شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطوير أساس علمي يبين مختلف مصادر التفسير في إطار ما عُرف بالثورة العميقة التي مست مجالات الدراسة المتعلقة بتحليل العلاقات الدولية، سواءً من حيث المفاهيم، أو من حيث المناهج والأطر النظرية المتداولة، فنشأ من رحم هذه الثورة مفهوم جديد تبنته المدرسة السلوكية واتخذته كأساس علمي في تحليل التفاعلات الدولية و هو ما عُرف بـمستوى التحليل – Levels of Analisis، ويُعد كل من كينت والتز – Kinneth Woltz و ديفيد سينغر – Dived Singer و مورتن كابلان – Morten Kaplen من أبرز المفكرين اللذين يعود لهما الفضل في إدخال المفهوم في تحليل الأوضاع الدولية إلاّ أنهم اختلفوا حول أي مستوى من التحليل يجب الاعتماد عليه؟، حيث ركز والتز على مستوى النظام الدولي أي ضرورة التركيز على التفاعلات التي تحدث بين القوى الكبرى، أما كابلان و سينغر فقد فضَّلا التركيز على مستوى الدولة (الوحدة)، في حين أكد باري بوزان – Barry Bouzen على “المستوى الإقليمي” باعتباره مكوناً منطقياً للتحليل وهو محل الدراسة في هذا المقال.

مفهوم النظام الإقليمي:

تعنى كلمة ”نظام – System ” ”مجموعة من الوحدات التي ترتبط فيما بينها بعلاقات وتعد بمثابة مرتكزات وتتميز العلاقات بين الوحدات بإمكانية الاتصال والتأثير المتبادل داخل الهيكل النظامي“.

و قد عرفه تشارلز ماكليلاند – Charles Maclellen على أنّه: ” بنية لها عناصر مرتبطة و متفاعلة مع بعضها البعض و لها حدود تفصلها عن بيئتها و محيطها“.

أما هوفمان – Hofman فيعرفه على أنّه: ”نموذج العلاقات ما بين الدول القاعدية“.

في حين عرفه هولستي – Holsti على أنّه: ” مجموعة من الوحدات السياسية المتعلقة – سواءً كانت قبائل أو دول أو إمبراطوريات – تتفاعل فيما بينها بانتظام وفقاً لمسالك مرتبة“.

وعموماً يمكننا القول أنَّ النظام في معناه العام أو في أبسط معانيه هو مجموعة من الوحدات التي ترتبط مع بعضها البعض حتى تشكل كلاًّ متماسكاً و متفاعلاً يصعب تجزئته، حيث إذا حدث خللاً في جزء، ينجم عنه اختلال كل الأجزاء.

أما مصطلح  النظام الإقليمي – Régional System فليست هناك معايير واضحة ودقيقة لتعريفه، حيث سبق لـجوزيف ناي – Joseph Ney  أن ذكر أن ساعات كثيرة أهدرت في الأمم المتحدة بـسان فرانسيسكو عام 1954 في محاولة لوضع تعريف دقيق للإقليم لكن دون جدوى.

لكن هذا لا يعنى أنه لا توجد اجتهادات ومحاولات من قبل الباحثين والأكاديميين لتعريف النظام الإقليمي، وقبل التطرق إلى مختلف هذه المحاولات لابد علينا أولاً التمييز بين منظورين للتعامل مع هذا المفهوم، أولهما، يستخدم مصطلح النظام الفرعي Sub System الذي يشير إلى تفكيك النظام الدولي إلى أنظمة فرعية و ذلك انطلاقاً من فرضية أوران يونغ    Oran Yong على اعتبار أن بعض الأقاليم تتميز بقدر من الانقطاع Discontinuity والخصوصية التي تميزها عن مناطق أخرى، و ثانيهما، يستخدم النظام الإقليمي الذي يُعنى بتجميع دول متجاورة تنتمي لإقليم جغرافي معين وتتقاسم خصائص تفاعلية مشتركة تميزها عن باقي الأقاليم.

وعليه فالنظام الفرعي هو تفكيك النظام الدولي إلى أنظمة فرعية، أما النظام الإقليمي فيُعنى بتجميع دول في نظم إقليمية.

وقد عرفه هاني إلياس الحديثي على أنّه: ”مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم واحد و تربطها عوامل المصلحة و الولاء، بحيث تقدم أساس تعاملها الإقليمي على الشعور بالتميز والتكامل، في مجالات الأمن والاقتصاد فهو أسلوب للممارسة إذا والتعامل بين الدول المختلفة التي تنتمي إلى إقليم واحد“.

أما بروس روسيت Brous Rousite فقد أعطى خمسة معايير لتعريف النظام الإقليمي تمثلت في ضرورة التجانس الثقافي والاجتماعين، التقارب الجغرافي، المواقف السياسية والسلوك الخارجي، المؤسسات السياسية، والاعتماد المتبادل الاقتصادي.

في حين عرفه لويس كانتوري Louis Cantari و ستيفن شبيغل Steven Speige (الأستاذان اللذان يعود لهما الفضل في تطوير الدراسات الإقليمية) على أنّه: ”النظام الذي يتكون من دولتين أو أكثر تكون متقاربة ومتفاعلة مع بعضها البعض، ولها روابط إثنية ولغوية و إقليمية واجتماعية  وتاريخية مشتركة، تساهم في زيادة الشعور بهويتها الإقليمية أفعال وموقف دول خارجة عن النظام“.

أما تومبسون – Thompson فقد عرفه على أنّه: ”نمط منتظم نسبياً و مكثف من التفاعلات، يكون معترف به داخلياً و خارجياً بصفته مضماراً متميزاً، و يجرى إنشاؤه والحفاظ عليه من قبل طرفين متجاورين أو أكثر“.

و عليه بناءاً على مختلف التعاريف المقدمة يمكننا القول بأن مسألة تعريف النظام الإقليمي بشكل دقيق مسألة جد معقدة نظراً لاختلاف الرؤى بين الباحثين، ففي حين ركز هاني إلياس الحديثي على ضرورة التقارب الجغرافي و اعتبره أساس التمايز بين الأقاليم، نجد بروس روسيت يركز على ضرورة التماثل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الدول، أما لويس كانتوري و شبيغل فقد لفتا الانتباه إلى الجانب المغيب في باقي التعاريف وهو الجانب الثقافي من خلال الإحساس بالوعي الثقافي، أما تومبسون فيؤكد على ضرورة التفاعلات السياسية والاقتصادية و الثقافية بين الدول كعامل حيوي لكل نظام إقليمي.

و منه انطلاقاً من التعاريف سابقة الذكر و بناءاً على الاختلاف في وجهات نظر المفكرين يمكننا إحصاء أهم العناصر المحددة للنظام الإقليمي، والتي يمكننا من خلالها وصف نظام ما على أنه نظام إقليمي فيما يلي:

  1. ضرورة وجود فاعلين أو أكثر.

  2. الجوار الجغرافي أي ضرورة الانتماء إلى رقعة جغرافية محددة.

  3. كثافة التفاعلات بين الوحدات و اختلافها عن تفاعلات أقاليم أخرى، أي لابد أن تحتوى على قدر من الخصوصية.

  4. قوة التجانس الاجتماعي والاقتصادي والثقافي أي الوعي الإقليمي وتكوين هوية إقليمية.

أهمية النظام الإقليمي كمستوى للتحليل:

لقد أجاب أوران يونغ على سؤال ماهو دور المستوى الإقليمي في تحليل الأوضاع الدولية؟ بقوله: ” لأن المجتمعات الإقليمية تظل أقوى من المجتمع الإنساني”، فبعد الحرب الباردة بدا جليا للباحثين في السياسة العالمية زيادة عدد العوامل و تنوع طبيعتها وذلك جراء التحولات الجارية على المستوى العالمي، ظهرت هناك حاجة لمستوى جديد مؤثر في السياسة العالمية ألا و هو ما يُعرف بـالنظام الإقليمي، حيث أجاب كاتسنشتاين عن سؤال كيف يمكن النظر للسياسة الدولية بعد الحرب الباردة؟ بقوله كعـــالــم أقاليم.

و عليه تسعى دراسة النظم الإقليمية لتحقيق ثلاثة (3) أهداف أساسية:

  1. تساعد الباحث على وضع إطار تفاعلي للوحدات السياسية داخل النظم الفرعية.

  2. تساعد الباحث على إجراء دراسة مقارنة بين نظامين فرعيين دوليين.

  3. تساعد الباحث على دراسة العلاقة بين نظام فرعي و نظام دولي.

كما تشمل الأنظمة الإقليمية على خمسة أبعاد لابد من الاعتماد عليها لفهم و تحليل مختلف التفاعلات الداخلية و الخارجية و التي تُسمى بالمعالم الهيكلية للنظام:

  1. وحدات النظام (Units): وهي القوى الفاعلة في المنطقة، أي الفواعل المهمة في المنطقة.

  2. التفاعل (Interaction): أي درجة التفاعل بين وحدات النظام سواء كانت صراعية أم تعاونية.

  3. البيئة (Environment): كل نظام له بيئة ينشأ ويترعرع فيها و يتفاعل في إطارها.

  4. حدود النظام (Boundries): وهي الحدود التي تفصل نظام إقليمي عن آخر.

  5. هيكل النظام (Structure): خصائص و مكونات القوة وكيفية توزيعها هل هي متمركزة لدى قوة أو قوتين؟ أم موزعة على كل دول الإقليم؟.

المصادر والمراجع:

عبد القادر دندن، الأدوار الإقليمية الصاعدة في العلاقات الدولية، (عمان: مركز الكتاب الأكاديمي، 2015)

جهاد عودة، النظام الدولي _نظريات و إشكاليات_، (لبنان: دار الهدى للنشر و التوزيع، 2005)

جصاص لبنى، دور التكتلات الإقليمية في تحقيق الأمن الإقليمي دراسة حالة: رابطة دول جنوب شرق آسيا، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية غير منشورة، (جامعة بسكرة: كلية الحقوق و العلوم السياسية، 2009_2010)

عياد محمد سمير، الدور الصيني في النظام الإقليمي لجنوب آسيا بين الاستمرار و التغير 1991_2006، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية غير منشورة، (جامعة الجزائر: كلية الحقوق و العلوم السياسية، 2003_2004)

 هاني إلياس الحديثي، سياسة باكستان الإقليمية 1971_1994، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)

Bruse Russett , Regional or Global : what can international organization do ?.

Michelle Pace, The politics of regional identity :medding with medditterran, (london : routledge, 2006)

 ناصيف يوسف حتي، النظرية في العلاقات الدولية، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1985)

 فواز جرجس، النظام الإقليمي العربي و القوى الخمس الكبرى: دراسة في العلاقات العربية_الدولية و العربية_العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)

علي الدين هلال و جمال مطر، النظام الإقليمي العربي دراسة في العلاقات السياسية العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)

جيمس دورتي و روبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة: وليد عبدالحي، (الكويت: كاظمة للنشر و التوزيع و الترجمة، 1985)

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
مريم مخلوف
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

اقتراب الج...

يُعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي ركَّزت الاه...

Leave a Comment