على الرغم من أن مصطلح التكنوقراط استُخدم في العديد من المناسبات إلا أن الفضل يعود بإحياء هذا المصطلح إلى المهندس الأمريكي هنري سميث – Henry Smyth وذلك في عام 1919م عندما استخدم مصطلح التكنوقراط – Technocracy في مقاله الطرق والوسائل لكسب الديمقراطية الصناعية – The Ways and Means to Gain Industrial Democracy الذي نُشر في مجلة الإدارة الصناعية – journal of Industrial Management. مُشيراً إلى أنَّ الديمقراطية الصناعية يمكن أن تُطبق عن طريق إدماج العُمال في صنع القرار من خلال الشركات القائمة.

تعريف الحكومة التكنوقراطية:

تُعتبر كلمة “التكنوقراط – Technocracy” ذا أصلٍ يوناني، مُكوَّنة من كلمتين، وهما: تكنو- τέχνη وتعني الفن، وقراطوس – κράτος وتعني الحُكم، وبالتالي يكون معنى الكلمة الحُكم الفني؛ أي الذي يرتبط بمجموعة من الأشخاص المتخصصين في مجال ما، مثل: الاقتصاديين، والأطباء، والأدباء، وغيرهم، عن طريق تأسيس حكومات يكون وزرائُها من المُختصين؛ فتسمى حكومة تكنوقراطية أو حكومة الكفاءات.

ويُعرِّف البعض التكنوقراطية بأنها: مذهب سياسي يمنح أهل العلم والاختصاص “التكنوقراطيين” نفوذاً سائداً على حساب الحياة السياسية نفسها.

كما تُعرَّف التكنوقراط أيضاً بأنها: حكم الخبراء غير المنتخبين، أو الأكاديميين اللامعين، الذين يفترض بهم وضع مصلحة البلاد فوق مصلحة أيٍّ من الجهات السياسية أو المناطقية أو العرقية.

وبذلك يمكن القول أنَّ الحكومة التكنوقراطية هي: شكل من أشكال الحكومات حيث يتم اختيار صانعي القرار لسُدَّة الحكم استناداً إلى خبرتهم التقنية وخلفيتهم. وبذلك تكون الحكومة التكنوقراطية مختلفة عن الحكومة الديمقراطية التقليدية في اختيار الأفراد المنتخبين لدور قيادي من خلال عملية تؤكد على مهاراتهم ذات الصلة وأداءهم المثبت، في مقابل ما إذا كانوا يملكون مصالح الأغلبية للسكان أم لا. وتستند القرارات التي يتخذها التكنوقراطيون إلى معلومات مستمدة من المنهجية العلمية بدلاً من الرأي العام.

حركة التكنوقراطيين وظهور فكرة الحكومة التكنوقراطية:

لأنَّ رجال السياسة في ذالك الوقت كانوا لا يُعنَون كثيراً بأمور البحث في الظواهر والتقنيات والإقتصاديات؛ ظهرت بعض الحركات الداعية لتصحيح الوضع، والخروج من الأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي كانت تعصف بالدول، وما مرت به كبرى الدول من فقر وبطالة وكساد في التجارة والصناعة، خاصة قبيل الحرب العالمية الثانية، واستطاع هاورد سكوت – Howard Scott أن يُكسب مفهوم التكنوقراطية قوة شعبية تحولت إلى تيار سياسي أميركي سُمِّيَ حركة التكنوقراطيين أو حركة الفنييّن Technocracy movement عام 1932 في الولايات المتحدة الأمريكية ضمَّت العديد من المهندسين، والصناعيين والمعماريين والإقتصاديين المشتغلين بالعلوم، الذين قاموا بدراسة الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والزراعية والصناعية، ودراسة الظواهر مختلفة الناشئة في المجتمعات؛ بغية إستخلاص القوانين التي تُستخدم في الحكم على هذه الظواهر وإيجاد الحلول لقياس الظواهر الاجتماعية، واستنباط القوانين منها بما يصلح للحكم على هذه الظواهر، فوضعوا أساسات للنظرية التكنوقراطية، معتمدين على دور الاقتصاديين في إبداء آرائهم حول أسلوب الحُكم في أمريكا. وطبقاً لما جاءوا به، فإنَّه يجب إلغاء دور المال في تحديد نهج الدولة؛ الأمر الذي يجعل من البلدان والمجتمعات بلداناً مستهلكة، والإستعاضة عنه بالاهتمام بالتطور المستدام النابع من قاعدة الموارد المتوفرة، بدلاً من الاهتمام بالربحية النقدية، وذلك لضمان استمرارية تشغيل جميع القطاعات المجتمعية والصناعية إلى أجل غير محدد، ودون الرجوع إلى الانتخابات الديمقراطية التي يبرز من خلالها أفراداً لايملكون المعرفة أو المهارة المطلوبة لممارسة الحكم.

وقد ترجموا أفكارهم بإقتراح استبدال المال بشهادات الطاقة، كما رأوا بضرورة تسليم المهندسين غير السياسيين والعقلانيين السلطة لتوجيه الاقتصاد ليصبح إقتصاداً متوازناً من حيث الإنتاج والاستهلاك، فالدولة من وجهة نظر التكنوقراطيين باتت تحتاج لحكومة علمية تقنية، تعمل على البدء بدراسة أوضاع الدولة الاقتصادية والصناعية والزراعية، وإيجاد حلول سريعة وعلمية لمشاكلاتها والأزمات التي تعصف بها.

أصبحت حركة التكنوقراطية حركة شعبية في الولايات المتحدة خلال فترة الكساد الكبيرعندما بدأ الناس يعتقدون بأن المتخصصين و التقنيين، مثل المهندسين و العلماء، لديهم فِهم أفضل من السياسيين، في التعقيد الموجود في الاقتصاد، إلا أنَّ بحلول منتصف الثلاثينيات أخذ الإهتمام بأفكار حركة التكنوقراط بالانخفاض. وعزا بعض المؤرخين تراجع حركة التكنوقراطية بسبب البرنامج الإنتخابي للرئيس روزفلت – Franklin Delano Roosevelt الذي وعد به بمحاربة الكساد ومنح مساعدات عاجلة للعاطلين عن العمل.

في النهاية يمكن القول لعلَّ التكنوقراطي السياسي لا يملك الدهاء السياسي أو الكاريزما التي يتوقعها الناس عادة للتأثير على الرأي العام لصالح انتخابه إلى منصب حكومي،إلا أنَّه مع كم التغييرات التي تطرأ على الأصعدة السياسية والمشاكل التي تواجه حكومات الدول في بعض الأحيان من بطالة وتفشي الفساد وأزمات مالية خانقة وغياب الثقة بالحكومة، تظهر توجهات سياسية وفكرية جديدة في محاولة لحل المشاكل وضمان وحدة الدولة وإخراجها من الأزمات التي تمر بها. ولعلَّ مفهوم حكومة التكنوقراط من أهم المفاهيم المستحدثة بُغية خلق حكومة مختصة تنهض بالدولة من أزمات ضاقت بها، فكان استخدام مفهوم التكنوقراط – Technocracy للإشارة إلى تبني وتطبيق المنهج العلمي في حل المشاكل الاجتماعية المتعلقة برفاهية المواطنين، من خلال اختيار الأفراد الذين يمتازون بالمهارات التقنية والقيادية التخصُصية والأداء الحَسَنْ؛ لدراسة الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والزراعية والصناعية، بالإضافة إلى دراسة مجمل الظواهر المختلفة الناشئة في المجتمعات، بغية إستخلاص قوانين تستخدم في الحكم.

المصادر والمراجع:

Berndt, Ernst R. (1982). “From Technocracy To Net Energy Analysis: Engineers, Economists And Recurring Energy Theories Of Value”. Studies in Energy and the American Economy, Discussion Paper No. 11, Massachusetts Institute of Technology, Revised September 1982.

History and Purpose of Technocracy

Technocracy, investopedia

التكنوقراطية وحكومة التكنوقراط، دراسة موجزة صادرة عن مركز البيان للدراسات

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

اقتراب الج...

يُعتبر اقتراب الجماعة من الاقترابات الحديثة التي ركَّزت الاه...

اقتراب تحل...

شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالم...

مفهوم المو...

يعتبر مفهوم المواطنة فكرة اجتماعيّة وقانونيّة وسياسيّة ساهمت...

Leave a Comment