لا تُوجَدْ مَهَمَّة أكثر إلحاحاً منذ مطلع فجر الألفية الجديدة من إنتاج معرفة متعمقة بالاقتصاد السياسي للرأسمالية، معرفة ليس فقط بالتطور الرأسمالي في الوضع الراهن، بل أيضاً بماضي الرأسمالية ومسارها الممكن في المستقبل. فلكل مجتمع طريقته الخاصة في تنظيم حياته المادية التي تسمح له بتكوين نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي يحدد علاقاته بين بعضه البعض، وعلاقاته مع السلطة.

هذا هو الأمر بالنسبة للرأسمالية التي حلَّت محل الإقطاعية كنظام اقتصادي ونمط إنتاج في بعض أنحاء أوربا الغربية بين عامي 1800 – 1400، فمع قيام الثورة الصناعية، حدث انقلاب هائل في نمط ووسائل الإنتاج التقليدي وفرضت الرأسمالية تقسيماً جديداً للعمل يختلف بشكل كامل عن التقسيمات التي كانت سائدة في ظل المجتمعات الزراعية الإقطاعية.

اعتمدت هذه التقسيمات على مبادئ أساسية أهمها: الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، المبادرة الفردية، الـمـنـافسـة الـحـرة، تـقـسـيـم الـعـمـل، تخصيص الموارد عبر آلية السوق دون الحاجة إلى تدخل مركزي من الدولة.

كما ركزت الرأسمالية على تقسيم المجتمع إلى طبقتين أساسيتين: طبقة مالكي وسائل الإنتاج من أصحاب الأراضي، المصانع… سواء كانوا أفراد أو شركات أو مؤسسات، وطبقة البروليتاريا المجبرة على بيع قوة عملها لأن ليس لأفرادها وسائل الإنتاج ولا رأس المال الذي يتيح لهم العمل لحسابهم الخاص.

تعريف الرأسمالية:

في الواقع لا يوجد لحد الآن اتفاق حول مدلول مصطلح “الرأسمالية”، حيث نجد هناك تفسيرات مختلفة لها، ولعل أبرز هذه التفسيرات هو ما قدمه كل من ويرنر سومبيرت Werner Sombert وكُتاب المادية التاريخية و تفسير كارل ماركس Karl Markx، حيث نجد ويرنر سومبيرت Werner Sombert  يلتمس ملامح الرأسمالية من خلال شمولية الظواهر الاقتصادية و المتمثلة في الروح، أي روح المشروع أو روح المغامرة أو روح البرجوازية التي خلقت النموذج الذي يحكم المجتمع في ظل توجيه فكر وسلوك الإنسان إلى إيجاد العلاقات الاقتصادية التي ميزت العالم الحديث، أما التفسير الثاني فيرى أن للرأسمالية وجود حيثما وقع انفصال بين الإنتاج و تجارة التجزئة في المكان والزمان، بتدخل تاجر الجملة الذي يشترى السلع بغرض بيعها إذ رأى أنه يستطيع تحقيق ربح من وراء ذلك، و نلاحظ ذلك من خلال التعريف الذي قدمه نوسبام Nussbaum للنظام الرأسمالي على أنه: ” نظام للتبادل الاقتصادي…الهدف الأساسي منه هو تحقيق الربح بلا حدود”.أما كارل ماركس Karl Markx فيُفسر الرأسمالية على أنها أسلوب معين للإنتاج “الذاتي”.

بناءً على التفسيرات الفلسفية المقدمة للرأسمالية يُعًّرف معجم يُعًّرف معجم الأعمال الرأسماليّة بأنها: من الأنظمة الاقتصاديّة العالميّة، والتي تعتمد على فكرة الملكيّة الخاصّة لكافة العناصر الإنتاجيّة، مما يساهم في تحقيق الأرباح الماليّة.

 كما تُعرَّف الرأسماليّة أيضاً بأنها النظام الاقتصاديّ والسياسيّ الذي يتحكم في كافة مكونات اقتصاد دولة ما، والذي يساهم في توفير أدوات التحكم المناسبة في الأسواق التجاريّة المتنوعة.

فيما عرَّفت الموسوعة البريطانية الرأسمالية بأنها النظام الاقتصادي المهيمنة في العالم الغربي منذ تفكك الإقطاع، الذي يعتمد معظم وسائل الإنتاج مملوكة ملكية خاصة ويتم توجيه الإنتاج وتوزيع الدخل إلى حد كبير من خلال تشغيل الأسواق.

ومن التعريفات الأخرى للرأسماليّة: هي البيئة الاقتصاديّة التي تعتمد على استثمار الملكيّة الخاصة، لوسائل الإنتاج، وتبادل الثروات، وتوزيعها على المالكين من الأفراد، والمؤسسات، والدول.

الأصول الفكرية للنظرية الرأسمالية:

إن النظرية الرأسمالية تقوم في المجمل على فكرتين رئيسيتين: أولهما أن الحياة الاقتصادية تسير وفقاً لقوى طبيعية محددة، و بالتالي من الواجب استكشاف قوانينها العامة وقواعدها التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر الاقتصادية، وثانيهما هو أن تلك القوانين الطبيعية كفيلة بضمان السعادة البشرية إذ عملت في جو حر أُتيح للجميع التمتع بالحريات الرأسمالية.أي باختصار الفكرة الأولى وضعت الأساس العلمي للاقتصاد الرأسمالي والفكرة الثانية وضعة أساسه المذهبي.

حيث تعود الأصول الفكرية والنظرية للرأسمالية إلى المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية مع إسهامات كل من، آدم سميث A.Smith، ومالثوس Thomas Robert Malthus، وديفيد ريكاردو Ricardo و من أبرز أفكارها:

1 – الحرية الاقتصادية: فهي ترى أن الشؤون الاقتصادية شبيهة بمختلف الظواهر الطبيعية الموجودة في الكون والمحكومة بقوانين، ومن الضروري اكتشاف هذه القوانين والانسجام معها والأكثر من ذلك تركها تعمل ذاتياً دون تدخل يعيقها، فعملها الذاتي أي الفردي هو الكفيل بتحقيق أفضل النتائج.

2 – مبدأ اليد الخفية: وهي امتداد للحرية الفردية فمن خلال دعم النشاط الداخلي على حساب النشاط الخارجي فإن الفرد لا ينشد إلا أمنه الخاص، وأثناء توجيهه لهذا النشاط بكيفية يكون فيها لمنتوجه القيمة الأكبر  فهو في هذه الحالة مدفوع بيد خفية كي يقدم غاية لم تكن في نيته البته في خدمة المجتمع، وبالتالي فمن خلال خدمة مصلحته الخاصة فهو يدفع مصلحة المجتمع إلى الأمام.

3 – المحرك الأساسي للفرد: حيث يعتبر المحرك الأساسي للفرد هو الدافع الاقتصادي المعبر عنه بالرغبة الشخصية، و المنافسة التي تعد محرك للفعاليات الاقتصادية.

مراحل تطور النظرية الرأسمالية:

كانت الرأسمالية في بدايتها بعيدة عن الشكل أو المفهوم الذي عليه الآن. ولذلك فإن المفتاح لتحسين فهمنا للرأسمالية هو تحقيق المزيد من استجلاء الأشكال المحددة التي اتخذتها الرأسمالية في الأطوار المتعاقبة من وجودها. فالنظرية الرأسمالية تطورت عبر مراحل عدة نذكر أهمها:

  1. مرحلة الرأسمالية الـتجـاريـة.

  2. مرحلة الرأسمالية الصناعـيـة.

  3. مرحلة الرأسمالية ما بعد الصناعـيـة.

  4. مرحلة الرأسمالية الــمــالــيـة.

مرحلة الرأسمالية التجارية (المركنتيلية): 

وهي المرحلة التي تمتد من منتصف القرن السابع عشر وحتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والتي سيطر فيها رأس المال التجاري الأوروبي على أسواق العالم وظهر فيها ما يسمى بالدول القومية. فَوُجِدَتْ بذور هذا التحول في المجتمع الإقطاعي، ونمت هذه البذور من خلال أزمة تفكك الإقطاع، وقد شهدت هذه المرحلة نمو روابط الإنتاج في الزراعة والصناعة عن طريق عملية تغيير جذري يسيطر من خلالها رأس المال على الإنتاج. هذه العملية تحتوي تغيرات تمثلت في نمو التمييز الإجتماعي في داخل الفلاحين “المنتجين المباشرين في الريف” وفي داخل الحرفيين “المنتجين المباشرين في المدينة” على نحو يدفع إلى نمو طبقة جديدة من المنتجين المباشرين “أغنياء الفلاحين وأرباب الحرف” يرتبطون مباشرة بالسوق بشراء ما يلزمهم من منتجات اولية وبيع منتجاتهم، ويستخدمون الأفقر من الفلاحين والحرفيين كعمال أجراة، على نحو يمكنهم من الحصول على فائض يُستخدم على الأقل جزئياً لزيادة الإنتاج في الفترات القادمة للتراكم، ليُغَيِّر من طبيعة عملية الإنتاج ليصبح موجهاً للسوق. ومن ثم يكون المنتج قد بدأ يلعب دور التاجر كذلك فهو يرتبط مباشرة بالسوق وينتج له. إحتوت هذه العملية في نفس الوقت تركيز ملكية وسائل الإنتاج القائمة في الزراعة والصناعة في أيدي قِلَّةً من كبار الملاك على حساب صغار الفلاحين والحرفيين الذين ينفصلون عن هذه الوسائل، الأمر الذي بَلْوَرَ الإستقطاب الإجتماعي التدريجي ومَيَّزَ بين الطبقتين في المجتمع الرأسمالي: طبقة الرأسمالية “البرجوازية”، والطبقة العاملة “البروليتاريا”. وبذلك يكون رأس المال قد قطع شوطاً كبيراً في سيطرته على الإنتاج، وقد ساعدت العديد من العوامل والمؤثرات في تحقيق هذا التحول نذكر أهمها:

1. اتساع رقعة العالم: إن الاكتشافات وخاصة اكتشاف الطريق البحري نحو الهند عن  طريق منعطف رأس الرجاء الصالح واكتشاف أمريكا اللذين مهدا السبيل نحو تطور تيارات تجارية وانفتاح أسواق ومجالات أمام الشركات التجارية الأوربية أدى هذا إلى دخول مرحلة المبادلات التجارية الواسعة، مما مكّنَ الدول الأوربية على البلدان الإفريقية والأسيوية والأمريكية فاستعمرت البرتغال عدة مناطق في شواطئ إفريقيا والهند، كما استولت اسبانيا على العالم الجديد، واستولت هولندا على جزر جاوا وماليزيا، وعملت بريطانيا على الاستيلاء على كلاً من المستعمرات الفرنسية والبرتغالية في أمريكا و المستعمرات الهولندية بآسيا .

2. الثورة النقدية: كانت نتيجة تدفق الذهب الذي اكتُشف في أمريكا والمكسيك والبيرو طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر، فاستطاعت الرأسمالية التجارية بشركاتها العملاقة من خلال ما كونته من إمبراطوريات واسعة، أن تكدس أرباحا ضخمة عن طريق العمل على ترسيخ نمط الإنتاج الكولونيالي الذي أرسى دعائمه المستوطنون البيض في فترة الكشوف الجغرافية؛ مما أثر في ارتفاع كبير في الأسعار واغتناء الطبقة البرجوازية الصاعدة والذي مَكَّنَ من تمويل عدة مشاريع تجارية وصناعية أدى هذا السيل التضخمي في الوقت الذي كانت للحياة الاقتصادية في العالم العربي شرقه وغربه تتسم بتزايد الانكماش بعد ان نضبت مصادر الذهب الإفريقي وتوقفت مسيرة القوافل التجارية .

3. ميلاد الأمم والدول العصرية: ان التحولات الكبرى التي عرفتها أوربا في القرن السادس عشر أدى إلى ميلاد الأمم بالمفهوم العصري من خلال شعورها بوحدتها وكيانها وبالتضامن الذي يجمع سكانها وأقاليمها وظهور الأمة في وقت تدعم فيه الملكية والسلطة المركزية التي أسكتت تحديات الإقطاعيين المحليين واعتمدت على الطبقة البرجوازية الحديثة العهد بالوجود ومن هنا أصبح الملك يجسد المصلحة العامة وظهرت قوته الاقتصادية في توحيد النقود وبرفع الضرائب وإنشاء المشاريع الفلاحية والصناعية والتجارية وكذا قيامه بالحروب الخارجية والبحث عن أسواق ومستعمرات، فميلاد الأمة يعتبر من الناحية الاقتصادية حدثاً كبيراً لأنه اخرج الأقاليم من عزلتها وأزال الحدود؛ فأدى ذلك إلى اتساع رقعة الأسواق الوطنية والانفتاح الاجتماعي في حين أن دول العالم العربي لم تعرف هذه الظاهرة الشيء الذي حرمها من التنمية وبقائها خاضعة للبنية القبلية القروية والعصبيات الضيقة.

4. تراكم الأموال في يد التجار الكبار الصيارفة: هذه الظاهرة لم تكن معروفة من قبل؛ إذ كان المنتج يعيش في إطار ضيق وكان السيد الإقطاعي أو المؤسسات الدينية الذي استطاع أن يملك بعض الثروة التي استعملت في بناء القصور والكنائس فلما كثرت الأرباح في يد التجار واتسع نشاطهم اقبلوا على جمع الأموال واستعمالها في الاستثمارات وإنشاء المشاريع وصناعة السفن وتأسيس الشركات .

5. الثورة الفكرية وتغير الذهنيات: انطلاقا من الثورة الدينية التي دشنها مارتن لوثر Martin Luther عام 1517 ودعمها جون كلفان John Calvin والتي تمثلت في التيار المسيحي البروتستانتي تاركة اثر كبير على تغير الذهنيات بأوربا وعلى ميلاد الفكر الاقتصادي المعاصر حيث أن التفكير السائد في أوربا استسلامياً لا يسعى عن البحث عن جمع الأرباح بقدر ما يسعى إلى نوع من الاكتفائية لأن سعادته الحقيقة لا موضع لها في العالم الدنيوي فجاء التيار البروتستانتي ليعبر هذا التفكير وجعل من الثروة والأرباح علامة الرضا واللطف الإلهي، وجعل العمل مقدساً من الناحية الدينية ولقد كانت لرسالة جون كلفان John Calvin  سنة 1536 – التي أقرت حق الإثراء وحللت من الوجهة الدينية معدل الفائدة  واستعمال رأس المال وقرضه – ذو أثر على الاقتصاد من ناحية تمويل المشاريع التجارية والصناعية.

مرحلة الرأسمالية الصناعية:

وهي المحطة الثانية لتطور الرأسمالية، بدأت مع ظهور رأس المال الصناعي، وتحققت خلال الفترة الممتدة بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر، نتيجة للثورة الصناعية التي بدأت في إنجلترا – حيث اكتشفت تقنيات جديدة للإنتاج (كالمحرك البخاري وآلة الغزل)  – لتنتشرت هذه التقنيات فيما بعد في العديد من الدول الأوربية وأمريكا واليابان في فترات متفاوتة؛ فانجلترا جمعت كل الخصائص الأساسية التي تبعت هاته الفترة التاريخية التي تعلقت بمعطيات اقتصادية وديمغرافية واجتماعية وفكرية علماً أن عوامل الثورة الصناعية معقدة ومتداخلة لحد أن مؤرخي الحياة الاقتصادية اختلفوا في تحديد الأسباب الأساسية للتغيرات التي طرأت على الواقع الاقتصادي بمناسبة هذه الثورة، إلا أن مما شك فيه أن الاختراعات التقنية مَكَّنَتْ من استعمال وسائل تقنية جديدة زادت إنتاجية العمل بدخول الآلة ميدان الإنتاج وتعويض العنصر البشري، إلا أن النمو الهائل في المنتجات الصناعية  نتيجة ثورة الماكينات سرعان ما أدى إلى ظهور الحاجة للبحث عن منافذ إضافية لهذه المنتجات خارج الحدود القومية للرأسمالية الصناعية المحلية.

مرحلة الرأسمالية ما بعد الصناعية:

 وفي هذه المرحلة لم تتخل الرأسمالية عن التجارة أو الصناعة أو المال، بل تجاوزت ذلك كله إلى مرحلة أرقى من تطوير قوى الإنتاج استناداً إلى العلم والتقنية، فيما صار يعرف باسم (الثورة الصناعية الثالثة) أو (الثورة العلمية والتقنية في خدمة المشروعات). وانعكست آثار هذه الثورة على كل بقاع العالم؛ كتبعية وعبئأً على العالم الثالث، وثروةً وسلطةً على دول المراكز الرأسمالية.

وكنظام اقتصادي – اجتماعي، فقد تطورت الرأسمالية في مرحلتين:

المرحلة الأولى: الرأسمالية ما قبل الاحتكارية أو رأسمالية المنافسة حيث كانت تغلب على النشاط الرأسمالي حرية الممارسة والمنافسة التامة بين المشروعات والأنشطة وقد جاءت المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) لتؤكد على ضرورة إزالة كل الحواجز والعراقيل من أمام التطور العفوي للرأسمالية. في هذه المرحلة التي استمرت طوال القرن التاسع عشر هيمنت بريطانيا على الاقتصاد العالمي.

المرحلة الثانية: الرأسمالية الاحتكارية ففي أواخر القرن التاسع عشر، بدأت تظهر الاحتكارات الضخمة والشركات متعددة الجنسية (ولاسيما الاحتكارات النفطية والكهربائية والمعدنية في الولايات المتحدة). وتمثل هذه المرحلة مرحلة النظام الدولي الحديث الذي استقر بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يعكس مصالح الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، التي بدأت قوتها المتفوقة تتضح آنذاك. ومع ظهور رأس المال المالي دخلت الرأسمالية مرحلة الإمبريالية، في ظل تلاحم مصالح الاحتكارات والطغمة مع سلطة الدولة.

مرحلة الرأسمالية المالية:

بدأت هذه المرحلة مع دخول الرأسمالية مرحلة الاحتكار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث زادت درجة تركز الإنتاج ورأس المال، وأخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة تزيح من أمامها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة، وبرزت قوة رأس المال المالي، وهو رأسمال يستخدم في الصناعة بصورة أساسية، وتسيطر عليه البنوك والشركات الصناعية لاعبةَ الدور التسييري للحياة الاقتصادية باعتبارها الممول الأساسي للمؤسسات الكبرى التي اضطرت لاستعمال القروض البنكية ولإصدار الأسهم حتى تتمكن من جمع الموارد المالية استجابة  لمتطلبات النمو.

يعود الفضل في بروز تعبير الرأسمالية المالية إلى رودلف هيلفردنج Rudolf Hilferding، وذلك في دراسته لعام (1910) الخاصة بالروابط بين صناديق الائتمان الألمانية والمصارف والسياسات الاحتكارية قبل الحرب العالمية الأولى وقد استخلص لينين من هذه الدراسة في تحليله للعلاقات الإمبريالية بين القوى العالمية الكبرى أثناء الحرب. واستنتج لينين Vladimir Lenin من البنوك في ذلك الوقت أنها “المراكز العصبية الكبرى للنظام الرأسمالي الكلي للاقتصاد الوطني”.

ومن هذا المنظور الماركسي، ينظر للرأسمالية المالية باعتبارها الثمرة الجدلية للرأسمالية الصناعية وجزءاً من العملية التي تنتهي بها المرحلة الرأسمالية كاملة من التاريخ. وبطريقة مماثلة لآراء ثورستين فيبلين Thorstein Veblen، تتناقض الرأسمالية المالية مع الرأسمالية الصناعية، والتي تحقق أرباحاً من تصنيع السلع.

فعند هذه المرحلة تحتدم مشكلة فائض رأس المال داخل البلاد الرأسمالية الصناعية، وتنشأ الحاجة الموضوعية لتصديره. والفائض هنا نسبي وليس مطلقاً، بمعنى أنه لا يعني بأي حال من الأحوال، أن هذه البلاد أصبحت تعج بوفرة كبيرة من رؤوس الأموال، ومن ثم لا تحتاج لاستثمارها بالداخل في الصناعة والزراعة والخدمات، وإنما الفائض يعني هنا، أنه إذا استثمر في الداخل، فإنه سيؤدي إلى تدهور معدل الربح. وهنا يسعى الرأسماليون للبحث عن مجالات خارجية للاستثمار يكون فيها متوسط معدل الربح أعلى من نظيره في الداخل.

لذا لجأت بعض القطاعات لتلعب دوراً مهماً في توليد الطاقات الاقتصادية وتصعيد إمكانيات النمو بغية تحقيق معدل الربح أعلى؛ فبعد أن كانت صناعة النسيج وصناعة التعدين تشكلان القطاع المحرك  للنشاط الاقتصادي، انتقل هذا الدور بعد 1850 إلى السكك الحديدية التي كانت سبباً في اتساع الأسواق الداخلية سواء في الدول الأوربية أو الولايات المتحدة، ثم إلى صناعات حديثة مثل السيارات والميكانيكية والكيماوية حيث إنها أصبحت المقياس الأول للتطور الاقتصادي ثم وقع تغير كيفي فيما يتعلق بالطاقة واستعمالها بعد بناء السدود وطاقة البترول التي انتشرت بسرعة على حساب طاقة الفحم التي كانت أساس النهضة في انجلترا.

واكب هذا التطور في تصدير رأس المال مكاسب الدول غربية من الحربين العالميتين لتغلغل الشركات الكبرى التي أصبحت تستغل مشاريع المواد الأولية التي توجهها إلى  صناعات الدول الامبريالية

في النهاية يمكن القول أن آراء بعض المفكرين الاشتراكيين ساهمت في إلقاء الضوء على بعض خصائص النظام الرأسمالي وما ينجم عنها من مشكلات اجتماعية، فعلى سبيل المثال فقد اسهم جان دي سيسموندي Jean Charles Léonard de Sismondi في توضيح كيف أن النظام الرأسمالي يؤدي إلى ظهور طبقتين منفصلتين تزداد الهوة بينهما على الدوام وهما الطبقة الرأسمالية، التي تزداد غنى وتتركز الثروة في يدها، والطبقة العاملة التي تزداد فقراً وبؤساً وفي تشخيص أزمة النظام الرأسمالي الناجمة في رأيه عن عدم قدرته على تشغيل كل الطاقات الإنتاجية وتحقيق التوظيف الكامل، وانخفاض الاستهلاك بسبب انخفاض الأجور والميل نحو الاحتكار. كذلك يُلاحظ أن سان سيمون Saint Simon طالب بإحلال الجماعية محل الفردية في إدارة الدولة بواسطة رجال الإنتاج والصناعة، وذهب أتباعه إلى حد المطالبة بإلغاء الملكية الخاصة وسيطرة الدولة على كافة وسائل الإنتاج كي تتمكن من توزيع الإنتاج بما يحقق مصلحة المجتمع ككل، إلا أن الرأسمالية إتخذت مبرراتها في تبرير فكرها فمفهوم الحرية الشخصية الذي هيمن على الفكر الحديث اعتمد على ثلاث أسس رئيسية وهي:

  1. الاعتقاد بقوة العقل البشري و بالمنطق فالإنسان لا يمكن أن يخضع إلا لمعطيات علمية ولقد كان ديكارت René Descartes الفيلسوف الفرنسي أول من وضع أسس هذا المنهج العقلاني الذي سيطر على المجتمع المتقدم.

  2. الاعتقاد الراسخ في طيبوبة الإنسان العفوية من خلال تشبثه بالتفاؤل وعدم الرضوخ للواقع او الانسياق لتخمينات تشاؤمية.

  3. تقديس الفرد واعتباره محور الحياة الاجتماعية وتحريره من كل القيود حيث نجد أن الفلاسفة الفرنسيون روسو وفولتير وتشيسكو من المع رجال الفكر الذين عبروا عن هذه الاديولوجية التي عرفت التطبيق بالعنف في فرنسا بعد اندلاع الثورة سنة 1789 في حين تصاعد شيوعها بطريقة أكثر شمولا واقل حدة في  المجتمع البريطاني .

ولعل قابلية الرأسمالية على الصمود أمام الأزمات التي عصفت بها، كانت من قابليتها على التكيف مع التحولات التي تحدث في المجتمع. الأمر الذي حال دون وقوع ما تنبأ به كارل ماركس Karl Marx من سقوط مُدَوٍّ للرأسمالية، حيث اعتبر انهيار النظام الرأسمالي وتحول البشرية إلى الاشتراكية حتمية تاريخية، بسبب التناقضات التي تحملها الرأسمالية في أحشائها. كما يعتبر عامل قدرة الدول على التدخل في الاقتصاد عبر وضع وتنفيذ سياسات تصحيحية، عامل مؤثر آخر في صمود الرأسمالية بوجه العواصف التي عصفت بها، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث تبنت الدول سياسات اقتصادية كينزية ساهمت في النمو الكبير الذي عرفه الاقتصاد الغربي خلال ما عرف بالثلاثين سنة المجيدة.

المصادر والمراجع:

د. محمد دويدار، مبادئ الإقتصاد السياسي، الجزء الأول، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية.

مساهل ساسية، “المراجعات الفكرية للنظريات الاقتصادية الرأسمالية في ظل الأزمات الاقتصادية”، مداخلة مقدمة ضمن فعاليات الملتقى الدولي حول “الأزمة المالية و الاقتصادية و الحوكمة العالمية”( جامعة سطيف: كلية العلوم الاقتصادية و التسيير، يومي 20/21 أكتوبر 2009)

غازي الصوراني، مقال منشور على موقع الحوار المتمدن بعنوان: مراحل التطور الرأسمالية ودور القوى الماركسية في الخروج من الأزمة الراهنة، نشر بتاريخ 25/11/2011

معجم الاعمال.

قاموس اوكسفورد.

 الموسوعة البريطانية، britanica

ويكيبيديا النسخة الإنجليزية، الرأسمالية المالية

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

 

اقتراب الج...

يُعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي ركَّزت الاه...

اقتراب تحل...

شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالم...

مفهوم المو...

يعتبر مفهوم المواطنة فكرة اجتماعيّة وقانونيّة وسياسيّة ساهمت...

Leave a Comment