الرسمية على الاستمرار؟ وما أثر ذلك على النظام السياسي؟ ما هي قدرة الجماعات غير الرسمية على الاستمرار؟ وما هي علاقة الجماعات الرسمية بالجماعات غير الرسمية؟ وكيف تؤثر مثل تلك العلاقة على النظام السياسي؟ هل وجود مثل هذه الجماعات يساعد أم يعرقل عمليات التحديث والتنمية؟ ما هي أسس تكوين الجماعات غير الرسمية؟ وغيرها من التساؤلات.

وبهذه التساؤلات نجح اقتراب الجماعة في أن يمس جوهر الحياة السياسية، ألا وهو عملية صنع القرار السياسي. فما من سبب لوجود الجماعات سوى التعبير عن مصالح أعضائها وتوصيلها إلى أجهزة صنع القرار والدفاع عنها. ومن ثُم، فإنَّ التساؤلات السابق الإشارة إليها، والتي يثيرها هذا الاقتراب تكشف أنماط الصراع والتعاون، أو بالأحرى، التنافس بين الجماعات الموجودة في النظام السياسي. وكذلك داخل كل جماعة على حدا. والعلاقة بين حجم ودرجة تنظيم الجماعة وأسلوبها في التعبير عن مصالحها من ناحية، وقدرتها على تحقيق أهدافها من ناحية أُخرى.

كما أنَّ بازدياد حجم المجتمعات المعاصرة وتعقد العلاقات الاجتماعية لم يعد بإمكان الفرد أن يلعب الدور الذي كان من الممكن له أن يلعبه من قبل. ولم يعد بمقدور الفرد الحفاظ على مكاسبه سوى بالدخول في تجمعات يتفاعل أفرادها معاً من أجل تحقيق أهداف مشتركة، الأمر الذي سرَّع ظهور الجماعات المصلحية الضاغطة ساعيةً لتحقيق مصالح أعضائها من خلال الضغط – بصورة أو بأخرى – على صانعي القرار في المجتمع.

ويعتبر آرثر بنتلي Arthur Bently  هو أول من أدخل اقتراب الجماعة إلى نطاق التحليل السياسي ودراسة النظم السياسية، وذلك في مطلع القرن العشرين عندما أصدر مُؤلفاً بعنوان ”العمل الحكومي“ ركَّز فيه على دور الجماعات في الحياة السياسية.

إلا أنَّ تطور الاقتراب كإطار تحليلي نظري لم يتحقق إلا مع المدرسة السلوكية. بدأ هذا التطور مع جهود كُلّاً من ايريل لاثام Earl Latham، وشارلز هاجن Charles Hagan، وجابريل الموند Gabriel Almond، ومانكور أولسن Mancur olson وكذلك مع إسهامات كُلّاً من جوزيف لابالومبارا Joseph Laplombara، ومايرون فينر Mayron Weiner، وفريد ريجز Fred Riggs، وبذلك ازدادت القدرة النظرية والتحليلية للاقتراب تطوراً ووضوحاً.

الافتراضات الرئيسية التي يقوم عليها اقتراب الجماعة:

ينطلق اقترب الجماعة من افتراض رئيسي مُؤَدَّاه أنَّ الجماعة هي وحدة التحليل، بما يعنيه ذلك من أنَّ دراسات الجماعة تُرَكِّز على تجمعات الأفراد الذين يتفاعلون معاً من أجل تحقيق أهداف سياسية مشتركة. بعبارة أُخرى إنصب الاهتمام الرئيسي على دور الجماعات وليس على دور الفرد على أساس أنَّ الجماعات أضحت أكثر تأثيراً من الأفراد في تشكيل الحياة السياسية.

ومن هذا المنطق نظر أنصار اقتراب الجماعة إلى النظام السياسي بوصفه شبكة ضخمة من الجماعات المتفاعلة مع بعضها البعض على نحو مستمر تأخذ هذه التفاعلات شكل الضغوط والضغوط المضادة. وتحدد محصلة هذه التفاعلات (الضغوط والضغوط المضادة) حالة النظام السياسي في لحظة زمنية معينة محصلة عملية التنافس بين الجماعات المختلفة في النظام السياسي بغية تحقيق مصالح أعضائها تحدد الجماعة السائدة في لحظة زمنية معينة. وعليه؛ فإن تشكيل الجماعات يترتب عليه تغيراً في شكل وطبيعة النظام السياسي، بما يعنيه ذلك من أن تشكيل الجماعات في أي مجتمع يصبح بمثابة المتغير المستقل الذي يؤثر على النظام السياسي باعتباره المتغير التابع الذي يتحدد بتشكيل الجماعات ويتأثر به، أي أنَّ أي تغير في النظام السياسي هو نتاج التغير في تشكيل الجماعات في المجتمع، الأمر الذي يجعل من النظام السياسي دالة في تشكيل الجماعات.

المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها الاقتراب:

تضمن الاقتراب مجموعة من المفاهيم أهمها مفهوم الجماعة الذي اعتمد عليه لتسمية الاقتراب، ومفهوم التنافس ومفاهيم القوة، والمصلحة، والصراع. والتعاون التي تستند إليها عملية التنافس بين الجماعات، وتتحدد بناء على محصلتها عناصر الاستمرارية والتغير في النظام السياسي.

تجدر الإشارة إلى أنَّ اقتراب الجماعة قد تطور من خلفية معرفية ضحلة، فلم تكن هناك أيَّة تصنيفات سابقة للجماعات باعتبارها المفهوم المحوري في هذه الاقتراب. وهنا تبرز إسهامات جابريل الموند الذي قام بالاشتراك مع جيمس كولمان James Coleman  لوضع تصنيفاً رباعياً للجماعات وفقاً لمعيارين رئيسيين:

الأول: مستوى التنظيم داخل الجماعة.

والثاني: نمط الجماعة في التعبير عن مصالح أعضائها.

تصنيف الجماعات:

استناداً إلى المعيارين المشار إليهما سابقاً، صنَّفَ جابريل الموند وزملاؤه الجماعات في أربعة أنواع على النحو التالي:

  1. جماعات المصالح الترابطية  Associationla Group:
    وهي الجماعات التي تنشأ للتعبير عن مصالح أعضائها وتوصيل مطالبهم إلى أجهزة صنع القرار، بما يعنيه ذلك من أنها جماعات دفاعية بالأساس مثل الاتحادات العمالية والنقابات المهنية واتحادات رجال الأعمال وما شابه ذلك. وينضم الأفراد إلى عضوية مثل هذه الجماعات بمحض إرادتهم.

  2. جماعات المصالح المؤسسية Institutional Group:
    وهي الجماعات المصلحية التي تنشأ في الأصل كجزء من جهاز الدولة وليس للتعبير عن مصالح أعضائها وتعظيم منافعهم. بعبارة أُخرى؛ تنشأ هذه الجماعات في الأصل لتحقيق خدمة مجتمعية في الأصل غير أنها قد تنجح إلى تحقيق المصلحة الذاتية الخاصة لأعضائها ومن أمثلتها المؤسسة العسكرية.

  3. جماعات المصالح غير الترابطية Non associational Group:
    وهي الجماعات التي يشترك أفرادها في سمة أو أكثر تربطهم برابطة مشتركة مثل الطبقة الاجتماعية، أو العرق، أو الدين، أو اللغة، أو السن، أو الإقليم.

  4. جماعة المصالح الآنومية Anomic Group:
    وهي الجماعات التي ليس لها إطار تنظيمي محدد ودائم، بل عادة ما يتجمع أفرادها بصورة عفوية عندما تثور مشكلة ما أو يشعرون بالإحباط بصدد شيئ ما. ويتسم تعبيرها عن المصالح باستخدام العنف بما يهدد استقرار النظام والمجتمع مثل المظاهرات وأعمال الشغب والإضرابات غير السلمية وغيرها. ويُعد انتشارها في مجتمع ما مؤشراً على تزايد الاغتراب عن النظام القائم.

وبينما يتسم النوعان الأولان (جماعات المصالح الأنومية، وجماعات المصالح الترابطية) بوجود هياكل على درجة عالية من التنظيم واللجوء إلى استخدام السلمية في التعبير عن المصالح والدفاع عنها بصفة عامة، يتسم النوعان الآخران (جماعة المصالح غير الترابطية، وجماعة المصالح الآنومية) بتدني مستوى التنظيم والاعتماد على الوسائل غير السلمية في التعبير عن مصالح الجماعة والدفاع عنها.

ويرى جابريل الموند أنَّ تشكيل الجماعات في أي مجتمع لا يعدو أن يكون خليطاً من الأنواع الأربعة للجماعات المصلحية. ويصبح الفرق بين مجتمع وآخر هو نسبة كل نوع من الأنواع الأربعة للجماعات في الخليط المعبر عن تشكيل الجماعات في المجتمع.

كما أظهر جابريل الموند وزملاؤه تفضيلاً لبعض الجماعات على غيرها إذ رتبوا الأنواع الأربعة للجماعات المصلحية باعتبار أنَّ أفضلها هو الجماعات الترابطية، يليها الجماعات المؤسسية فالجماعات غير الترابطية، وأخيراً الجماعات الآنومية.

وعلى هذا الأساس، قدموا مقياساً لقياس مستوى التنمية السياسية في أي مجتمع من المجتمعات. فقد نظروا إلى التنمية السياسية بأنها الإنتقال من سيطرة نمط من تشكيل تغلب عليه الجماعات غير الترابطية والجماعات الآنومية إلى سيطرة نمط آخر تغلب عليه الجماعات الترابطية والجماعات المؤسسية، وعلى هذا الأساس؛ يرتفع مستوى التنمية السياسية في أي مجتمع من خلال الانخفاض التدريجي في نسبة الجماعات غير الترابطية والجماعات الآنومية لصالح الارتفاع التدريجي في نسبة الجماعات الترابطية والجماعات المؤسسية.

نقاط القوة ونقاط الضعف في إقتراب الجماعة:

يعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي قللت من شأن التركيز التقليدي على المؤسسات الرسمية والهياكل القانونية في لمجتمع، وذلك بتركيز الاهتمام على الهياكل المتنافسة بغض النظر عن كونها رسمية أم غير رسمية. ومن هنا، فقد ساعد على إدخال مفاهيم مثل القوة، والمصلحة، والتعاون، والصراع إلى قلب الدراسة العلمية المنظمة للحياة السياسية.

كما أنَّ هذا الاقتراب بتركيزه على دراسة الجماعات، فهو قابل للتطبيق على كافة المجتمعات الغربية المتقدمة وغير الغربية الأقل تقدماً على السواء، فالجماعات موجودة بلا شك في كافة المجتمعات وهو ما يعد أحد نقاط القوة في هذا الاقتراب.

في النهاية يمكن القول أنَّ اقتراب الجماعة حاول التصدي لجوهر العملية السياسية بما أثاره من تساؤلات حول ديناميكية عملية صنع القرار. غير أن أنصاره لم ينجحوا في بناء نظرية إمبريقية متوسطة المدى ذات قدرة تفسيرية وتنبؤية معقولة ومقبولة اعتماداً عليه. وهو ما يمكن معه القول بأنَّه في المراحل الأولى من بناء النظرية حيث تثار التساؤلات والقضايا يمثل اقتراب الجماعة قيمة كبيرة للغاية نظراً للمنظور السليم الذي انطلق منه، والتساؤلات الجيدة التي طرحها. بيد أنَّ المشكلة الرئيسية تكمن في عدم القدرة على جمع المعلومات للإجابة على التساؤلات المثارة، لا سيما فيما يتعلق بالجماعات غير الترابطية.

فقد اعتبر الموند وباول أن الجماعات غير الترابطية محدودة التأثير في المجتمعات المعاصرة لسببين:

الأول: أن التنافس بين الجماعات من القوة بما لا يسمح بدرجة كبيرة للجماعات غير الترابطية من التعبير الناجح عن المطالب نظراً لضعف مقدرتها التنظيمية في الوقت الذي تظهر فيه الكثير من الدراسات أن التنظيم يشكل ميزة كبيرة للنجاح في توصيل المطالب وتحقيق الأهداف.

الثاني: أن الجماعات غير الترابطية ذات المصالح الهامة والمستمرة سرعان ما تتحول إلى جماعات ترابطية أو مؤسسية ذلك بتطوير قدراتها التنظيمية بما يُمِّكَنها من تحقيق أهدافها بنجاح، باعتبار أن الفارق الجوهري بين الجماعات الترابطية وغير الترابطية يكمن في مستوى التنظيم.

كما واجهت هذه الحجج التي أثارها كل من الموند وباول الكثير من الإنتقادات منها:

  • أنَّه من الصعوبة القول بأنه ليس من الممكن في المجتمعات المعاصرة أن تحظى الجماعات غير الترابطية بدرجة عالية من النجاح في التعبير عن مطالبها وتحقيق أهدافها. فكثير من الجماعات غير الترابطية وغير الرسمية مثل الشلل Factions، والزمر Cliques، تتمتع بهياكل تنظيمية عالية تمكنها من تحقيق أهدافها بنجاح.

  • كما أنَّه ليس هناك دليل قاطع يؤيد تحول الجماعات غير الترابطية إلى جماعات ترابطية أو مؤسسية، بل العكس هو الصحيح إذ قد تنقسم بعض الجماعات الترابطية أو المؤسسية إلى شلل وزمر عبر الالتزام الأيديولوجي أو الروابط والعلاقات الشخصية أو الانتماء إلى منظقة جغرافية معينة أو توليفية أو أُخرى من هذه الاعتبارات.

    ففي واقع الأمر هناك أربعة شروط مسبقة يجب توافرها جميعاً حتى تعكس أي جماعة درجة رسمية ومرئية من التنظيم في شكل جماعات ترابطية ومؤسسية نوجزها فيما يلي:

  • شروط فنية؛ أي الخبرة التنظيمية.

  • شروط اقتصادية؛ بمعنى توافر الموارد المالية والمعدات الضرورية التي تمكن من العمل الناجح للجماعات الترابطية والمؤسسية.

  • شروط اجتماعية؛ بمعنى توافر درجة معينة من الثقة والتعاون، أي توافر درجة من الإتصال غير المشوش.

  • شروط سياسية؛ فقد تحول النخب السياسية الحاكمة دون ظهور الجماعات الترابطية.

ولما كانت الغالبية العظمى من المطالب تتدفق عبر قنوات التعبير الرسمية في البلدان المتقدمة حيث تغلب الجماعات الترابطية والمؤسسية، فأنّه من الممكن جمع المعلومات بخصوص هذه الجماعات. غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة للبلدان الأقل تقدماً حيث تتدفق الغالبية العظمى من المطالب عبر قنوات التعبير غير الرسمية نظراً لنقص أو ضعف قنوات التعبير الرسمية. وهو ما يفرض التحليل المتعمق لمثل هذه الهياكل غير الترابطية وغير الرسمية.

والمشكلة الرئيسية بالنسبة لهذه الجماعات هو صعوبة التعرف عليها نتيجة ما تتسم به الجماعات والتنظميات غير الرسمية من عدم الثقة في الغريب، وبالتالي صعوبة جمع المعلومات بصددها.

مما يحول دون بناء نظرية ذات قدرة تفسيرية وتنبؤية معقولة ومقبولة من منطلق اقتراب الجماعة. غير أن علينا ألا ننسى أن التصنيف المرتب الذي طوره ألموند وزملاؤه بخصوص الجماعات في إطار هذا الاقتراب له قيمة مقارنة عالية لا يستهان بها في المقارنة بين المجتمعات وقياس مستوى التنمية السياسية.

 

المصادر والمراجع:

أ. د. جابر سعيد عوض، النظم السياسية المقارنة، النظرية والتطبيق، جامعة 6 أكتوبر.

المساهمون في إعداد هذا المقال

اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment