خطا العالم خطوات واسعة فى طريق التنظيم الدولي، فمنذ عـام 1919 نشأت العديد من المنظمات الدولية المتنوعة من حيث الاختصاص والعضوية الأهـداف والسلطات وغيرها. ولعل عصبة الأمم كانت أولى هذه المنظمات الدوليـة، وكـان هدفها الأساس حفظ السلم والآمن الـدوليين، وتحـريم اسـتخدام القـوة كوسـيلة فرديـة لاستخلاص الحقوق، والحيلولة دون نشوب حرب عالمية أخـرى بعـد الحـرب العالمية الأولى، وسرعان ما برزت منظمة الأمم المتحدة فى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانيـة، نتيجة التفكير فى إنشاء منظمة عالمية جديدة بديلة لعصبة الأمم؛ مستفيدة في تركيبتها وهيكليتها التنظيمية من التجربة السابقة في عصبة الأمم وهي الأمم المتحدة.

وقد حددت المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة فروع هذه المنظمة، لتتكون بذلك من ستة أجهزة أو فروع رئيسية وهي: الجمعية العامة، ومجلس الأمن، ومجلس الوصاية، والمجلس الاقتصادي والإجتماعي، والأمانة العامة، ومحكمة العدل الدولية، مع إمكانية إنشاء فروع أُخرى إذ ما يرى ضرورة من إنشائه طبقاً لأحكام الميثاق.

1- الجمعية العامة:
تعد الجمعية العامة أوسع فروع الأمم المتحدة من حيث عدد أعضائها، فقد نصت الفقرة الأولى من المادة التاسعة من الميثاق على أن تتألف الجمعية العامة من جميع أعضاء الأمم المتحدة. وتجتمع في دورة اعتيادية مرة واحدة كل عام تبدأ يوم الثلاثاء من الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر/ ايلول ويمكن لها أن تجتمع في دورة طارئة أو استثنائية كلما دعت الضرورة وبناء على طلب من مجلس الأمن أو من أغلبية الأعضاء في الأمم المتحدة.

وللجمعية العامة اختصاصات عامة واسعة فمن حقها مناقشة كافة الأمور التي تدخل في اختصاصات الأمم المتحدة سواء ما تعلق منها بالمبادئ العامة للتعاون الدولي أو المسائل المتعلقة بشؤون المستعمرات، ولها أن تصدر ما تراه من توصيات في جميع الأمور. ولكن يَرِدْ على هذا الاختصاص العام قيد مهم وهو أنه يتعين على الجميعة العامة أن تمتنع عن اصدار أي توصية تتعلق بأي نزاع أو موقف مدرج على جدول أعمال مجلس الأمن.

وتنفرد الجمعية العامة بانتخاب أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والأعضاء غير الدائمين بمجلس الأمن وبعض أعضاء مجلس الوصاية وتعتبر الجمعية العامة الفرع المختص بمراقبة نشاط الفروع الأخرى، إذ تلتزم هذه الفروع بما فيها مجلس الأمن، بتقديم تقارير سنوية تناقشها وتعلق عليها وتصدر بشأنها ما تراه من توجيهات أو توصيات.

وتشترك الجمعية العامة مع مجلس الأمن في مباشرة بعض الاختصاصات المهمج مثل تعيين السكرتير العام للأمم المتحدة، واختيار قضاة محكمة العدل الدولية، وتوقيع العقوبات على الدول الأعضاء، وقبول الأعضاء الجدد. ولكنها تنفرد وحدها بالعديد من الاختصاصات المتعلقة بالشؤون المالية والإدارية للأمم المتحدة وفي مقدمتها إقرار مشروع البرنامج والميزانية وتحديد نصيب الدول الأعضاء في الميزانية المادية للمنظمة.

ولكل دولة عضو في الجمعية العامة صوت واحد عملاً بقاعدة المساواة، وتتخذ الجمعية العامة توصياتها أو قراراتها بالأغلبية البسيطة بالنسبة للمسائل غير المهمة وبأغلبية الثلثين بالنسبة للمسائل المهمة، والأصل أن الجمعية لا تصدر قرارات ملزمة وإنما توصيات موجهة للدول الأعضاء، غير أنها تتمتع بسلطات واسعة بالنسبة للمسائل المالية والإدارية والشؤون الداخلية للمنظمة وقراراتها فيها ملزمة.

2 – مجلس الأمن:

ويتكون من:
أ – الأعضاء الدائمين: وعددهم خمسة أعضاء حددهم الميثاق وهم (الولايات المتحدة الأمريكية، الإتحاد السوفيتي، المملكة المتحدة، فرنسا، والصين).

ب – الأعضاء المنتخبين: وعددهم عشرة أعضاء، تنتخبهم الجمعية العامة لمدة سنتين غير قابلة للتجديد الفوري، ويراعى عند اختيار هذه الدول مدى ساهمة كل منها في المحافظة على السلم وعدالة التوزيع الجغرافي. وقد حددت الجمعية العامة في قرارها الصادر في 28 ديسمبر 1963 توزيع المقاعد غير الدائمة في المجلس على أساس خمسة مقاعد للدول الأفريقية والآسيوية، ومقعدان لأوربا الغربية ودول أخرى، ومقعدان لأمريكا اللاتينية، ومقعد لدول أوربا الشرقية.

ويختص المجلس بتسوية المنازعات بالطرق السلمية وله أن يوصي بما يراه من وسائل كفيلة بتسوية هذه المنازعات، وفي حالة وقوع عدوان فإن مجلس الأمن هو المختص بتحديد الطرف المعتدي، والمُعتدى عليه، وتتدرج التدابير التي يستطيع اتخاذها في مثل هذه الحالات بدءاً بالتوصية بالقيام بترتيبات مؤقتة كوقف اطلاق النار أو سحب القوات المعتدية أو عقد هدنة إلى الأمر بفرض عقوبات معينة ضد الدولة المعتدية كالحصار الإقتصادي وقطع وسائل المواصلات والاتصالات البرية والبحرية والجوية وانتهاءاً باستخدام القوة لردع المعتدي.

ويجتمع مجلس الأمن كلما تطلبت الضرورة ذلك. وتتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة في المسائل الإجرائية وبأغلبية تسع أصوات من بينها أصوات الدول الدائمة مجتمعة في المسائل الموضوعية. ويعتبر مجلس الأمن الفرع الوحيد الذي يملك سلطة إصدار القرار الملزم في مواجهة الدول الأعضاء وخصوصاً حين يتخذ قراراته استناداً إلى أحكام الفصل السابع من الميثاق والمتعلقة بحالات تهديد السلم ووقوع العدوان.

3 – المجلس الاقتصادي والإجتماعي:

وكان يتشكل في الأصل من 18 عضواً تمت زيادتهم عدة مرات نتيجة للزيادة المطردة في عدد أعضاء الأمم المتحدة، وأصبح يتكون منذ عام 1973 من 54 عضواً تنتخبهم الجمعية العامة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وتراعى الجمعية العامة عند الإنتخاب معايير التوزيع الجغرافي العادل. وتوزيع مقاعد الجلس وفقاً للنظام المعمول به حالياً على أساس 14 مقعداً للدول الأفريقية، 11 مقعداً للدول الآسيوية، 10 مقاعد لدول أمريكا اللاتينية، 13 مقعداً لدول أوربا الغربية ودول أُخرى، 6 مقاعد لدول أوربا الشرقية.

ويختص المجلس بتطوير التعاون بين الدول في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنظيم العلاقات بين الأمم من ناحية وكل من المنظمات الدولية غير الحكومية من ناحية أُخرى.

4 – مجلس الوصاية:

وكان الغرض من إنشاء هذا المجلس هو الإشراف على إدارة المستعمرات التي كانت خاضعة لنظام الانتداب في عهد العصبة والمستعمرات التي اقتطعت من الدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية ويتكون من : الدول الوصية على المستعمرات الخاضعة لنظام الوصاية، والدول الدائمة في مجلس الأمن التي لا تدير أقاليم مشمولة لنظام الوصاية، وعدد  من الدول الأخرى تنتخبهم الجمعية العامة بحيث تراعى دائماً أن يكون هناك توازن عددي بين الدول الوصية والدول الأخرى.

ويختص المجلس بفحص التقارير التي تلتزم الدول الوصية بإعدادها عن تطورات الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية في المستعمرات المشمولة بالوصاية وفحص ما يرد من شكاوي خاصة بهذه الأمور وتنظيم زيارات دورية لها وتشكيل لجان تحقيق الخخ..

ولم يعد لهذا المجلس وجود حقيقي بعد حصول كافة المستعمرات أو الأقاليم التي خضعت لنظام الوصاية على استقلالها.

5 – الأمانة العامة:

هي الجهاز الإداري والفني للأمم المتحدة وتقوم بعمل السكرتارية لكافة الأجهزة أو الفروع السابق ذكرها وتتولى إعداد ما يطلب منها من دراسات وجمع بيانات أو معلومات، كما تتولى إعداد البرنامج والميزانية الذي تقره الجمعية العامة بعد مناقشة وتعديله.

وتتكون الأمانة العامة من:

أ- السكرتير العام للأمم المتحدة: ويرأس جهاز الأمانة العامة، وهو المسؤول عن أعمال هذا الجهاز ككل أمام الجمعية العامة. ويتم اختياره من بين مرشحي الدول الأعضاء بواسطة مجلس الأمن أولاً، ثم تصدق الجمعية العامة على هذا الاختيار أو ترفضه، ويختص السكرتير العام بتعيين موظفي الأمانة العامة والإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم، وبالإضافة إلى اختصاصاته الإدارية أسند ميثاق الأمم المتحدة إلى السكرتير العام بعض الوظائف السياسية وأهمها صلاحيته في تنبيه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها تهدد السلم والأمن الدوليين كما يقوم بتنفيذ ما يوكله اليوم مجلس الأمن من مهام سياسية كالوساطة أو الإشراف على تطبيق قرار صدر بخصوص نزاع معين..الخ.

ب- جهاز الأمانة العامة: ويتكون من بقية الموظفين الإداريين الفنيين ويقوم السكرتير العام بتعيينهم وفقاً لمعايير الكفاءة مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل، ويتمتع أعضاء الأمانة العامة بالحصانات والإمتيازات التي تكفل قيامهم بوظائفهم الدولية على الوجه الأكمل وذلك وفقاً للاتفاقية الخاصة بمزايا وحصانات الأمم المتحدة التي أقرتها الجمعية العامة في 13 فبراير/ شباط 1946 وصدقت عليها الدول الأعضاء. ويوجد المقر الرئيسي للأمانة العامة بنيويورك.

6- محكمة العدل الدولية: وتتكون من خمسة عشر قاضياً يختارهم لمدة تسع سنوات، كل من مجلس الأمن والجمعية العامة من بين مرشحي الدول الأعضاء من القضاة وخبراء القانون الدولي، ويراعى عند اختيارهم ألا يكون من بينهم أكثر من قاضٍ واحد من رعايا دولة بعينها وأن يعكس تشكيل المحكمة أهم الحضارات والنظم القانونية الرئيسية في العالم.

ويتمتع هؤلاء القضاة بكافة الحصانات والمزايا التي تمكنهم من تأدية رسالتهم في استقلال تام ولا يجوز عزلهم إلا لأسباب صحية أو عقلية وبقرار من المحكمة نفسها.

رُوعي في تشكيل الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة وفي توزيع الأعباء والاختصاصات والسلطات بين فروعها أن يستجيب إلى نوعين من الاعتبارات:

الأول: اعتبارات التوازن السياسي بين الجمعية العامة من ناحية ومجلس الأمن من ناحية أُخرى انطلاقاً من فكرة أن الفرع العام الذي تشارك فيه كافة الدول الأعضاء، يجب أن يتمتع بصلاحيات عامة وواسعة وأن الفرع الذي يضم الدول الكبرى التي خولها الميثاق مسؤوليات خاصة في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين يجب أن يتمتع بسلطات أقوى في نطاق الصلاحيات المخولة له وأن يتقاسم في الوقت نفسه مع الفرع العام بعض الاختصاصات المهمة المتعلقة بكيان المنظمة ككل.

الثاني: اعتبارات التقسيم الوظيفي للعمل، فمجلس الأمن هو الجهاز المختص بالمحافظة على السلم والأمن الدوليين، ومجلس الوصاية هو الجهاز المختص بالإشراف على إدارة المستعمرات المشمولة بنظام الوصايا، والمجلس الاقتصادي والإجتماعي هو الجهاز المختص بتنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية لمنظومة الأمم المتحدة، والأمانة العامة هي الجهاز الإداري للمنظمة، ومحكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي والإفتائي. أما الجمعية العامة فهي الجهاز الذي يشرف ويراقب على هذه الأجهزة جميعاً.

وبالإضافة إلى الأجهزة والفروع الرئيسية الخمس للأمم المتحدة حول الميثاق للجمعية العامة وحدها حق تشكيل ما تراه من أجهزة وفروع ثانوية لمواجهة ومواكبة الاحتياجات والتطورات الدولية.

وقد توسعت الجمعية العامة في استخدام هذا الحق وخلقت العديد من هذه الأجهزة بحيث أصبح الهيكل التنظيمي المعاصر للأمم المتحدة شديد التعقيد.

 

المصادر والمراجع:

ميثاق الأمم المتحدة

أ.د حسن نافعة، مبادئ علم السياسة، جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية.

محمد عزيز شكري، التنظيم الدولي العالمي بين النظرية والواقع، دار الفكر، دمشق، 1973.

د. إيمان أحمد علام، التنظيم الدولي العالمي، كلية الحقوق جامعة بنها.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment