مفهوم الدبلوماسية:

الدبلوماسية كلمة يونانية الأصل، مشتقة من اسم دبلوماDiploma” المأخوذة من الفعل “Diplom” وكانت تعني الوثيقة التي تصدر عن أصحاب السلطة والرؤساء السياسيين للمدن وتمنح حاملها امتيازات معينة. وقد استخدمها الرومان فيما بعد للإشارة إلى الوثيقة المطويّة، أو المكتوبة التي تطوى بشكل خاص، وتعطي بعض الامتيازات لمن يحملها مثل جواز السفر ،أو الاتفاقات التي كانت تعقد لترتيب العلاقات مع الجاليات، أو الجماعات الأجنبية الأخرى.

وقد أخذت لفظة دبلوماسية فيما بعد وحتى نهاية القرن السابع عشر، إلى الأوراق والوثائق الرسمية وكيفية حفظها وتبويبها، وترجمة كلماتها وحلّ رموزها من كُتّاب متخصصين، أو ما يسمى أمناء المحفوظات. وأطلق على من يقوم بهذه المهمة اسم الدبلوماسي، وأطلق على العلم المتخصص بهذا الموضوع اسم الدبلوماسية وذلك نسبة إلى الدبلومات.

ولم يتم استخدام لفظ الدبلوماسية أو الدبلوماسي للإشارة إلى المعنى المتعارف عليه اليوم، وهو إدارة العلاقات الدولية إلا في نهاية القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1796، حيث استعملت كلمة “Diplomacy” باللغة الإنكليزية في إنكلترا وأصبحت الكلمة في ذلك الوقت تطلق على ممثلي الدول الأجنبية الذين يحملون كتب اعتماد من دولهم. كما عُرفت عند قيام الثورة الفرنسية بمعنى التفاوض، وعُرف الدبلوماسي بأنه المفاوض. وأخذت كلمة الدبلوماسية تتبلور وتكتسب بصورة محددة قواعدها الخاصة وتقاليدها ومراسمها على إثر مؤتمر فيّنا لعام 1815، وفي ضوء هذا التطور ظهرت كوادر دبلوماسية متخصصة ومتميزة عن غيرها من رجال السياسة.

إن هذا الاختلاف في تاريخ استخدام كلمة الدبلوماسية تجاوزه الإسبان فكانوا أول من استخدم كلمة سفارة وسفير، بعد نقلها عن التعبير الكنسي (Ambactus) بمعنى الخادم و (Ambassy) بمعنى السفارة.

ويَذْكُر عز الدين فوده أن كلمة دبلوماسية قد تطورت وانتقلت من اليونانية إلى اللاتينية ثم إلى اللغات الأوربية وبعدها إلى العربية مشيراً إلى أنها استعملت في معنيين:

  1. المعنى الأول: الشهادة الرسمية أو الوثيقة التي تتضمن صفة المبعوث، والمهمة الموفد بها والتوصيات الصادرة بشأنه من الحاكم بقصد تقديمه وحسن استقباله أو تسهيل انتقاله بين الأقاليم المختلفة.

  2. المعنى الثاني: وهو الذي استعمله الرومان لكلمة دبلوماسية، والذي كان يُعبِّر عن طباع المبعوث أو السفير، وما كانت تقتضيه التعلميات الموجهة إلى البعثة من وجوب الإلتزام بالأداب وإنماء المودة وتجنب أسباب النقد.

وعموماً فإن تطور كلمة دبلوماسية ارتبط على مر الزمن بتطور الممارسة الدبلوماسية إلى أن شاع استعمالها بالمعنى المتعارف عليه في القرن التاسع عشر في أوربا عندما عقدت اتفاقية فينا عام 1815، والتي حددت الوظائف الدبلوماسية، ونظمت ترتيب أسبقية رؤساء البعثات الدبلوماسية ومزاياها وخصائصها.

تعريف الدبلوماسية

تتعد تعاريف الدبلوماسية، وتستخدم الكلمة للإشارة إلى معانٍ مختلفة لدرجة يصعب جمعها كلها في تعريف واحد، فقد اختلف المهتمون من أساتذة القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية في تحديد معنى الدبلوماسية وذهبوا في ذلك مذاهب شتى، ويمكن استعراض عدد من الآراء والتعريفات التي أوردها الكتاب في هذا المجال.

فمن التعاريف المشهورة تعريف قاموس اوكسفورد الذي تبنّاه هارولد نيكلسون Harold Nicolson فقال “ الدبلوماسية هي إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات والأسلوب الذي يستخدمه السفراء والمبعوثون لإدارة وتسوية هذه العلاقات، وهي وظيفة الدبلوماسي أو فنه”.

ويعرفها ارنست ساتو Ernest Satow بأنها “ تطبيق الحيلة والذكاء في إدارة العلاقات الرسمية بين الحكومات والدول المستقلة”.

ويقدم شارل كالفو charle calvo تعريفاً للدبلوماسية بأنها “ علم العلاقات القائمة بين مختلف الدول، كما تنشأ عن مصالحها المتبادلة، وعن مبادئ القانون الدولي ونصوص المعاهدات والاتفاقيات التي تنشأ، وهي ضرورية لقيادة الشؤون العامة ومتابعة المفاوضات”.

أمّا على صعيد اللغة العربية، فيلاحظ أنه لا توجد ترجمة حرفية مقابلة ومناسبة لكلمة دبلوماسية. وكان العرب قد استخدموا كلمتين للتعبير عن النشاط الدبلوماسي، أو الممارسة الدبلوماسية فكانت كلمة “ كتاب “ تستخدم للتعبير عن الوثيقة التي يتبادلها أصحاب السلطة فيما بينهم والتي تمنح حاملها مزايا الحماية والأمان، وبهذا المعنى تقترب كلمة “كتاب” من المعنى الذي أعطاه الإغريق لكلمة الدبلوماسية، وقد جاء استعمال كلمة “كتاب” عند أغلب الفقهاء العرب والمسلمين. ففي كتاب السير الكبيرللشيباني“ جاء في باب ما يؤخذ في دار الإسلام من أهل الحرب ما يلي: “قلت أرأيت الرجل من أهل الحرب يوجد في دار الإسلام فيقول: أنا رسول ويخرج كتاب الملك معه، قال: إذا عرف أنه كتاب الملك كان آمنا حتي يبلّغ رسالته ويرجع، وإن لم يعرف أنه كتاب الملك فهو فيء وجميع ما معه”

وكذلك جاءت كلمة “كتاب” عن أبي يوسف في “ الخراج “ عندما يقول: “إن الولاة إذا ما لقوا رسولا يسألونه عن اسمه؛ فإن قال: أنا رسول الملك بعثني إلى ملك العرب وهذا كتابه معي، وما معي من الدواب والمتاع والرقيق فهدية له، فإنه يصدث ولا سبيل عليه…”. إلى جانب كلمة “كتاب” كانت كلمة “سفارة” تستخدم عند العرب بمعنى الرسالة ؛أي التوجه والإنطلاق إلى القوم، بغية التفاوض. وتشتق كلمة سفارة من: سفر أو أسفر بين القوم إذا أصلح، وذلك حسب ما ذكره أبو العلاء عندما فسر معنى كلمة سفير حين قال: “ السفير هو الذي يمشي بين القوم في الصلح أو بين رجلين ”.

وقد استعملت الكلمتان، إصلاحاً بمعنى واحد للموفد الدبلوماسي، وإن غلب أحيانا المدلول الديني في استعمال كلمة الرسول، وغلب معنى الوساطة والإصلاح في استعمال كلمة سفير”

ولعل من أقدم التعاريف العربية للدبلوماسية تلك المقولة للخليفة معاوية بن أبى سفيان التي تعتبر أبلغ تعبيرفي وصف الدبلوماسية: “ لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، إذا أرخوها شددتها، وإن شدوها أرخيتها ”. وصفت الدبلوماسية هنا بالدقة والمرونة والعطاء للوصول إلى تحقيق الهدف والحرص على استمرار العلاقات وعدم انقطاعها ولو كانت معلقة على شعرة رفيعة.

ويحدد علي صادق أبو هيف عمل الدبلوماسية بأنه يتمثل في ثلاثة أوجه وهي: مراقبة مجريات الأمور والحوادث، حماية مصالح الدولة، والمفاوضة في كل ما يهمها.

وبذلك يمكن القول أن الدبلوماسية : “علم وفن إدارة العلاقات بين الأشخاص الدوليين،عن طريق الممثلين الدبلوماسيين، ضمن ميدان العلاقات الخارجية للأشخاص الدوليين في إطار ما يقرّه القانون والعرف الدولي”.

ويستخدم لفظ الدبلوماسية أحياناً للدلالة على نمط من السلوك، فتطلق كلمة “دبلوماسي” كمرادف للباقة والكياسة التي يتحلى بها الإنسان في علاقاته الاجتماعية، فيوصف شخص بأنه دبلوماسي؛ إذا كان حسن التصرف، رقيقاً مجاملاً في تعامله مع الأخرين، قادراً على تدبير أموره وجُلّ القضايا الشائكة بحذق وحنكة.

ويتضح من التعاريف المختلفة السابقة لكلمة الدبلوماسية وإن اختلفت الزاوية التي يرتكز عليها الباحثون من وجهة نظرهم، إلا أنها تبين بعض العناصر الأساسية للدبلوماسية كحاجة ضرورية في علاقات الوحدات الدولية بسبب الظروف؛ الإقتصادية، والاجتماعية والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي شهده المجتمع الدولي، والذي أدى إلى تشابك العلاقات والمصالح وتطورها.

و على الرغم من أنّ الرسائل أصبحت سريعة الوصول من دولة إلى أخرى في يومنا هذا، إلّا أن اللقاءات الشخصية تضيف خصوصية وصدقاً متبادلاً بين الدولتين؛ فالدبلوماسية الرسمية هي نظام دائم من التواصل الرسمي بين الدول، ومن ذلك السفراء، وبقاء السفارات في العواصم الأجنبية ،وإرسال الرسائل بواسطة مبعوثين مؤهلين رسمياً والمشاركة في المؤتمرات.

وتنبع أهمية الدبلوماسية من واقع أن معظم السياسات الخارجية تُحدد عموماً من دون وضع تدابير لتطبيقها، وعلى الدبلوماسي البارع أن يجعل هذه السياسات متألقة مع الوضع القائم.

وهناك مناسبات عدّة تبرر فيها حيثيات وضع معين باتخاذ تدابير معارضة للسياسة العامة المتبعة، ولهذا تعتمد الدولة على حكمة مسؤوليها الدبلوماسيين في هذا المجال. وقلّة هي الحكومات التي تتبع سياسة متجانسة تماماً عما يحركها صوت واحد؛ لذا يقع على عاتق الدبلوماسيين أن يقفوا بين الأصوات المتنافسة وأن يجعلوا سيادة دولتهم الخارجية متجانسة ومتماسكة، و واضحة، ومفهومة.

وللدبلوماسية وجهان، فهي الوسيلة التي تدافع بها الدولة عن نفسها وتشكو من خلالها همومها إلى العالم، وهي أيضاً إحدى الوسائل الأساسية للتوفيق بين مختلف المصالح المتنافسة. بمعنى آخر، تهدف الدبلوماسية إلى تلبية أهداف الدولة المعنيّة مع حفظ العلاقات الدولية كما هي، أي أنها الأداة التي تستخدمها الدول للوصول إلى أهدافها دون إثارة عداء الدول الأخرى. وعلى الدبلوماسيين أن يحافظوا على حماية مصالح دولتهم ويتجنبوا النزاع مع الدول الأخرى.

أما عن وظائف الدبلوماسية فهي ثلاث يمكن تلخيصها بــ (جمع المعلومات، وتقديم صورة إيجابية، وتطبيق السياسة).

تجمع السفارة معلومات حول تفكير القيادة السياسية المحلية، وعن حالة الإقتصاد المحلي، وطبيعة المعارضة السياسية. وهذه الأمور كلها مهمة لأنها تساعد على التنبؤ بالمشكلات الداخلية واستباق التغيرات في السياسة الخارجية، فيعدّ الممثلون الدبلوماسيون بمنزلة عيون الدولة وآذانها في الخارج، إذ أن رسائلهم وتقاريرهم تعدّ جزءاً من الموارد الأوليّة التي تبنى عليها السياسة الخارجية كما تهدف الدبلوماسية إلى توفير صورة مستجدّة عن الدولة واليوم تتيح الاتصالات الحديثة تكوين أفكار واتخاذ مواقف حول العالم، وتتمتع الدول بأنظمة علاقات عامة واسعة، تهدف إلى جعل أعمالها وسياساتها محط تأييد دولي. وتزوّد السفارات الأجنبية وسائل الإعلام المحلية بتفسيرات رسمية، وتحاول تجنب الدعاية السلبية أو التخلص منها.

كما يدير الدبلوماسيون برنامج الدولة في الخارج، إذ يتفاوضون في مسألة الحقوق العسكرية ويسهلون الإستثمار الأجنبي والتجارة ويشرفون علي توزيع المساعدات الإقتصادية ويوفرون المعلومات والمساعدات اللازمة، إلا أنه مع مرور الزمن قلت أهمية السفراء الرسميين على ما كانت عليه في السابق، فحين كان السفر والتواصل بدائيين، كان السفراء يتمتعون بالسطلة والأهلية لتطبيق السياسة الخارجية كاملاً، إلا أن اليوم يتواصل رؤساء الهرم السياسي واصحاب السياسات الرفيعة المستوى فيما بينهم عن طريق الهاتف “دبلوماسية القمة”، أو من الممكن إرسال مبعوثين خاصين “دبلوماسية المكوك”، وتعتبر دبلوماسية المكوك من أهم الطرق الدبلوماسية خصوصاً بعدما جعل هنري كيسنجر Henry Kissinger وزير ومهندس السياسة الخارجية الأمريكي منها المكوك فناً راقياً في تقييد القوة وتتحقيق المصالح عن طريق الدبلوماسية السلمية.

ملخّص القول بأن الدبلوماسية مـفـهـوم مـتعـدد الجوانب والاستخدامات، وأنها مرتبطة بالأهـداف، ولم تعد تقتصر على العلاقات الثنائية بين الدول، بل امتدت لتشمل اتصالات الدول بالمنظمات الدولية والإقـلـيـمـيـة وغيرها من المؤسسات والوحدات السياسية في المجتمع الدولي، وبالتالي فإن الدبلوماسية أصبحت عملية سياسية مستمرة توظّفها الدولة بشكل رسمي في تنفيذ سياستها الخارجية وفي إدارتها لعلاقاتها مع غيرها من الدول والأشخاص الدولية الأخرى.

المصادر:

أ. عبد الفتاح علي الرشدان، و د. محمد خليل الموسى، أصول العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، المركز العلمي للدراسات السياسية، عمان، 2005.

 مارتن غريفيش، و تيري اوكالاهان، المفاهيم الاساسية في العلاقات الدولية، مركز الخليج للأبحاث، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2008.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

متلازمة هو...

تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القط...

Leave a Comment