مفهوم علم السياسة

كلمة سياسة مشتقة في اللغة العربية من فعل ساس – يسوس ، ومعناه عالج الأمر أو صرفه ودبره، وهي كلمة تبدو محايدة، لا تنطوي في ذاتها أو في تركيبتها اللغوية على حكم قيمي أو أخلاقي، وإن كانت توحي بمعاني  إيجابية أكثر من إيحائها بالمعاني السلبية.

فعندما يقال عن أمر أنه عولج بطريقة ” سياسية “، فإن المعنى المُوحى به هنا أن أسلوب المعالجة كان سلميًّاً ،و هادئاً، وأن المعالجة تمّت بطريقة لبقة، أو حكيمة؛ أي بطريقة دبولماسية.

غير أن الاستخدام الدارج لهذه الكلمة، سواءً في لغة التخاطب المتداولة بين الناس أو في الصحافة ووسائل الإعلام، خلع عليها معاني وأوصاف مختلفة وشديدة التباين. فأحياناً توظف كلمة “ سياسة” للدلالة على الأنشطة التي تتطلب من القائمين عليها قدراً كبيراً من الحكمة والكياسة وحسن التصرف، وفي أحيان أخرى توّظف على العكس، للدلالة على الأنشطة التي تتطلب من القائمين عليها صفات ومهارات خاصة ليست إيجابية أو ذات طبيعة أخلاقية دائماً أو بالضرورة. فصورة السياسي لدى البعض منا أنه الشخص الذي يمتلك قدرات خاصة تمكنه من ممارسة الخداع والمراوغة والغموض أو حتى الابتزاز، وأحيانا أخرى تكون هذه الصورة أقل سلبية، ويصبح الدبلوماسي هو الشخص الذي يتصف بالمرونة والقدرة على توظيف واستخدام كل الموارد والوسائل والأدوات المتاحة للوصول إلى أهداف أو غايات محددة، بصرف النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية هذه الأهداف والغايات، ولذلك تبدو مدركات الجمهور عن “ السياسة ” وما تولّده من صور ذهنية تتعلق بالعاملين بها مختلطة ومتباينة.

غير أن المشكلة الأساسية هنا لا تتعلق بصورة  “ السياسة “ في أذهان الناس أو بكيفية إدراكهم لمعانيها ومضامينها، أو بحكم الناس على طبيعة النشاط “ السياسي “ بالخيّر أو الشرير؛ وإنما تكمن المشكلة في عدم وضوح معنى ومفهوم هذا المصطلح بدقّة في أذهان الغالبية العظمى من عامة الناس.

ففي الوقت الذي تجد فيه الكثير من الناس، وفي جميع أنواع الدول المتقدمة منها أو المتخلفة، الغنية أو الفقيرة، لديهم الإستعداد الذهني لتقبل حقيقة أن الإقتصاد، الحقوق، الهندسة، الطب … الخ، هي علوم لها قواعد وأصول ومناهج، وتشكل موضوعات للدراسة الأكاديمية وللبحث العلمي، في حين نجد القليل من الناس هم الذين يتوافر لديهم الاستعداد الذهني المسبق للتعامل مع “ السياسة “ بإعتبارها علم له اصول وقواعد ممنهجة ومحددة.

وعلى الرغم من اقتناع الكافة بأن ممارسة “ السياسة “ أمر حتمي لا غنى عنه لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، مهما كانت درجة تطورها، ولسبب بديهي أن السياسة أمر يرتبط ارتباطاً عضوياً بقيام واستمرار المجتمعات الإنسانية ومن ثم فلا يمكن الاستغناء عنه مطلقاً، إلا أن الصورة الأكثر شيوعاً في أذهان الناس هي أن “ السياسة “ أقرب ما تكون إلى “ الفن “ منها إلى “ العلم “، ولهذا فإن الصورة الأكثر انطباعاً في أذهان الكثيرين هي أن السياسة هي عالم مليء بالغموض والأسرار، وربما بالإثارة أيضاً. كما يرتبط العمل السياسي غالباً بمظاهر وألوان من النشاط تثير القلق عادةً مثل:( المظاهرات والإضرابات والمعارك الانتخابية ..الخ).

والواقع أن الغموض الذي يكتنف تعريف كلمة أو مفهوم “ السياسة “ لا يقتصر على عامة الناس؛ وإنما يمتد ليشمل الخبراء والمختصين أيضاً. فما تزال هناك صعوبات عديدة تعترض طريق الاتفاق على تعريف واضح ومحدد يمكن أن يلقى إجماعاًً من جانب جمهور الباحثين. فالثقة من علماء السياسة لا يزالون مختلفين اختلافاً بيّنا حول تعريف “ السياسة “ كعلم، ومن ثم حول نوع وطبيعة الموضوعات التي تشكل نطاق الحقل البحثي لهذا العلم.

يعرِّف معجم Le Petit Larousse السياسة La Politique بأنها : “إدارة الدولة وتحديد أشكال نشاطها و… مجموعة الشؤون التي تهم الدولة”.

ويعرِّف كتاب Dalloz) Lexique de politique) كلمة Politique السياسة بمعناها المطلق “فن حكم المدينة بغية الوصول الى ما يعتبر الغاية العليا للمجتمع”.

كما أن هناك من يعرّف علم السياسة بأنه: العلم الذي يبحث في كيفية إدارة شؤون الدولة وأسلوب ممارسة السلطة، وهناك من يرى أنه: العلم الذي يبحث في أوضاع وموازين القوة وكيفية عكس مكونات ومظاهر القوة نفسها على العلاقات بين الأفراد والفئات الإجتماعية، وهناك من يعرفه على أنه :العلم الذي يبحث في كيفية صنع القرارات الجماعية، وهناك من يقترح تعريفه: بالعلم الذي يبحث في كيفية تخصيص الموارد المحدودة، والتي لا تكفي لإشباع طلبات الراغبين في الحصول عليها..الخ

ولكل من هذه التعريفات مزاياه وعيوبه. فتعدد هذه التعريفات يعكس تعددا في الرؤى الفكرية أو الأيديولوجية، أو في المناهج وأساليب التحليل المستخدمة، أو في مواقع الرؤية عند بعض النقاط، وقد تتوازى عند نقاط، وقد تتوازى عند نقاط أخرى ولكن يوجد بينها دائماً مساحة أو منطقة مشتركة. وعلى أي حال فلم يتمكن أي منها من تقديم تعريف وجامع ومانع حتى الآن لماهية علم “ السياسة “، ولذلك يمكن القول: إن هذه التعريفات تتكامل لتشكل مجتمعة صورة أكثر وضوحا عن ماهية هذا العلم ونطاقه البحثي.

“ السياسة “ كمرادف للسلطة وإدارة شؤون الحكم :

كلمة “ سياسة “ هي الترجمة العربية لكلمة Politics، المشتقة من الكلمة اليونانية الأصل Polis ومعناها دولة المدينة، ولأن المدن اليونانية القديمة كانت وحدات سياسية قائمة بذاتها أو دول، فقد ارتبطت الكلمة من البداية ارتباطاً وثيقاً بالدولة، وأصبحت السياسة من المنظور الأكاديمي، هي علم الدولة أو العلم الذي يعتني بكيفية إدارة شؤون الدولة.

وقد صاحب قيام الدولة القومية في أوربا خلال القرن السابع عشر، ظهور وتطور نظريات ومدارس عديدة أسهمت في تطور علم السياسة، ويعتبر عالم السياسة الأمريكي” دايفيد إيستون David Easton “هو أشهر من عرفوا “ السياسة “ لكن بمفردات معاصرة حيث عرّف السياسة باعتبارها عملية “ تخصيص سلطوي للقيم “. وبهذه العبارة المركزة والموحية في الوقت نفسه أراد إيستون أن يقول :” إن السياسة تشمل مجمل الأنشطة التي تتجلى من خلالها سلطة الدولة، أو الحكومة كرد فعل، أو كاستجابة للضغوط الواقعة عليها من جانب الفئات والجماعات المختلفة والمتصارعة. وقد تأخذ الاستجابة شكل تقديم حوافز ومكافآت كما قد يترتب عليها فرض كوابح وعقوبات وذلك بهدف استمالة جماعة ما، أو تحييد أخرى، أو عقاب ثالثة..الخ، وبهذا المعنى يرى إيستون القيم السلطوية؛ أي القيم التي تحددها وتفرضها السلطة السياسية في الدولة هي قيم تحظى بقبول واسع في المجتمع ويتم التعامل معها باعتبارها ملزمة للعامة، وانطلاقاً من هذا التعريف تصبح العملية السياسية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالسياسات الحكومية، أي بالقرارات التي تتخذها السلطة السياسية في إطار خططها وأنشطتها لإدارة شؤون الدولة أو المجتمع.

وبذلك نرى أن شأن العالم السياسي مع الظاهرة السياسية، هو شأن الطبيب مع الظاهرة المرضيّة؛ فالأصل في جسم الإنسان الصحة لا المرض، ومرض الجسم حافز للطبيب لتفهم العلة فيه، للإهتداء للعلاج الذي يعيد للجسم عافيته، ويمكّنه من القيام بوظائفه على الوجه الصحيح، والعالم السياسي يقارب الظاهرة السياسية محاولاً تفهم الواقع السياسي المتعلق بالسلطة وابعادها وخصائصها وعلاقاتها بالمجتمع والمؤسسات السياسية الداخلية والخارجية وعلله وأمراضه تفهّّماً علمياً دقيقاً، وينتقل بعد ذلك إلى وصف العلاج الناجح ليعيد له عافيته السياسية، أي العافية الإنسانية الأسمى التي وجد لأجلها، وهي تنظيم المجتمع.

 

المصادر:

د. حسن نافعة، مبادئ علم السياسة، كلية التجارة والإقتصاد قسم علوم سياسية، جامعة القاهرة.

أ.د صدقة يحيى فاضل، مبادئ علم السياسة، الطبعة الثالثة،  كلية العلوم السياسية، جامعة الملك عبد العزيز، جدة

د. محمد طه بدوي، مدخل إلى علم العلاقات الدولية، دار النهضة العربية، بيروت.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

4 تعليقات

    • WilliamOa
      reply

      Really appreciate you sharing this forum topic.Really looking forward to read more. Want more. Melodi

      • Faisal Baraa AlMarashi - فيصل براء المرعشي
        reply

        شكراً لك..
        نسعى دوما لدعم المحتوى العربي في مجال علم السياسة على الإنترنت أملاً لإيتاحة وصول المعلومات للجميع.
        سيكون لنا مع كل يوم خميس مقال إن شاء الله
        لا تنسى مشاركة الموقع والمعلومات مع اصدقائك لتصل للجميع
        بالتوفيق

    • malek
      reply

      كم نحن بحاجة لمثل هذه المواقع …
      لكم التحية على هذه المبادة والجهد والتعب في إعداد مثل هذه المقالات، اتمنى لكم كل التوفيق والنجاح

      • Faisal Baraa AlMarashi - فيصل براء المرعشي
        reply

        شكراً لك استاذ مالك. نعم بالفعل نحن بحاجة لمزيد من المبادرات سواء كانت فردية أو جماعية.
        فعلينا كأفراد في المجتمع إتاحة وتسهيل وصول المعلومة للجميع، إلا أنه يبقى التحدي الأكبر لدى المجتمع في قراءة هذه المقالات.

Leave a Comment