تميَّز الاقتصاد الهولندي بنوع من التوازن والإستقرار بين القطاعات الاقتصادية مثل الزراعة والصناعة وغيرها، حتى أن تمَّ اكتشاف كميات كبيرة من الغاز على ساحل بحر الشمال في أواخر خمسينيات القرن الماضي. الأمر الذي كان بمثابة نقطة تحول فاصلة في تاريخ الاقتصاد الهولندي. حيث تحول أثر ذلك إلى اقتصاد ريعي، يعتمد بصورة أساسية في تحقيق الإيرادات على عوامل تكون مساهمة المواطنين فيها محدودة؛ مثل النفط والسياحة وغيرها. ونتيجة لذلك وخلال 15 عاماً أصاب المجتمع الهولندي حالة من الثراء والبذخ الاستهلاكي، إضافة إلى تولد حالة من العزوف عن العمل في القطاعات الزراعية والصناعية، والاتجاه إلى العمل في الأعمال الإدارية والمشاريع الخدمية.

وقد ظهرت عدة تحليلات  لشرح  هذه الحالة نذكر أهمها:

دراسة جريجوري Gregory:

إنطلقت دراسة جريجوري – Gregory عام 1977 من فرضية أنَّ الإنتعاش الكبير في تصدير الموارد الطبيعية يؤدي إلى تراجع نسبي في القطاعات الاقتصادية الأُخرى، وخاصة قطاع المنتجات الصناعية، وفي دراسته هذه اهتم جريجوري – Gregory بالتركيز على التغيرات الهيكلية التي طرأت على الاقتصاد الأسترالي بعد التطور الكبير في قطاع المناجم. حيث وضع نموذج مُبَسَّطاً وَضَّحَ من خلاله تأثير الأسعار المحلية على عرض الصادرات والطلب على الواردات.

وكان خلاصة ما توصل إليه جريجوري – Gregory أنَّ اكتشافات الموارد الطبيعية في أيَّ دولة،  تؤدي إلى نمو الصادرات، الأمر الذي سيؤدي إلى فائض في ميزان المدفوعات، وينجم عن هذا الفائض إما ارتفاع في سعر الصرف الحقيقي للعملة المحلية نتيجة زيادة أسعار السلع خارج التبادل التجاري بالنسبة لأسعار السلع التبادل التجاري، أو إرتفاع في معدل التضخم المحلي.

كما أنَّ ارتفاع سعر الصرف سيؤثر سلباً على الصادرات والصناعات المحلية، بل وسيشجع الواردات التي يصبح سعرها أكثر انخفاضاً نتيجة غلاء العملة المحلية.

وقد وضع جريجوري – Gregory نموذج على أساس الفرضيات التالية:

  1. ثبات عوامل التبادل التجاري الدولي.

  2. وحدات الصادرات والواردات تم اختياراها على أساس أنَّ كل وحدة صادرات تبادل بوحدة واردات.

  3. النموذج يلغي حركة راس المال ويتمحور تحليله فقط على الميزان التجاري.

  4. الأسعار النسبية للواردات تتحدد في الأسواق الدولية دون أن يكون للاقتصاد الأسترالي تأثير عليها، وفي المقابل فأنَّ السلع خارج التبادل الدولي يتحدد سعرها في السوق المحلي بتقابل كل من الطلب والعرض المحلي  ويعتقد جريجوري – Gregory أنَّ هذه التغيرات الهيكلية التي تحدث في الاقتصاد يمكن أن تدفع في المدى القصير الحكومات بالتدخل سواء من خلال سياسة تخفيض العملة المحلية أو من خلال تقديم إعانات خاصة لقطاع السلع التبادل التجاري.

ويرى جريجوري – Gregory أنَّ الإعانات المالية لن يكون لها أثر بل من الممكن أن تزيد من حجم الفائض في الميزان التجاري، أمَّا سياسة تخفيض العملة ستؤثر سلباً على أرباح الصادرات التي تأتي من التصدير المحلي.

يستخلص الكاتب أنَّه لا يوجد أيَّ وسيلة لتجنب التراجع النسبي في السلع التبادل التجاري باستثناء الإستثمار الخارجي للمداخيل المتأتية من تصدير الموارد الطبيعية، وأنَّ الحماية الكاملة للاقتصاد تتطلب استثمار كافة المداخيل في الخارج مما يمنع الاقتصاد المحلي من الاستفادة من انتعاش قطاع الموارد الطبيعة.

النموذج الأساسي أثر حركة الموارد وأثر النفقات:

في دراسة قام بها كوردن – Corden عام 1984 واضعاً نموذجاً جديداً يشرح من خلاله ظاهرة متلازمة هولندا وقد اطلق على هذا النموذج اسم النموذج الأساسي، وينطلق هذا النموذج من فرضية وجود الاقتصاد صغير مفتوح يتكون من ثلاثة قطاعات:

  1. القطاع المنتعش: الذي يتمثل في قطاع الموارد الطبيعية (البترول، المناجم)

  2. القطاع المتأخر: يتمثل في القطاع المصدر لسلع يتم مبادلتها خارجياً من غير الموارد الطبيعية ويشمل قطاع الصناعات المحلية والقطاع الفلاحي.

  3. قطاع السلع الغير قابلة للتبادل التجاري: أي أنَّ إنتاجه ليس محل مبادلة خارجية، ويتمثل خاصة في قطاع الخدمات، البناء والنقل، أي الأشياء التي يصعب استيرادها وتصديرها، ويتحدد أسعارها محليا بتقابل العرض مع الطلب.

ويدرس هذا النموذج أثر التوسع في استغلال قطاع  الموارد الطبيعية على قطاعات الاقتصاد الأخرى، وقد توصل كوردن – Corden إلى أنَّ التوسع في القطاع المُصدر للموارد الطبيعية يُولد نتيجة صدمة خارجية ويُوَلِّدْ أثرين على الاقتصاد المعني، وهما: أثر النفقات، وأثر حركة الموارد.

أثر النفقات: هو الأثر الذي يحدث بسبب ارتفاع مداخيل الاقتصاد نتيجة إزدهار قطّاع الموارد الطبيعية، ويؤدي إلى إرتفاع سعر الصرف الحقيقي. وإذا تم إنفاق جزء من هذا الفائض – سواء مباشرة من طرف الحكومة أو من قبل المستفيدين الاخرين- ، وكانت مرونة الدخل بالنسبة للطلب على منتجات قطّاع الصناعات موجبة؛ فإن أسعار هذه المنتجات سوف ترتفع بالنسبة لأسعار التبادل التجاري وزيادة الطلب على الخدمات، وبالتالي سوف ترتفع الأسعار وتتحول الموارد من قطاع الموارد الطبيعية إلى قطاع الموارد الصناعية المستوردة.

أثر حركة الموارد: يؤدي انتعاش قطّاع الموارد الطبيعية إلى زيادة الإنتاجية الحَدَّية في العمل فيه، ويترتب عنه تحول اليد العاملة من قطّاع الخدمات والقطّاع الصناعي نحو قطاع الموارد الطبيعية ويؤدي هذا لتأثيرين:

  1. تحول اليد العاملة من القطاع  المتأخر إلى قطاع الموارد الأولية المزدهر، مما يجعل قطاع المنتجات الصناعية ينخفض، ويسمى هذا الأثر المباشر في تراجع القطاع الصناعي.

  2. تحول لليد العاملة  من قطاع الخدمات أي قطاع السلع الغير قابلة للتبادل الخارجي نحو القطاع المنتعش الموارد الطبيعية، ويؤدي ذلك إلى انخفاض إنتاج السلع الغير قابلة للتبادل التجاري الدولي وبالتالي خلق طلب أكثر على السلع الغير قابلة للتبادل التجاري.

وفي  الأخر فقد أشار كوردن – Corden إلى حالة خاصة تتميز بإنتعاش الموارد الطبيعية، وهي الحالة التي لا يستخدم فيها هذا القطاع عامل إنتاج متحرك في باقي الاقتصاد، وفي هذه الحالة فإن الأثر الوحيد هو أثر النفقات. كما يشير كوردن – Corden أيضاً إلى حالة هامة في ظاهرة إنتعاش الموارد الطبيعية في الحالة التي يشمل فيها التأخر الصناعي وهناك إلى جانبه القطاع الفلاحي المصدر للخارج، وفي هذه الوضع في المرض الاقتصادي الهولندي سوف يؤدي إلى تراجع القطاع الفلاحي أيضاً.

وعندما يتحقق في اقتصاد معين كل من الأثرين مجتمعين ينتج ما يلي:

  1. إرتفاع في سعر الصرف الحقيقي.

  2. إرتفاع مخرجات القطاعات الغير مصدرة.

  3. إنخفاض الإنتاج في القطاع الصناعي.

  4. إنخفاض صادرات القطاع الزراعي.

دور الأنظمة السياسية في خلق المرض الهولندي (متلازمة هولندا):

في عام 2003 قدم كلاً من ريكي لام – Rickey Lam و ليونارد وانتشيكون – Leonard Wantchekon مقالة بعنوان المرض السياسي الهولندي في محاولة فهم تأثير الأنظمة السياسية في القطاعات الاقتصادية وخاصة في قطاع انتعاش الموارد الطبيعية،  فوجد كُلاًّ من الباحثين أن الانتعاش في الموارد الطبيعية يؤدي إلى خلق فجوة كبيرة بين الشعب والزمرة الحاكمة، وسوف يؤدي إلى مضاعفة عدم المساواة في توزيع الدخل بسبب تأثيرين: الأول: بسبب رقابة الدولة المباشرة على الموارد الذي يسمح لها بالحصول على الريع الأكبر من الموارد أما الثاني: فسببه تراجع الأداء الاقتصادي بسبب أعراض المرض الاقتصادي الهولندي (متلازمة هولندا).

ويرى ريكي لام – Rickey Lam و ليونارد وانتشيكون – Leonard Wantchekon  أنَّ إنتعاش الموارد الطبيعية يؤدي إلى خلق أنظمة حكم مستبدة، تستغل السطلة في أخذ أكبر قدر ممكن من ريع الموارد الطبيعية، وهذه النتائج تظهر في الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وترجع أيضا إلى هيكلة اقتصادها.

ويدعم الاقتصادي ميشيل روس – Michael Ross فكرة التفسير السياسي لنقمة الموارد، الذي صنفه على ثلاث نظريات:

  1. النظرية الإدراكية: التي تُرَجِّح أن تؤدي التدفقات المفاجئة لعائدات الموارد إلى أُفق سياسي قصير الأجل بين الفاعلين السياسيين، وهذا ما يفسر فشل عدة حكومات في تنويع سياساتها واستقرار السياسات وضعف القطاع الخاص، الأمر الذي جعلها عرضة للمرض الهولندي.

  2. النظرية الاجتماعية: التي ترى أنَّ وفرة الموارد وإرتفاع عائداتها يقوي مجموعات المصالح الآنومية التي تسعى لعرقلة الإصلاحات الداعمة للإصلاح الاقتصادي مما يؤثر سلباً على النمو وعلى نوعية سياسة الدولة.

  3. مقاربة المؤسسات: التي ترى أن العائدات الكبيرة من الموارد تضعف مؤسسات الدولة، التي لها دور كبير في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة، لذا نجد أنَّ معظم الدول التي تمتلك الموارد تكون مؤسساتها ضعيفة وغير قادرة على التخطيط الاستراتيجي.

في النهاية يمكن القول أنَّ ﺃﻫﻡ ﻤﺎ ﻴﻤﻴﺯ ﺃﺴﻌﺎﺭ ﺍلنفط ﻫﻭ ﺘﻘﻠﺒﻬﺎ ﺍلدائم  ﻭﻋﺩﻡ ﺇﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﺍلتنبؤ ﺒأسعارها ﻓﻲ ﺍلمستقبل، ﻭﻓـﻲ ﻤﻌﻅـﻡ ﺍﻷﺤﻴﺎﻥ ﻴﺭﺠﻊ ﺍلطابع ﺍلدوري للنشاط  ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺒﻨﺴﺒﺔ ﻜﺒﻴﺭﺓ لتقلبات ﺃﺴﻌﺎﺭ ﺍلنفط، كما أنَّ تقلب أسعار النفط تجعل من العملية الاقتصادية عملية صعبة ومعقدة وخاصة في الحالة التي لا يمكن التنبؤ بتغيراتها الدورية.

ويتجلى تاثير هذه التقلبات في مداخيل النفط على الاقتصاد، في العلاقة الموجبة بين المداخيل المحصلة والنفقات العامة. وبالتالي فإن تقلبات المداخيل سيرافقها تقلبات في مجمعات الإنفاق العام والخاص والذي سوف يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف الحقيقي، والتي بدورها تؤدي إلى عدم استقرار ربحية قطاع السلع القابلة للتبادل التجاري الخارجي، مما يثبط الاستثمار في هذا القطاع.

أمَّا التقلبات في أسعار البترول فتحكمها مجموعة معقدة من العوامل منها ما هو مرتبط بالعرض والطلب، ومنها ما يعود إلى عوامل سياسية وأمنية وعدم استقرار، وعمليات المضاربة، بالإضافة إلى تقلبات سعر صرف الدولار.

فعدم الاستقرار والتذبذب في عائدات الموارد الطبيعية ينتج عنه تقلب في سياسة الإنفاق العام أو ما يسمى بدورية السياسة المالية، حيث تكون سياسة إنفاق الدولة توسعية عندما تكون عائدات الموارد كبيرة، وتكون سياسة الإنفاق الدولة إنكماشية عندما تكون عائدات الموارد قليلة. ويترتب على ذلك تقلبات اقتصادية، وانحصار الاستثمار في رأس المال المادي والبشري وإنخفاض في النمو الاقتصادي،نتيجة اعتماد الدولة المباشر على تصدير الموارد الطبيعية بكميات كبيرة.

 

المصادر والمراجع:

د. شكوري سيدي محمد, وفرة الموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي, بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية, جامعة ابي بكر بلقايد, كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية, 2012.

احمد مصبح, مقال بعنوان المرض الهولندي وتحديات تنوع الاقتصاد في العالم العربي منشور على موقع مدونات الجزيرة.

المساهمون في إعداد هذا المقال
اﻹعداد العلمي:
التدقيق اللغوي:
تعديل الصورة:

الكليبتوقر...

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العال...

 النظام ال...

شهدت فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين محاولات حثيثة لتطو...

مفهوم السو...

تتسم العلاقات الاقتصادية الدولية في وقتنا الحالي بالترابط وا...

Leave a Comment