حساب جديد

الأمن السيبراني - Cyber Security

لقد أدت نهاية الحرب الباردة إلى بروز العديد من التحديات والتهديدات التي لم يشهدها المجتمع الدولي من قبل، والتي تُعرف بالتهديدات اللاتماثلية أو اللاتناظرية العابرة للحدود التي لا تعترف لا بالحدود أو السيادة الوطنية أو فكرة الدولة القومية، الأمر الذي أدى إلى حدوث تحولات في حقل الدراسات الأمنية والاستراتيجية وكذلك على مستوى الممارسة السياسية

ومع انفجار الثورة المعلوماتية ودخول العصر الرقمي خاصة في القرن 21 وما نتج عنه من تداعيات عديدة بسبب ظهور تهديدات وجرائم سيبرانية أصبحت تشكّل تحدياً كبيراً للأمن القومي وكذلك الدولي، لدرجة أن العديد من الباحثين اعتبر الفضاء السيبراني بمثابة المجال الخامس في الحروب بعد البر والبحر والجو والفضاء، وهو ما استدعى ضرورة وجود ضمانات أمنية ضمن هذه البيئة الرقمية، تبلورت بشكل أساسي في ظهور الأمن السيبراني  cyber security كبُعد جديد ضمن أجندة حقل الدراسات الأمنية، وقد اكتسب اهتمامات العديد من الباحثين في هذا المجال.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ضرورة فهم ماهية الأمن السيبراني كمتغير جديد في العلاقات الدولية.

تعريف الأمن السيبراني

تعتبر مهمة ضبط المفاهيم والمصطلحات تحدياً يواجه مختلف الباحثين والدارسين في مختلف التخصصات، وذلك لما يطرحه من إشكاليات تجعل من الصعوبة بمكان الاتفاق على تعريفات واضحة وشاملة وموحّدة بين أعضاء المجتمع العلمي، ويعد الأمن السيبراني واحداً من المفاهيم المعقدة التي قدمت لها العديد من التعريف المختلفة .

لغوياًالأمن السيبراني مكوّن من لفظتين: "الأمنو"السيبراني"

الأمن: هو نقيض الخوف، أي بمعنى السلامة. والأمن مصدر الفعل أَمِنَ أَمْناً وأَمَاناً وأَمَنَةً: أي اطمئنان النفس وسكون القلب وزوال الخوف، ويقال: أَمِنَ من الشر، أي سَلِمَ منه. وقد عرّفه قاموس بنغوين للعلاقات الدولية بأنه مصطلح يشير إلى غياب ما يُهدد القيم النادرة .

السيبراني: مصطلح السيبرانية الآن هو واحد من أكثر المصطلحات تردداً في معجم الأمن الدولي، وتشير المقاربة الإيتيمولوجية لكلمة "cyber" إلى أنها لفظة يونانية الأصل مشتقة من كلمة "kybernetes" بمعنى الشخص الذي يدير دفة السفينة، حيث تستخدم مجازاً للمتحكم "governor". وتجدر الإشارة إلى أن العديد من المؤرخين يرجعون أصلها إلى عالم الرياضيات الأمريكي norbert wieners 1894-1964 وذلك للتعبير عن التحكم الآلي، فهو الأب الروحي المؤسس للسبرنيتيقية من خلال مؤلفه الشهير: Cybernetics or control and communication in" the Animal and the machine . وأشار في كتابه إلى أن السبرنتيقية هي التحكم والتواصل عند الحيوان والآلة والإنسان والآلة ليستبدل مصطلح الآلة بعد الحرب العالمية الثانية بالحاسوب.

اصطلاحياًهناك العديد من التعاريف التي قُدمت لمفهوم الأمن السيبراني، حيث يُعرّف بأنه: "مجموعة من الإجراءات المتخذة في مجال الدفاع ضد الهجمات السيبرانية ونتائجها التي تشمل تنفيذ التدابير المضادة المطلوبة".

وهذا ما ذهب إليه الكاتبان Neittaanmäki Pekka,Lehto Martti في كتابهما الموسوم Cyber Security: Analytics, Technology and Automation ، حيث اعتبرا أن الأمن السيبراني أنه: "عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي اتخذت في الدفاع ضد هجمات قراصنة الكمبيوتر وعواقبها، ويتضمن تنفيذ التدابير المضادة  المطلوبة".

بينما عرّفه إدوارد أمورسو Amoroso Edward بأنه: "وسائل من شأنها الحد من خطر الهجوم على البرمجيات أو أجهزة الحاسوب أو الشبكات، وتشمل تلك الوسائل الأدوات المستخدمة في مواجهة القرصنة وكشف الفيروسات ووقفها، وتوفير الاتصالات المشفرة...".

وفي التقرير الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات حول اتجاهات الإصلاح في الاتصالات لعام 2010-2011 عُرّف الأمن السيبراني بأنه: "مجموعة من المهمات مثل تجميع وسائل وسياسات وإجراءات أمنية ومبادئ توجيهية ومقاربات لإدارة المخاطر، وتدريبات وممارسات فضلى وتقنيات يمكن استخدامها لحماية البيئة السيبرانية وموجودات المؤسسات والمستخدمين".

وقدمت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" تعريفاً دقيقاً لمصطلح الأمن السيبراني، فاعتبرته:  ''جميع الإجراءات التنظيمية اللازمة لضمان حماية المعلومات بجميع أشكالها المادية والإلكترونية، من مختلف الجرائم: الهجمات، التخريب، التجسس والحوادث".

في حين اعتبر الإعلانُ الأوروبي الأمنَ السيبراني أنه يعني: "قدرة النظام المعلوماتي على مقاومة محاولات الاختراق التي تستهدف البيانات".

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأمن السيبراني مفهوم أوسع من أمن المعلومات، فالأمن السيبراني يهتم بأمن كل ما هو موجود على السايبر من غير أمن المعلومات، بينما أمن المعلومات لا يهتم بذلك، كما أن أمن المعلومات يهتم بأمن المعلومات الفيزيائية "الورقيةبينما لا يهتم الأمن السيبراني بذلك.

إجرائياًيمكن القول إن الأمن السيبراني هو مجموعة الآليات والإجراءات والوسائل والأطر التي تهدف إلى حماية البرمجيات وأجهزة الكمبيوتر (الفضاء السيبراني بصفة عامة) من مختلف الهجمات والاختراقات (التهديدات السيبرانية) التي قد تهدد الأمن القومي للدول.

المفاهيم المرتبطة بالأمن السيبراني

هناك العديد من المفاهيم المرتبطة بالأمن السيبراني، ومن أهمها ما يلي:

الفضاء السيبراني: وعرفته الوكالة الفرنسیة لأمن أنظمة الإعلام ANSSI، وهي وكالة حكومیة مكلفة بالدفاع السيبراني الفرنسي، بأنه: "فضاء التواصل المشكّل من خلال الربط البیني العالمي لمعدات المعالجة الآلیة للمعطیات الرقمیة". فهو بيئة تفاعلية حديثة، تشمل عناصر مادية وغير مادية، مكوّن من مجموعة من الأجهزة الرقمية، وأنظمة الشبكات والبرمجيات، والمستخدمين سواء مشغلين أو مستعملين. كما أن هناك مَن عرّف الفضاء السيبراني بوصفه الذراع الرابعة للجيوش الحديثة.

الردع السيبراني: يُعرف الردع السيبراني بأنه "منع الأعمال الضارة ضد الأصول الوطنية في الفضاء والأصول التي تدعم العمليات الفضائيةويرتكز الردع السيبراني على ثلاث ركائز هي عماد استراتيجية الدفاع السيبراني، تتمثل في: مصداقية الدفاع  Credible Defense، والقدرة على الانتقام An Ability to Retaliate، والرغبة في الانتقام  A Will to Retaliate.

الهجمات السيبرانية: يمكن تعريفها بكونها: "فعلاً يقوّض من قدرات ووظائف شبكة الكمبيوتر لغرض قومي أو سياسي، من خلال استغلال نقطة ضعف معينة تُمكّن المهاجم من التلاعب بالنظام".

الجريمة السيبرانية: مجموعة الأفعال والأعمال غیر القانونیة التي تتم عبر معدات أو أجهزة إلكترونیة أو شبكة الإنترنت أو تبث عبرها محتویاتها، وهي ذلك النوع من الجرائم التي تتطلب الإلمام الخاص بتقنیات الحاسب الآلي ونظم المعلومات لارتكابها أو التحقیق فیها ومقاضاة فاعلیها". فهي الجریمة المتصلة باستخدام الكمبیوتر، أي تصرف غیر قانوني، یرتكب باستخدام تقنیات المعلومات والاتصالات.

القوة السيبرانية: يعد جوزيف.س ناي  Nye.S Joseph من أبرز المهتمين بالقوة السيبرانية، حيث يعرّفها بأنها "القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء السيبراني، أي أنها القدرة على استخدام الفضاء السيبراني لإيجاد مزايا للدولة، والتأثير على الأحداث المتعلقة بالبيئات التشغيلية الأخرى وذلك عبر أدوات سيبرانية".

السياق العام لظهور الأمن السيبراني

تكمن أهمية الأمن السيبراني كقضية ناشئة في حقل العلاقات الدولية من خلال حداثة هذا المجال، فهناك تاريخ طويل من التخمينات حول دور التكنولوجيا الرقمية في الدراسات الأمنية والتي يعود منشأها إلى حد ما مع Arquilla و Ronfeldt’s  1993 ، من خلال مفهوم حرب الإنترنت netwar والحرب السيبرانية cyber war . وقد كان هناك تاريخ واسع من الاختبارات النظرية والأخلاقية بشأن المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني.

حيث إنه ومع نهاية الحرب الباردة، حدثت تحولات تدريجية، ظهرت على مستوى التفكير في الدراسات الأمنية لأن النظرة الضيقة المتمركزة حول الدولة the narrow state centric way of viewing  كانت ستاتيكية ثابتة ودائماً ما تؤدي إلى انتقادات حول كيف كان الأمن دائماً مفهوماً تقليدياً

وضمن مجال الدراسات الأمنية النقدية، يمكن فهم دور الأمن السيبراني وهو ما تجلّى في أعمال مدرسة كوبنهاغن وروادها أمثال: باري بوزان Barry Buzan وأولي وييفر O le Waever ، حيث اكتسبت أعمالهم أهمية كبرى خاصة عند التفكير في الأمن السيبراني؛ لأن تركيزهم لم يقم على محاولة موضوعية لتصنيف ما هو التهديد أو ما هي الثغرة الأمنية، بل ما هي الشروط أو الحالة الراهنة التي يجب أن تباشرها جهات فاعلة محددة من أجل إظهار فعل ما بأنه تهديد وهو ما يعرف بعملية الأمننة the process of securitization ، وهي الإجراء الذي يحدد من خلاله المنظرين ما ينبغي وما لا ينبغي تعريفه بأنه مشكلة أمنية (أي إضفاء الطابع الأمني على قضية معينة). 

ومن الأمور المتعارفة في العلاقات الدولیة أن مصادر قوة الدولة وأشكالها تتغیر، فإلى جانب القوة الصلبة ممثلة في القدرات العسكریة والاقتصادیة، تزاید الاهتمام بالأبعاد غیر المادیة للقوة، ومن ثم بروز القوة الناعمة التي تعتمد على جاذبیة النموذج والإقناع، ومع ثورة المعلومات ظهر شكل جدید من أشكال القوة هو القوة السیبرانیة (Cyber power) التي لها تأثیر كبیر على المستوى الدولي والمحلي، فمن ناحیة أدت إلى توزيع وانتشار القوة بین عدد أكبر من الفاعلین ما جعل قدرة الدولة على السیطرة موضع شك، ومن ناحیة أخرى منحت الفاعلین الأصغر قدرةً أكبر على ممارسة كل من القوة الصلبة والقوة الناعمة عبر الفضاء السيبراني، وهو ما یعني تغیرات في علاقات القوى في السیاسة الدولية.

من هذا المنطلق أصبح الباحثون في حقل العلاقات الدولية وبقية الحقول الفرعية في الدراسات الأمنية والدراسات الاستراتيجية يركزون بشكل متزايد حول أثر التكنولوجيا على الأمن القومي والدولي، ويشمل ذلك تأثيرها على المفاهيم ذات الصلة كالقوة power والسيادة  sovereignty, الحوكمة العالمية global governance والأمننة securitization .

وقد وصف (segel  2016) كيف يعمل توسع الإنترنت على إعادة بلورة الأشكال التقليدية وقواعد القوة الدولية التي تعمل على نطاق واسع للدخول في عصر جديد للجيوبوليتيك، وتاريخ هذا التطور هو محور ملف استراتيجي قام بتجميعه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن والذي يعرض بالتفصيل التطور التكنولوجي وآثاره السياسية بدءا من الخمسينات.

أما على مستوى الجانب الممارساتي للدول، فقد ارتبط ظهور الأمن السيبراني بظهور الهجمات السيبرانية والتي حدثت بسبب عاملين أساسين:

الأول باستحداث أجهزة الكمبيوتر في منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم كأداة لمعالجة وحفظ المعلومات رقمياً (Digital)، رافقه تضافر جهود عدد من الشركات الخاصة والعامة، توج بتطوير وحدة المعالجة المركزية (CPU)، وذلك لتسهيل المهام الموكلة له، وقد تطور ذلك بصورة جذرية في العقود اللاحقة، حتى أصبح جهاز الكمبيوتر أساساً في عمل الكثير من المؤسسات الخاصة والعامة، فضلاً عن الحياة اليومية.

أما الثاني فهو ظهور الشبكة العنكبوتية (الإنترنتالذي أحدث انقلاباً مثيراً في حياة البشرية من خلال التواصل ونقل المعلومات بسرعة فائقة، وقد سارعت الدول في وتيرة استخدام الكمبيوتر لتحقيق قفزات نوعية في المجال الأمني والعسكري في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، وذلك حتى أطلق البعض عليها مصطلح الحرب السيبرانية الباردة  Cyber Cold War أو سباق التسلح السيبراني Cyber arms race .

أهمية الأمن السيبراني وخصائصه

يعد الهدف الأسمى للأمن السيبراني هو القدرة على مقاومة التهديدات المتعمدة وغير المتعمدة والاستجابة والتعافي، وبالتالي التحرر من الخطر أو الأضرار الناجمة عن تعطيل أو إتلاف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو بسبب إساءة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ويتطلب حماية الشبكات وأجهزة الكمبيوتر، والبرامج والبيانات من الهجوم أو الضرر أو الوصول غير المصرح به، ونتيجة لأهمية الأمن السيبراني في واقع مجتمعات اليوم فقد جعلته العديد من الدول على رأس أولوياتها، خاصة بعد الحروب الإلكترونية التي بدأت تظهر تجلياتها بين بعض الدول الكبرى، في إشارة صريحة إلى نهاية الحروب التقليدية التي كانت تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة، والإعلان عن بداية حروب جديدة هي الحروب الإلكترونية.

ويتميز الأمن السيبراني بمجموعة من الخصائص منها:

- طابع متعدد التخصصات الاجتماعية والتقنية.

- كونه شبكة خالية من الحجم والتي قدرات الفاعلين يمكن أن تكون مماثلة على نطاق واسع.

- درجة عالية من التغيير والترابط وسرعة التفاعل.

الأمن السيبراني: الفواعل والأبعاد

يحدد جوزيف ناي ثلاثة أنواع من الفاعلين الذين يمتلكون القوة السيبرانية:

- الدول: والتي لدیها قدرة كبیرة على تنفیذ هجمات سيبرانیة وتطویر البنیة التحتیة وممارسة السلطات داخل حدودها. فالدولة هي الفاعل المحوري بامتياز في هذا العام الافتراضي لما لها من مكانة على أساس التفوق التكنولوجي والمؤهلات التي ترشحها لتبني هذه المكانة.

- الفواعل غير الدولاتية: ویستخدم هؤلاء الفاعلون القوة السيبرانية لأغراض هجومیة بالأساس، إلا أن قدرتهم على تنفیذ أي هجوم سيبراني مؤثر تتطلب مشاركة ومساعدة أجهزة استخباراتية متطورة، ولكن یمكنهم اختراق المواقع الإلكترونیة واستهداف الأنظمة الدفاعیة. وتشمل هذه الفواعل ما يلي:

- الشركات المتعددة الجنسيات: تمتلك بعض شركات التكنولوجیا موارد للقوة تفوق قدرة بعض الدول، ولا تنقصها سوى شرعیة ممارسة القوة التي ما زالت حكراً على الدول، فخوادم شركات مثل: جوجل Google وفیسبوك Facebook ومایكروسوفت Microsoft، تسمح لها بامتلاك قواعد البیانات العملاقة التي من خلالها تستكشف وتستغل الأسواق، وتؤثر في اقتصادیات الدول وفي ثقافة المجتمعات وتوجهاتها.

- المنظمات الإجرامیة: تقوم هذه المنظمات الإجرامیة بعملیات القرصنة السيبرانية، وسرقة المعلومات واختراق الحسابات البنكیة وتحویل الأموال، كما توجد سوق سوداء على الإنترنت المظلم Dark internet لتجارة المخدرات والأسلحة والبشر.

- الجماعات الإرهابية: تعد من أبرز الفواعل الدولية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث تستغل الفضاء السيبراني في عمليات التجنيد والتعبئة والدعاية وجمع الأموال والمتطوعين، كما تحاول جمع المعلومات حول الأهداف العسكرية، وكيفية التعامل مع الأسلحة وتدريب المجندين الجُدد عن بعد، رغم أنها لم تصل بعد إلى مرحلة القيام بهجوم سيبراني حقيقي على منشآت البنية التحتية للدول.

- الأفراد: أصبح الفرد بفضل الفضاء السيبراني فاعلاً مؤثراً في العلاقات الدولية، ومن أبرز النماذج ظاهرة الويكيليكس "Wikileaks" الذي نجح في نشر ملايين الوثائق السرية للإدارة الأمريكية وقنصلياتها، ما خلق مشاكل دبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

أما بالنسبة لأبعاد الأمن السيبراني فإنه يطال جميع المسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والإنسانية.. وفيما يلي توضيح ذلك:

الأبعاد العسكرية: لقد تجلت البدايات الأولى للإنترنت في بيئة عسكرية بشكل مضاعف، وذلك لكي تنتقل في سياق لاحق إلى الأوساط الأكاديمية والعلمية وأبحاث تستخدم القدرات العسكرية وتتمثل الميزة النسبية للأمن السيبراني في بعده العسكري عن طرق قدرة القوة السيبرانية على ربط الوحدات العسكرية ببعضها البعض عبر العالم الافتراضي، وهذا ما يسهل عملية تبادل المعلومات الذي ينعكس إيجاباً على تحقيق الأهداف العسكرية.

الأبعاد الاجتماعية: تسمح طبيعة الإنترنت المفتوحة عبر المدونات والشبكات الاجتماعية بشكل خاص لكل مواطن بأن يعبر عن تطلعاته السياسية وطموحاته الاجتماعية، حيث تمثل مشاركة جميع شرائح المجتمع فرصة للاطلاع على الأفكار والمعلومات المختلفة وبما تكونه من حاجة لدى المجتمع في الحفاظ على استقرار الفضاء السيبراني والمجتمع الذي يرتكز إليه. لكن في المقابل يعرض أخلاقيات المجتمع للخطر، نظراً لصعوبة مراقبة محتوى الإنترنت، كما يعرض الهويات لعمليات اختراق خارجي ما قد يتسبب في تهديد السلم الاجتماعي للدولة، وعليه فلابد من العمل على توعية المواطن بهذه المخاطر لتحقيق الأمن السيبراني في بعده الاجتماعي.

الأبعاد السياسية: هناك أمثلة كثيرة تدفع تدفع نحو الاهتمام بالبعد السياسي للأمن السيبراني، كالتسريبات المختلفة للوثائق الحساسة التي تؤدي إلى مشكلات عويصة جداً على المستوى الخارجي والدولي، كما أنه لا أحد يُنكر الدور المتعاظم لشبكات التواصل الاجتماعي على المستوى السياسي (حملات انتخابية، تظاهرات افتراضية، حركات احتجاجية إلكترونية...)، كما يتم استغلال هذه المواقع من طرف العديد من الحكومات لتمريرها.

الأبعاد الاقتصادية: يرتبط الأمن السيبراني ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد، فالتلازم واضح بين اقتصاد المعرفة وتوسع استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات والتي تتيح تعزيز التنمية الاقتصادية لبلدان كثيرة عبر إفادتها من فرص الاستخدام التي تقدمها الشركات الدولية والشركات الكبرى التي تبحث عن إدارة كلفة إنتاجها بأفضل الشروط، إلا أن هذا الواقع المشرق يطرح مسائل مختلفة سواء ما تعلق بحماية مقدم الخدمة والعمل أو بحماية المستهلك عبر الإنترنت. ضف إلى ذلك دخول العالم عصر المال الإلكتروني ضمن بيئة تقنية متحركة بعد إطلاق خدمات المحفظة الإلكترونية، إذ تتزايد استثمارات المصارف والمؤسسات المالية في مجال المال الرقمي.

وكمثال على ذلك، يشير تقرير صادر عن شركة "emarkater" إلى أن حجم التجارة الإلكترونية بلغ 1.5 تريليون دولار عام 2014 مقارنة بعام 2013 الذي بلغت فيه 1.2 تريليون دولار، ونظراً لارتفاع معدل الجرائم السيبرانية المنظمة والخطيرة، فإن ذلك يمثل تهديداً صريحاً لنمو الاقتصاد الرقمي ما لم تقم الدول بتعظيم معايير الأمن السبراني بما يضمن الحد من هذه الجرائم.

الأبعاد القانونية: إن التطورات التكنولوجية المتسارعة، تفرض مواكبة التشريعات القانونية لها، من خلال وضع أطر وتشريعات للأعمال القانونية وغير القانونية في الفضاء السيبراني، فالملاحظ أن الجريمة السيبرانية تفتقد في معظم البلدان إلى الأطر القانونية الصارمة للتعامل معها، إضافة إلى ضرورة تفعيل التعاون الدولي المشترك لمكافحتها.

ولعل من أبرز الممارسات القانونية في مجال الأمن السيبراني هو ضمان بعض الحقوق في هذا المجال كحق النفاذ إلى الشبكة العالمية للمعلومات، وأيضاً توسعت بعض المفاهيم لتشمل أساليب الممارسة الجديدة باستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، كالحق في إنشاء المدونات الإلكترونية، والحق في إنشاء التجمعات على الإنترنت، وأيضاً الحق في حماية ملكية البرامج المعلوماتية.

وفي الأخير يمكن القول إن الأمن السيبراني هو بُعد جديد ضمن أبعاد الأمن القومي، أحدث تغييرات جوهرية في مفاهيم العلاقات الدولية كالصراع والقوة والتهديد، حيث حتّم على فواعل المجتمع الدولي الانتقال من عالم مادي إلى عالم افتراضي في غاية التعقيد والتشابك. وبالتالي أصبح مفهوم الأمن السيبراني ضرورة حتمية في عالم اليوم، خاصة في ظل ارتباط كافة التفاعلات الدولية بالجانب الرقمي والتكنولوجي، الأمر الذي يستدعي على الدول ضرورة إيجاد ميكانيزمات ووسائل فعالة لمواجهة المخاطر والتهديدات السيبرانية التي تتميز بالسرعة والغموض والدقة، ومن ثمة تحقيق الأمن السيبراني والحفاظ على مكاسب الدولة وأمنها القومي.

المصادر والمراجع:

إيفانز غراهام، نوينهام جيفري. قاموس بنغوين للعلاقات الدولية. تر: مركز الخليج للأبحاث.  الإمارات العربية المتحدة: مركز الخليج للأبحاث 2004.

جبور منى الأشقر. السيبرانية هاجس العصر. بيروت: جامعة الدول العربية - المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، 2016.

بارة سمير. "الأمن السيبراني cyber security  في الجزائر السياسات والمؤسسات". المجلة الجزائرية للأمن الإنساني(2017)

بوغرارة يوسف "الأمن السيبراني: الاستراتيجية الجزائرية للأمن والدفاع في الفضاء السيبيري". مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل(2018)

زروقة إسماعيل. "الفضاء السيبراني والتحول في مفاهيم القوة والصراع". مجلة العلوم القانونية والسياسية(2019).

الفتلاوي أحمد عبيس نعمة "الهجمات السيبرانية: مفهومها والمسؤولية الدولية الناشئة عنها في ضوء التنظيم الدولي المعاصر". مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية(2016).

مرزوق عنترة، حرشاوي بن محيي الدين. "الأمن السيبراني كبُعد جديد في السياسة الدفاعية الجزائرية". ورقة بحث قدمت في الملتقى الدولي حول: سياسات الدفاع الوطني بين الالتزامات السيادية والتحديات الإقليمية، ورقلة، الجزائر، 30، 31 يناير 2017.

دحماني سليم. "أثر التهديدات السيبرانية على الأمن القومي.. الولايات المتحدة الأمريكية أنموذجاً، 2001-2017". جامعة محمد بوضياف المسيلة، قسم العلوم السياسية، 2018.

الطيب مصطفى. "الفرق بين أمن المعلومات والأمن السيبراني". مدونة علوم، 8 أغسطس 2019.

رغدة البهي. "الردع السيبراني: المفهوم والإشكاليات والمتطلبات". موقع المركز الديمقراطي العربي. تم تصفح الموقع يوم: 10 أغسطس 2019.

Lehto  Martti , Neittaanmäk Pekka .Cyber Security: Analytics, Technology and Automation. Switzerland : Springer International Publishing, 2015.

 

Valeriano Brandon and C. Maness Ryan. " international relations theory and cyber security threats conflicts and ethics in an Emergent Domain in an emergent domain" in The Oxford Handbook of International Political Theory ,edited by. Brown  Chris and Eckersley Robyn .united kingdom : Oxford University Press, 2018.

 

Griffiths, Jordan Luke. " CYBER SECURITY AS AN EMERGING CHALLENGE TO SOUTH AFRICAN NATIONAL SECURITY"  . master's thesis , University of Pretoria , South Africa , 2016.

Ebert Hannes and Maurer Tim . " Cyber Security" oxfordbibliographies , LAST MODIFIED: 11 JANUARY ,2017.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia