حساب جديد ادعمنا

الإرهاب - Terrorism

لم تعد الحوادث الإرهابية مجرد حوادث فردية ولكنها أصبحت ظاهرة متأصلة في العالم الحديث مما دفع الباحثين والأكاديمين إلى محاولات تعريفه وتفسيره وفهم أسبابه ووضع نظريات لتفسيره ولقد تعددت أسبابه كما تعددت تعريفاته وفي هذا البحث سيتم تناول الإرهاب من خلال تعريفاته اللغوية والاصطلاحية وأسبابه وتطوره وأنواعه والتدبير التي اًتخذت لمعالجته

التساؤل البحثي: ما هو الإرهاب ومتى بدأ ظهوره ؟ وماهي أسبابه ؟ وأنواعه ؟ وكيف تمت مكافحته 

المعنى اللغوي للإرهاب  

كلمة الإرهاب تشير بوجه عام إلى أي شخص يحاول أن يدعم أراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع ولم تتعرض المعاجم القديمة  لكلمة الإرهاب في اللغة العربية ويرجع البعض ذلك إلى أنها كلمة حديثة الاستعمال ولم تكن معروفة في القديم وفي المعاجم الحديثة كلمة الإرهاب مصدرها أَرْهبْ يُرهبْ إرهابَا وترهيبَا وأصله مأخوذ من الفعل الثلاثي يرهب حيث قال ابن منظور  : ( رَهَبَ يَرهَبُ رَهَبَةٌ ورُهبًا : أي خاف، وأرَهبه ورَهَبه واسترهبه: أخافه وفزعه) وهكذا يتضح أن لفظة الإرهاب يشير إلى معنى الخوف أو التخويف وقد وردت لفظتا (رهب وأرهب)في القرآن الكريم في مواضيع عديدة فمن القرآن الكريم  : (يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمتي الَّتِي أَنعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأوفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدكُمْ وَإِيَايَ فَارْهَبُونِ ).

المعنى الاصطلاحي للإرهاب 

مرت الظاهرة الإرهابية بمراحل تاريخية عديدة شهدت خلالها العديد من التطورات النوعية طالت صورها وأهدافها ودوافعها وآلياتها وواكبت ذلك جهود دولية وأكاديمية عديدة استهدفت هذه الظاهرة بالدراسة والتحليل وبالبحث عن الحلول من أجل وضع حد  لتداعياتها وقُدمت عشرات التعريفات من أجل الوقوف على مدلولها الدقيق ولكن ليس هناك اتفاق على تعريف واحد للإرهاب سواء على مستوى الحكومات والمنظمات الدولية أو حتى بين الأكاديمين المهتمين بمعالجتها من الفروع المختلفة ويعبر عن ذلك (جينكنز Jenkins ) بقوله " على الرغم من أن مصطلحالإرهاب صار بمثابة الصرعة في الأدبيات المعاصرة إلا أنه لا يوجد تعريف واحد محدد ومقبول على نطاق واسع وغالبًا ما يستخدم المصطلح كتعبير عن صور شتى من أعمال العنف التي قد لا تتطابق بدقة مع الأعمال الإرهابية " كما أن هذا المصطلح ينطوي على التحقير فنجد بعض الحكومات تصف أعمال خصومها بالإرهاب في حين يدعي المتطرفون المناهضون لحكومة ما في كثير من الأحيان أنهم ضحايا لإرهاب هذه الحكومةكذلك يرى ( جنكينز Jenkins )أننا بحاجة إلى تعريف موضوعي يصير معه الإرهابي بالنسبة لشخص ما هو إرهابي من وجهة نظر الجميع  ، بينما يعرف ( برجسن و لازاردو )الأعمال الإرهابية بأنها حالات العنف التي تستهدف أهدافًا سياسية أو دينية أو اجتماعية. 

في عام 1988 اعتمد الباحثان  ( شميد ويانجمان )  من جامعة ليدن الهولندية مدخل العلوم الإجتماعية لاستكشاف أفضل السبل لتعريف الإرهاب حيث قاما بتجميع وفحص أكثر من 100 تعريف أكاديمي ورسمي للإرهاب وتحديد مكوناتها الأساسية حيث انتهوا من خلال المضامين تحليلًا منهجيًادقيقًا فجاءت النتائج كالتالي  :

1- انطوى 83.5 % من التعريفات على مفهوم العنف 

2- أوضحت 65% من التعريفات أن الإرهاب يستهدف أهداف سياسية 

3- اعتبر 51% من التعريفات أن عمل يسبب الرعب والخوف 

4- أشارت 21% من التعريفات إلى أنه تصرف تعسفي وعشوائي ( من حيث الاستهداف ) 

5- أشارت 17.5 % من التعريفات إلى أنه ضحايا العمليات الإرهابية هم من المدنيين أو المحايدين أو غير المقاتلين 

ويشار كذلك إلى أن دراسة  ( مراري ) انتهت إلى ملاحظة أن التعريفات القانونية الرسمية للإرهاب في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا تتضمن ثلاثة : 

1 – استخدام العنف 

2-الأهداف السياسية 

3- العمل على بث الخوف في صفوف السكان .

ويرى ( ميتيوسيتز )أن من أكثر التعريفات قبولًا هو أن الإرهاب يتمثل في استخدام العنف خلق أجواء من الخوف والذعر من أجل تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو ايدولوجية ويضيف أن الإرهاب يختلف عن الجريمة التقليدية بحكم الأهمية البالغة للأهداف التي يستهدفها والرغبة الملحة في إحداث تغيير حتمي في واقع ما كما أن الإرهاب هو بمثابة حرب غير متكافئة  وينتج عدم التكافؤ من كون العمليات الإرهابية تنطوي على عنف عشوائي لا يمكن التنبؤ به فهو يقع من قبل قوة صغيرة في مواجهة قوة أكبر ومن عنصري العشوائية والمفاجأة تكتسب المجموعة الإرهابية المبادرة والتفوق وهما أمران لا يتحققان لها أبدًا بإستخدام التكتيكات العادية للحرب النظامية  ،ويشير (ميتيوستز) في دراسته إلى مقولتين هامتين تتعلقان بتعريف الإرهاب  هما :

1- مقولة ( ستيفن سلون ) بأن تعريف الإرهاب يتغير ويتطور عبر الزمن لكن كونه يستهدف أهداف سياسية أو دينية أو ايديولوجية لا يتغير أبدًا 

2- مقولة (ياسر عرفات) الشهيرة في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 ”إن الإرهابي في نظر البعض وهو مناضل من أجل الحرية في رأي البعض الآخر“ وهي المقولة التي تعبر عن مدى التحيزات السياسية في تعريف الإرهاب.

من الناحية الفقهية :بدأت المحاولات الفقهية لتعريف الإرهاب من مؤتمر توحيد القانون الجنائي الذي إنعقد في مدينة وارسو سنة  1933م حيث تم إدراج الإرهاب السياسي من جرائم قانون الشعوب ومن أبرز التعريفات التي جاءت  تعريف (عرفة عبد الستار الطويلة)  وهو محاولةفرد أو مجموعة من الأفراد أو الجماعات فرض رأي أو فكر أو مذهب أو دين أو موقف معين من قضية من قضايا بالقوة والأساليب العنيفة على أناس أو شعوب أو دول بدلًا من  اللجوء إلى الحوار والوسائل المشروعة الحضارية وهذه الجماعات أو الأفراد تحاول فرض رأيها بالقوة لأنها تعتبر نفسها على صواب والأغلبية مهما كانت نسبتها على ضلال بينما عرفه الفقيه الألماني (سالدانا Saldana) بأنه جناية أو جنحة سياسيةأو إجتماعية يترتب على تنفيذها أو حتى مجرد الإعلان عنها إشاعة الفزع العام لما لها من طبيعة منشئة لخطر عام  

من الناحية النفسية :يركز العديد من المعنيين بدراسات الإرهاب بصدد تعريفه وخصائصه على كونه عملًا قوامه استخدام العنف أو التهديد باستخدامه ويستمد فعاليته في المقام الأول من الآثار النفسية التي يحدثها في نفوس الجماهير بغض النظر عن الأضرار المادية التي يتسبب فيها فإن صلب الإرهاب هو بث مشاعر الخوف والذعر في نفوس أعداد كبيرة من الناس تتجاوز بمراحل عدد المستهدفين المباشرين بالعمل الإرهابي أو ضحاياه فمثلًا يرى  ( ريمون آرون Reymond Aron ) أن ما يميز العمل الإرهابي عن غيره من أعمال العنف هو أن نتائجه النفسية على الجمهور أكبر من آثاره المادية ونظرًا لأن معظم الأعمال الإرهابية لا تستهدف أفراد محددين بذواتهم فإنه لا أحد يكون في مأمن من عواقبها، ويرى  ( روبرت موس Robert moss )أن الإرهاب هو الاستخدام المنهجي للتخويف من أجل تحقيق أهداف سياسية وترى ( مارثا كرينشو )أن الأعمال الإرهابية قد تحدث في سياق المقاومة العنيفة للدولة كما قد تتم لخدمة أهدافها ودعم مصالحها، إن الأعمال التي تتم في إطار المقاومة من أجل إحداث تغييرات سياسية لا تصب إهتمامها بما تحدثه من آثار نفسية في نفوس الجماهير العريضة بما يهيئ لجذب اهتمامها لدوافع القائمين على العمل الإرهابي وقضاياهم.

أما التعريفات التي تركز على الناحية القانونية  (لامشروعية العمل الإرهابي ) يندرج تحت اللامشروعية القانونية التعريفات الصادرة عن المنظمات الدولية والتعريفات الصادرة عن الحكومات والأجهزة الرسمية داخل الدولة ومن أظهر الأمثلة على ذلك القرار رقم  6449للجمعية العامة للأمم المتحدة المعتمد في  9 ديسمبر 1994بعنوان التدابير الرامية للقضاء على الإرهاب الدولي حيث قدم توصيفًا للإرهاب مفاده أن الأعمال الإجرامية التي تهدف إلى إشاعة الرعب في صفوف العامة أو جماعة من الأشخاص أو حتى أشخاص محددين تحقيقًا لأهداف سياسية هي أعمال لا يمكن تبريرها مهما كانت المبررات التي تتذرع بها أو تستند إليها سياسية أو فلسفية أو عقائدية أو دينية أو غير ذلك من الذرائع ، كذلك فإن قرار مجلس الأمن رقم  1566 لعام 2004 يقدم تصورًا للإرهاب بأنه الأعمال الإجرامية بما في ذلك تلك التي ترتكب ضد المدنيين بقصد إلحاق الموت بهم أو إصابتهم بإصابات جسمانية خطيرة أو أخذ الرهائن بغرض إشاعة حالة من الرعب بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص أو أشخاص معينين أو لتخويف جماعة من السكان أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل ما أو عدم القيام به والتي تشكل جرائم في نطاق الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة بالإرهاب ووفقًا للتعريف الوارد فيها لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف تبريرها بأي اعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو عقائدي أو عنصري او عرقي أو ديني أو أي طابع آخر من هذا القبيل ويهيب بالدول أن تمنع هذه الأعمال وان تكفل في حالة عدم منعها المعاقبة عليها بعقوبات تتماشى مع ما لها من طابع خطير.

وهناك اتجاهات تركز على الناحية الأخلاقية للعمل الإرهابي فعلى الرغم أن نعت الإرهاب يرتبط عموما بالتحقير والإزدراء واللاشرعية واللاأخلاقيةفإن ثمة دراسات أضفت شيئًا من الشرعية على بعض الأعمال الإرهابية باعتبارها مبررة ارتباطًا بنبل الأهداف التي تستهدفها إذ ليس كل الأعمال التي ينعتها البعض بالإرهاب تتساوى طبقًا للمعايير الأخلاقية فمثلًا تقول( تيكمان Teichman )  بأنه لابد أن نعترف بأن الإرهابيين ليسوا دائمًا وبالضرورة على الجانب الخاطئ وعليه فإن التعريف الحديث للإرهاب يتعين ان يتضمن كونه تمردًا ذا أهداف خيرة لكنه ذو وسائل سيئة وأن ليس هناك ما هو مشروع أو غير مشروع أخلاقيًا في حد ذاته وأن نتائج العمل هي التي تبين ما إذا كان عملًا صحيحًا أو خاطئًا وبالتالي فالأعمال الإرهابية جيدة إذا كانت تستهدف أهدافًا جيدة وسيئة إذا كانت تستهدف أهدافًا سيئة.

وهناك اتجاهات للتعريف ركزت على الدعاية باعتبارها أحد مقومات العمل الإرهابي الرئيسية ويتأسس على ذلك حقيقة أن الغرض الرئيسي من الإرهاب هو جذب اهتمام الرأي العام إلى قضية معينة يسعى مدبرو العمل الإرهابي إلى إبرازها وتركيز الأضواء عليها وترى  ( مارثا كرينشو Martha Crenshaw )أن المحرك الأساسي المشترك للمنظمات الإرهابية هو كسب الإعتراف أو جذب الانتباه إلى القضايا التي تتبناها أو كما يقول  ( ثورنتون Thornton  )إن هدف العمليات الإرهابية هو التعريف بالأسباب التي دفعت إليها وتستمد الأعمال الإرهابية فعاليتها من جذب الانتباه ارتباطًا بكون العنف وسفك الدماء هي أكثر الأعمال إثارة لفضول واهتمام البشر وفي ظل عالم اليوم فإن الفرصة تكون سانحة أمام المنظمات الإرهابية لنشر قضاياها أمام العالم بأكمله حيث الجماهير الكبيرة والأكثر تنوعًا وبالتالي تتزايد عمليات الإرهاب الدولي الرامية إلى كسب الإعتراف العالمي كما تتصاعد وتيرو العنف التي تنطوي عليها هذه العمليات.

تعريف الإرهاب في الاتفاقيات الدولية والإقليمية : 

1- تعريف منظمة الأمم المتحدة :

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتحديدًا سنة  1954مطلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من لجنة القانون الدولي إعداد مشروع مدونة للجرائم المخلة بسلم البشرية وأمنها حيث قدمت اللجنة مشروعها الأول سنة  1951م ومشروعها الثاني سنة  1954موفي النهاية لم يُعتمد أي من المشروعين وتم تأجيل ذلك كله إلى أجل غير مسمى والحقيقة أن الأمم المتحدة لم تبدأ البحث بجدية في جريمة الإرهاب إلا سنة 1972متحديدًا بعد حادثة دورة الألعاب الرياضية الأولمبية ميونيخ الألمانية شهر سبتمبر 1972م  حيث بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة دراسة مشكلة الارهاب بشكل معمق وانتقلت من مرحلة الإدانة لجرائم الإرهاب إلى مرحلة دراسته بغية تحديد مفهومه ومعرفة الأسباب والظروف التي تؤدي إليه وبواعث مرتكبيه في محاولة منها للتوصل إلى تعريف محدد له والإتفاق على تدابير منعه والقضاء عليه وبعد طرح الجمعية العامة مسألة تعريف الإرهاب الدولي للنقاش تباينت وجهات نظر وفود الدول المشاركة حولها وظهرت ثلاثة اتجاهات تتعلق بالتعريف الأول  : عام ومجرد ويركز على الإرهاب الفردي  والثاني : حصري ومُعدد للأفعال التي تعتبر عدوانًا مع الأخذ بعين الإعتبار إرهاب الدولة والإتجاه الثالث مختلط وحاول الجمع بين الإتجاهيين السابقيين ومن ثم عرفته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1999بأنه عمل إجرامي يهدف إلى إثارة الرعب في نفوس العامة أومجموعة من الأشخاص لأغراض سياسية غير مبررة تحت أي ظروف ومهما كانت طبيعة الإعتبارات السياسية أو الفلسفية او الايدولوجية أو الراديكالية أو العرقية أو الدينية  أو أي اعتبارات أخرى تستغل تبريرها

2-تعريف الإرهاب في مجلس أوروبا :

 لقد تمت الموافقة بالإجماع على الإتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب يوم 10 نوفمبر 1976م وذلك بعد أعمال العنف الخطيرة وحالات القتل والإختطاف التي عرفتها القارة الأوروبية أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي والحقيقة أن هذه الإتفاقية تبلورت تحت ضغط الدول الأعضاء في مجلس أوروبا وكذلك بفضل مساعدة اللجنة الأوروبية للقضايا الجنائية حين أدرك الأوربيون ضرورة وضع أساس قانوني يمكن من خلاله قمع الإرهاب الدولي وهذه الإتفاقية لم تعرف الإرهاب بالمعنى الدقيق رغم انها وُضِعت كإطار قانوني لقمع أعمال الإرهاب الدولي كما أنها نصت في المادة الأولى على بعض الأفعال الإجرامية التي يُمكن أن تدخل ضمن الأعمال الإرهابية وتوصل الإتحاد الأوروبي إلى تعريف للإرهاب في  2001حيث عرفت الإرهاب  بأنهالعمل الذي يؤدي لترويع المواطنين بشكل خطير أو يسعى لزعزعة استقرار أو تقويض المؤسسات السياسية أو الدستورية أو القضائية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لإحدى الدول والمنظمات مثل الهجمات ضد حياة الأفراد أو الهجمات ضد السلامة الجسدية للأفراد أو اختطاف واحتجاز الرهائن أو إدارة جماعة إرهابية أو المشاركة في أنشطة جماعة إرهابية

التعريف الإجرائي للإرهاب : العمل الإرهابي هو كل عمل عنيف يكون الغرض منه بث الخوف والذعر في نفوس الأفراد أو جذب الأنظار إلى جماعة ما أو قضية ما أو تكون له أهداف سياسية أو اقتصادية أو دينية أخرى 

الجذور التاريخية للظاهرة الإرهابية  

تعددت إلى حد كبير الدراسات التي عنيت بتاريخ الظاهرة الإرهابية وتحليل وتصنيف الحقب التاريخية التي مثلت نقلات نوعية في طبيعة وحجم وآليات وآثار الإرهاب ونجد أن كثير من الدراسات ترد جذور الظاهرة الإرهابية إلى الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789م  وما أعقبها من حملات قمع لأنصار الملكية ولبعض زعماء الثورة والتنكيل بهم بإعتبارهم اعداء الثورة ويقول ( ميتيوستز Matusitz )أن كلمة الإرهاب ظهرت مواكبة للثورة الفرنسية حيث ما عرف بعهد الإرهاب (1793 – 1794 )وهي الفترة التي شهدت عمليات عنف واسعة النطاق من قبل حكومة الثورة الفرنسيةوقُتل خلالها ما بين ستة عشر وأربعين ألفًا من الفرنسيين في مدة لا تجاوز العام الواحد مما جعل الجمعية الوطنية الفرنسية في سبتمبر 1793 إلى القول بأن  " الإرهاب هو ما يسود اليوم " وقد ارتبط هذا النظام القمعي باسم ( ماكسيمليان روبسيبر Maximilien Robespierre )الزعيم البارز وقتذاك في الثورة الفرنسية والذي كان يرى بأن الإرهاب ليس إلا العدالة الناجزة الصارمة العنيفة

وبحلول منتصف القرن التاسع عشر تحديدًا بعد عام 1848استخدمت لفظة الإرهاب في روسيا وأوربا كوصف لأعمال المعارضة للحكام المستبدين حيث كان الإرهاب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر موجهًا إلى الأمراء  والقياصرة ورؤساء الشرطة ولقد كانت الممارسات الإرهابية تهدف إلى إحداث التغيير السياسيكما تقول(جيني تيكمان Jenny Teichman  )أن الإرهاب لم يكن يعني إشاعة الخوف حيث كان القائم به يشعر بالفخر جراء نعته بالإرهابي فلم تكن لفظة الإرهاب تمثل نعتًا مشينًا لصاحبه في ذلك الوقت ، وقد ارتبط الإرهاب في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بالحركات الراديكالية من فوضوية واشتراكية ومن ثم قومية ويعبر عن ذلك   ( أوبر شول Oberschall )بقوله إن الإرهاب ليس ظاهرة حديثة ولا غير مألوفة ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استخدمه الثوار الروس في مواجهة أعضاء الحكومة القيصرية الاستبدادية كما ارتبط الإرهاب لفترات طويلة بالصراعات الدينية والطبقية وأيدولوجيات وقضايا العدالة الإجتماعية كما يطلق البعض وصف  " العصر الذهبي "للإرهاب على فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والعقود القليلة السابقة على الحرب العالمية الأولى حيث شهدت تلك الفترة صعود العديد من الحركات الإرهابية مثل الشعبوية في روسيا فهذه الفترة شهدت تغيرات سياسية واقتصادية عميقة تمثلت طغيان الطابع التوسعي على سياسات بعض القوى الكبرى حال إنجلترا وفرنسا وروسيا وهي السياسات التي وصفها لينين بالإمبريالية وقد تمثل أخطر الأحداث الإرهابية خلال تلك الحقبة في اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية الأرشيدوق  ( فرديناند فرانز )وزوجته أثناء زيارتهما للعاصمة البوسنية سراييفو وهو العمل الذي قام به أحد القوميين البوسنيين المنتمين إلى جمعية اليد السوداء الصربية  ( Crna Ruka)التي كانت تهدف إلى إقامة دولة تجمع السلاف الجنوبيين ( اليوجو سلاف ) واعتبر هذا الحادث بمثابة اغتيال القرن العشرين  (Assassination of the Twentieth) لأنه كان المفجر للحرب العالمية الأولى في صيف عام 1914مكما توجز ( مارثا كرينشو Martha Crenshaw  )تاريخ الظاهرة الإرهابية منذ سبعينات القرن التاسع عشر وحتى سبعينات القرن العشرين بقولها إن الإرهاب هو أحد إفرازات البيئة السياسية العلمانية الحديثة وهو يرتبط بصعود الاتجاهات القومية والفوضوية والاشتراكية الثورية ومن الأمثلة على ذلك حركات الإرهاب الفوضوي في أوروبا وخصوصًا فرنسا خلال تسعينات القرن التاسع عشر كما تضيف أن الإرهاب كواقع تاريخي لم يكن لصيقًا بأنظمة سياسية دون غيرها.

ويميز  ( جانور Ganor ) بين ثلاث مراحل نوعية في تاريخ الظاهرة الإرهابية وهي مرحلة الإرهاب الكلاسيكي Terrorism classical ومرحلة الإرهاب الحديث Modern Terrorism   ومرحلة الإرهاب ما بعد الحديث Postmodern Terrorism  حيث يرى أن الإرهاب الكلاسيكي كان ذا تكتيكات مباشرة ومحدودة الأضرار ويستهدف أشخاصًا محددين أو مرافق قليلة الأهمية باستخدام وسائل بسيطة كعمليات الاغتيال من أجل تحقيق أهداف سياسية محدودة أما الإرهاب الحديث فهو يستخدم تكتيكات غير مباشرة وهجمات أكثر عشوائية ويحدث دمار واسع النطاق ويوقع أعداد كبيرةمن الضحايا برغم استخدامه لأسلحة تقليدية أما إرهاب ما بعد حداثة فهو قد يستخدم أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والإشعاعية والنووية في شن هجمات مدمرة على أهداف شديدة الحيوية وتحمل قيمة رمزية عالية بالنسبة للعدو المستهدف ويتفق كثير من المحللين على أن الانتقال النوعي من الإرهاب القديم إلى الإرهاب الحديث قد حدث خلال تسعينات القرن العشرين تحديدًا بالهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك عام  1993 ثم هجوم جماعة أوم شينريكيو الدينية اليابانية على مترو الأنفاق في طوكيو باستخدام غاز السارين عام  1995ويرى أنصار مفهوم الإرهاب الجديد أن أبرز خصائصه هي التعصب الديني المتجسد غالبًا في الحركات الإسلامية الراديكالية في حين أن الإرهاب القديم اتسم بالعلمانية من حيث قادته وأيديولوجاته.

ويرى  ( ميتيوستز Matusitz )أن هناك أربع موجات تاريخية رئيسية للإرهاب حيث كانت الموجة الأولى في الفترة منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين ثم بدأت الموجة الثانية منذ عام  1921والتي ارتبطت بالحقبة الاستعمارية وكانت محصورة في الحدود الإقليمية للدول أما الموجة الثالثة وهي الحديثة فتبدأ مع بداية عقد الستينات والموجة الرابعة وهي الأخطر والتي يشهدها العالم حاليًا فقد بدأت مع أحداث 11سبتمبر وهي موجة تتسم باستخدام التبرير الديني للقتل كما تتميز بالانتشار الواسع عبر العالم واستخدام أسلحة أكثر تقدمًا وتدميرًا ومواكبة تقنيات العصر المتقدمة ويقول أيضًا أن مع بداية عقد السبعينيات راحت أخبار الإرهاب تحتل عناوين الصحف وبلغ الأمر ذروته في منتصف الثامنينات حيث ارتفع متوسط عدد الأعمال الإرهابية المعلنة من عشرة أعمال في الأسبوع إلى ذات العدد في اليوم الواحد وقام  ( لي وشواب Li and Schaub  )بفحص الأحداث الإرهابية الدولية التي وقعت داخل  122 دولة خلال الفترة 1975 - 1997حيث اكتشفا أن منطقة الشرق الأوسط شهدت النسبة الأعلى من أعمال الإرهاب تليها أوروبا ثم أفريقيا فآسيا فأمريكا كما لاحظا أن مسلمي الشتات وتحديدًا الجيل الثاني والثالث من المسلمين المهاجرين كانوا من وراء أكثر من  80 % من الحوادث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة وأوروبا وفي دراسة أخرى يرى  ( تشيلند وبلين Chaliand and Blin )أن لظاهرة الإرهاب المعاصر أربع محطات تاريخية تمثل علامات فارقة ونقاط تحول لهذه الظاهرة وتتمثل هذه المحطات في أعوام 1968 و 1979 و1983 و 2001  وتتمثل المحطة الأولى (1968) في تدشين استراتيجية حرب العصابات في المدن من قبل مسلحي أمريكا اللاتينية كذلك لجوء بعض المنظمات الفسلطينية إلى تكتيب الإرهاب بغرض الدعاية والذي تحول فيما بعد إلى أعمال عنف خطيرة وأما المحطة الثانية  (1979)تتمثل في نجاح الثورة الإيرانية وكان ذلك إشارة لبداية عصر الراديكالية الإسلامية الشيعية والتي كانت من آثارها المباشرة ظهور حزب الله في لبنان ومن آثارها الغير مباشرة تسهييل ومباركة عمليات التفجير الانتحاري المستندة إلى فكرة تمجيد الشهداء التقليدية وكانت الثورة مصدر إلهام للحركات الإسلامية السنية المتطرفة والمحطة الثالثة تتمثل في تاريخ الإرهاب المعاصر (1983)فتجسدها الهجمات الإنتحارية التي شنها حزب الله في بيروت خلال ذلك العام والتي أسفرت عن مصرع 241 من مشاة البحرية الأمريكية و 53من المظليين الفرنسيين والتي أحدثت آثارًا نفسية عميقة في الغرب وأدت إلى انسحاب القوات الغربية في لبنان واُعتبرت أكبر انتصار للإرهاب الدولي خلال الفترة  (1968 : 2000 )في حين تمثلت نقطة التحول الرابعة في تاريخ الإرهاب المعاصر في هجمات 11 سبتمبر 2001 والتي كانت ذروة التقدم في الإرهاب الكلاسيكي وقد أعقب هذه الهجمات إطلاق اضخم حملة لمكافحة الإرهاب في التاريخ وتعتبر هذه الهجمات هي المحطة الأبرز على الإطلاق وقد حظيت بالنصيب الأوفر من دراسات الإرهاب وترتب عليها آثار طالت بنية النسق الدولي القائم ولقد مثلت هذه الأحداث نقطة تحول فارقة في تاريخ الظاهرة الإرهابية وقد برهنت هذه الأحداث كما قال ( إسماعيل صبري مقلد ) على ما أصبح للإرهاب الدولي من قدرة هائلة على الضرب والتدمير وعلى امتلاكه لتكنولوجيا متفوقة حيث أصبح للإرهابشكلًا رئيسيًا ومخيفًا من أشكل الصراع المسلح وأصبح بديلًا للحروب التقليدية في كثير من الحالات ويرى أيضًا أنها فتحت الباب من جديد حول بعض القضايا الجدلية الشائكة التي تفجر الحوار الدولي حولها منذ ظهور النظام العالمي الجديد في بداية التسعينات ولعل أخطرها قضية صراع الحضارات والتي تمحورت حول اعتبار الإسلام والحضارة الإسلامية البؤرة الرئيسية للعنف والتطرف والإرهاب في العالم وأن الإسلام أصبح يشكل خطرًا ساحقًا على الحضارة الغربية وعلى مستقبل الحضارة الإنسانية كلها. 

وأوضح  (فينايك Vanaik  ) ان بعد أحداث  11سبتمبر وبعد ما سببته من صدمة هائلة في أوساط الرأي العام العالمي قد استتبعت ثورة حقيقية في الدراسات الاجتماعيةوالسياسية المتعلقة بالإرهاب كما أكد ( هنري كسينجر ) وزير الخارجية الأمريكية الأسبق أن أحداث 11 سبتمبر شكلت نقطة تحول بارزة في صياغة النظام الدولي للقرن الحادي والعشرين حيث أدت بصورة واضحة إلى تعزيز المكانة العالمية للولايات المتحدة ودفعت القوى المنافسة لها إلى تعزيز التعاون بصورة وثيقة معها وهو أمر لم يكن واردًا واستدعت أحداث 11سبتمبر جهود أممية فورية وحثيثة في إطار مكافحة الإرهاب حيث اتخذت الأمم المتحدة تدابير عديدة في هذا السياق وأحد اهم هذه التدابير وأسرعها يتمثل في 

إنشاء لجنة مكافحة الإرهاب والتي أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن  1373 (2001) الذي تم اتخاذه بالإجماع في

28 سبتمبر 2001 واتخذت الدول العديد من الإجراءات منها تجريم تمويل الإرهاب وتبادل المعلومات مع الحكومات الآخرى عن أية جماعات تمارس أعمال إرهابية أو تخطط لها وكذلك تجريم مساعدة الإرهابيين مساعدة فعلية أو سلبية في القوانين المحلية وتقديم مخالفيها للعدالة وعدم توفير الملاذ الآمن او الدعم أو المساندة للإهاربيين ومنع الجماعات الإرهابية من الحصول على أي شكل من أشكال الدعم وكل هذه الإجراءات التي اتخذتها الدول لم تفلح في وقف مسيرة الظاهرة الإرهابية حيث استمرت وتيرة الأعمال الإرهابية في التصاعد خلال الفترة التالية لأحداث 11سبتمبر

تطور الإرهاب  وأنواعه  

أسفرت أحداث 11سبتمبر عن مئات من الأبحاث والمقالات العلمية والكتب التي انصبت على معالجة الظاهرة الإرهابية واُعتبرت بمثابة ثورة معرفية حقيقية في هذا الحقل العلمي وأسفر ذلك عن تطور ظاهرة الإرهاب على مر العصور حيث مرت بنوعين من الصور :صور تقليدية وصور مستحدثة 

1-الصور التقليدية للظاهرة الإرهابية  :

ومن أبرز المعايير التي تم استخدامها في تصنييف الأعمال الإرهابية  :

أ – معيار النطاق الجغرافي الذي يغطيه العمل الإرهابي   ب- معيار هوية منفذ العمل الإرهابي

أ -النطاق الجغرافي الذي يغطيه العمل الإرهابي  : 

ويميز الباحثون في هذا السياق بين صورتين رئيسيتين من صور الإرهاب هما  : الإرهاب الداخلي والإرهاب الدوليويرى  ( جينكينز Jenkins )أن الإرهاب الدولي يشمل الحوادث الإرهابية التي لها تبعات دولية واضحة أي الحوادث التي من أجلها يتجاوز الإرهابيون الحدود من أجل الهجوم على الضحايا ويتم تحديد الضحايا أو المنشآت بسبب ارتباطهم بدولة أجنبية ما بينما يرى  ( فينايك Vanaik )أن الإرهاب الدولي لا يعني أي حدث إرهابي له تداعيات دولية كما أنه لا يعني ظاهرة الإنتشار المتزايد للإرهاب على الصعيد العالمي وإنما يقصد أن يتم توافر بعض الخصائص في العمل الإرهابي مثل :أن يتم تنفيذه من قبل فاعلين خارج الدولة ينتمون لدولة أو لشعب آخر وأن يكون الدافع الذي يرتبط به العمل الإرهابي يتجاوز حدود الدولة مثلًا كالسعي إلى تغيير الموقف الدولي القائم تجاه حرب تحرير وطني ما وأن يكون العمل موجهًا بصفة مبدئية ضد قوة خارجية أو ينطوي على مساس مباشر بقوى خارجية.

أما ( بوناننيت Bonanate ) فيميز بين صنفين من الإرهاب الداخلي وصنفين من الإرهاب الدولي بصدد الإرهاب الداخلي هناك إرهاب الدولة State Terrorism والإرهاب الثوريRevolutionary Terrorism  حيث يذكر العديد من النماذج التاريخية لإرهاب الدولة حال محاكم التفتيش الإسبانية ومذبحة سان بارتملي في فرنسا في 1572 ،أما الإرهاب الثوري فيعني السعي إلى إسقاط النظام القائم من قبل جماعات معينة وليس من خلال الصراع الطبقي الذي تقول به الماركسية اللينينية التقليدية مثل الجيش الأحمر الألماني والألوية الحمراء الإيطالية ، وأما على صعيد الإرهاب الدولي فهناك الإرهاب الإستعماري Colonial Terrorism ويقصد به محاولة الدولة الحفاظ على مستعمراتها من خلال نظام قمعي ولهذا أثره الدولي لأنه يحول دون نشأة دولةمستقلة جديدة ذات سيادة مثل الأنظمة الاستعمارية  ، والإرهاب في سبيل الاستقلال Terrorism for Independence  وهو الأكثر شيوعًا وتقليدية ومن أمثلته حركات النضال الفلسطيني منذ الستينات والسبعينات،   وفي تصنيف آخر ميز( هينكاينين Hinkkainen ) بين صنفين من الإرهاب الداخلي وهما Homegrown Terrorism وهو الإرهاب الذي يصدر عن أفراد أو جماعات أو تنظميات ما دون الدولة لأشخاص يحملون جنسية الدولة أو رخصة إقامة داخلها ويمكن أن نطلق عليه إرهاب الدخلاء والنوع الثاني Domestic Terrorism يشير إلى الإعمال الإرهابية التي تصدر عن المواطنيين الأصليين والذين يعملون وفقًا لأيدولوجيات أخرى ، أما فيما يتعلق بالإرهاب الدولي فترى ( هينكاينين )  أنه يستهدف التأثير على موقف أو سلوك جماعة أكبر من مجرد الضحايا المستهدفين بعملية العنف ويكون المنفذون أفرادًا يحملون جنسية أجنبية أو جماعات خارجية أو أفرادًا امتدادًا لمنظمات أكبر تقع خارج الحدود أو يتلقون التعليمات من قيادات أجنبية أو غير ذلك من الأعمال التي تنفذ من وراء الحدود

ب - هوية منفذ العمل الإرهابي  : 

والتصنيف الأكثر شيوعًا هنا هو التمييز بين إرهاب المنظمات وإرهاب الدولة وهما المفهومان الأكثر إثارة للجدل والخلاف على المستوى الفكري حيث تظهر هنا نسبية القيم وسياسات ازدواجية المعايير بصدد تحديد ماهية المنظمات الإرهابية وكذا الدول التي تمارس الإرهاب او ترعاه أو تدعمه ويرى  ( بايل Pyle ) ان تعريف الإرهاب أضحىمن المسائل المؤرقة للإدارة الأميريكية ذلك بأن السياسة الأميريكية تجاه أمريكا الوسطى والشرق الأوسط ترتبط إلى حد كبير بتحديد طبيعة منظمات كمنظمة التحرير الفلسطينية وكونترا وما إذا كانت تعد منظمات إرهابية يتعين التصدي لها بحزم أم أنها منظمات مناضلة في سبيل الحرية يجب دعمها ، ويذكر  ( ميتيوستز Matusitz )أن كثيرًا من الأنظمة تتجنب بقوة تقديم تعريف للإرهاب لأن كثيرًا من الأعمال الوطنية التي تمت في إطار حروب التحرير يمكن أن تندرج تحت تصنيف الأعمال الإرهابية كما يلاحظ أن كثيرًا من النظم السياسية توصف معارضيها بالإرهابيين ، وقامت  ( مارثا كرينشو Martha Crenshaw )بدراسة عن الإرهاب الثوري في  1972وحددت فيها ملامح العمل الإرهابي وهي أن الإرهاب هو جزء من الاستراتيجية الثورية باعتباره وسيلة يستخدمها المتمردون أو الثوار في الاستيلاء على السلطة من الحكومة القائمة ويتمثل صلب الإرهاب في أعمال عنف غير مقبولة سياسيًا ولا اجتماعيًا كما أن هناك نمط ثابت في اختيار أهداف ذات قمية رمزية عالية من قبل القائمين على العمل الإرهابي وتعمد الحركة الثورية إلى استخدام هذه الإجراءات العنيفة بغية إحداث تأثير نفسي لدى أفراد وجماعات محددة وصولًا لتغيير سلوكهم وتوجههم السياسي وترى ( كرينشو )أن جبهة التحرير الوطني الجزائرية تمثل نموذجًا واضحًا للإرهاب الثوري وطبقًا لهذه الدراسة تعتبر  (كرينشو )حركات التحرر الوطني منظمات إرهابية كما أن الإرهاب لديها هو أحد الوسائل الطبيعية للحركات الثورية ، وفي دراستها الثانية في  1981عن مسببات الإرهاب تؤكد أن كثيرًا من عمليات الإرهاب تستند إلى خيار سياسي عقلاني حيث أن الإرهاب عملية إرادية غائية تأتي عبر قرار مؤسسي لتمثل أحد الوسائل السياسية الفعالة لمعارضة الحكومات حيث تمتلك المنظمات الإرهابية جملة من القيم والمعتقدات والتصورات المتعلقة بالبيئة السياسية القائمة ويخدم الإرهاب مجموعة من الأهداف بعضها ثوري وبعضها شبه ثوري فالإرهابيون قد يكونوا ثوريين كما قد يكونون قوميين مناضلين ضد الاحتلال كما قد يكونوا انفصاليين ينتمون إلى أقلية تناضل من أجل الانفصال عن دولة تجسد هوية جماعة عرقية آخرى وقد يكون الإرهابيون إصلاحيون وقد يكونون فوضويين كما قد يكونون رجعيين يسعون إلى مقاومة التغيير من الأعلى.

يعتبر  ( تشيلند وبلين )أن كافة التنظيمات التي تلجأ إلى العنف منظمات إرهابية في حين أنهما يقصران إرهاب الدولة على مجموعة الإجراءات القمعية التي تمارسها الحكومات والأنظمة الاستبدادية في مواجهة رعاياها ، بينما يرى  ( جينكنز )على رأس فريق محرري الموسوعة البريطانية أن بعض الحركات السياسية قد تضطر لممارسة الإرهاب كما قد يضطر البعض الآخر إلى أسلوب حرب العصابات ونجد أن علماء الاجتماع يصفون أسلوب حرب العصابات بسلاح الضعفاء ويصفون الإرهاب بالسلاح الأكثر ضعفًا كما يضيف أنه لا بد أن نضع في اعتبارنا أن هناك أنواع عديدة من الحركات الإرهابية وأنه ليس هناك نظرية واحدة تلم بها جميعًا وهذه الحركات تتنوع من حيث أهدافها ومعتقداتها وأعضاءها وحجم مواردها وكذلك البيئة السياسية التي تعمل في سياقها ، إن أحد أكثر التصنيفات انتشارًا هو الذي يميز بين ثلاث صور من الإرهاب وهذه الصور هي  : الإرهاب الثوري Revolutionary Terrorism وهو الأكثر شيوعًا ويستهدف تحطيم النظام السياسي بالكامل وإبداله بمجموعة بنى أو هياكل سياسية جديدة والإرهاب شبه الثوري Sub-Revolutionary Terrorism هو النمط الأقل شيوعًا وهو يستهدف مجرد تعديل البنية السياسية الإجتماعية القائمة وليس تحطيمها بالكامل  وأما الإرهاب المؤسسي Establishment Terrorism وهو ما يعرف غالبًا ياسم إرهاب الدولة أو الإرهاب برعاية الدولة فهو يمارس من قبل حكومات أو غالبًا بواسطةقطاعات داخل الحكومات في مواجهة مواطني الدولة أو قطاعات داخل حكومتها أو حكومة دولة أخرى أو جماعة أجنبية ويصعب تحديده أو تتبعه لأن دعم الدول له دائمًا ما يكون سريًا حيث تسعى الدولة القائمة عليه إلى إبقائه سرًا تجنبًا للاستهجان الدولي من جهة واتقاًء لانتقام المستهدفين به من جهة أخرى ، وهذه الدراسة تعتبر أن كافة الجماعات السياسية التي تمارس العنف إرهابية سواء كانت حركات تحرر وطني أو حركات عرقية انفصالية أو حركات مناوئة لأنظمة الحكم القائمة كما أنها تعتبر الممارسات مثل استخدام الأنظمة الشمولية للقمع في مواجهة المعارضين وتقديم الدول لدعم مادي لتنظميات إرهابية ودعمها لحركات متمردة مناوئة لأنظمة الحكم في دول أخرى ضمن إرهاب الدولة وبالتالي فإن إرهاب الدولة قد يكون إرهابًا كما قد يكون دوليًا او عابرًا للحدود ، ويذكر  ( جينكنز) في دراسته أنه لا يقتصر تعريف الإرهاب على توصيف الأعمال التي تصدر عن تنظيمات غير حكومية حيث أن الحكومات أيضًا قد تمارس العمل الإرهابي أما بصدد الإرهاب الدولي الصادر عن الدولة فهو يتم عن طريق تقديم الدعم المباشر أو غير المباشر لتنظيمات غير حكومية تقوم بتنفيذ الأعمال الإرهابية المطلوبة بالنيابة عن الدولة وهناك عدد متزايد من الحكومات تلجأ إلى أساليب إرهابية سواء من خلال تجنيد الجماعات الإرهابية أو استغلال الحوادث الإرهابية كمبرر لشن الحروب على الأعداء ، كما يقول ( تيكمان )أن الحكومات غالبًا ما تقوم بأعمال سواء في مواجهة شعوبهم أو ضد الأعداء في أوقات السلم والحرب تتشابه هذه الأعمال مع أسوء ضروب الإرهابي الثوري حيث قد تلجأ الدول إلى إجراءات قمعية مثل اغتيال المعارضين السياسيين وتضيف أيضًا أن  ( نعوم تشوميسكي )يرى أن الدولة هي الفاعل الرئيسي للإرهاب في عالم اليوم في حين يعتبر( جورج روزي George Rosie )أن بعض تصرفات الدول وعملائها تندرج تحت وصف الأعمال الإرهابية وذلك حال الاعتداء على الحقوق المدنية وإطلاق النار على المتظاهرين ، ويرى ( فينايك )أن كافة الأنظمة على اختلاف مشاربها الإيديولوجية تتورط في الأعمال الإرهابية بطريقة أو بأخرى كما أن إرهاب الدولة هو الأشد خطورة والأكثر تنوعًا من حيث أساليبه وأشكاله والأكبر حجمًا والأوسع نطاقًا إذا قورن بإرهاب المنظمات ويُلاحظ أن ( فينايك )يتوسع في توصيف إرهاب الدولة وبالتالي يقترب من توجهات الباحثين العرب التي تؤكد على ضرورة التمييز بين الإرهابيين والمنضويين تحت لواء حركات التحرر الوطني،  ويرى  (هيثم كيلاني) أن الدول التي تستخدم الإرهاب في مواجهة حركات التحرر الوطني وحق تقرير المصير للشعوب تتذرع بمبدأ الدفاع عن النفس وتصنف عملياتها تحت مصطلح  ( الإرهاب ضد الإرهاب ) أو ( الإرهاب الأبيض )

ويقول ( عصام مفلح ) أن الدول تلجأ إلى وسائل الإرهاب عندما تظهر هوة واسعة بين أهدافها المعلنة وأهدافه الحقيقة التي ترغب في إخفائها لسبب أو لآخر وعندما تصبح ممارستها السياسية في حالة اختناق تعجز عن تجاوزها بالعمل الدبلوماسي عبر القوانين الدولية المعمول بها

"ويلاحظ أن الدراسات العربية والتي تنطلق من توجهات عروبية قومية تؤكد مبدئيًا على فكرة رفض دمغ حركات التحرر الوطني بالإرهاب إلى جانب أنها تتبنى اتجاهًا فضفاضًا في تحديد نطاق إرهاب الدولة بحيث يتضمن كافة السياسات والإجراءات المستهجنة التي تمارسها الدول سواء في مواجهة رعاياها أو تلك التي تتم في مواجهة دول آخرى وهنا يتضح التباين الكبير بين الأكاديميين حول تصنيف الأعمال الإرهابية وحول تحديد هوية الإرهابي فعلى حين يعتبر بعض الأكاديميين كافة المنظمات التي تمارس العنف أيًا كانت طبيعة أهدافها ( انفصالية ، تحررية ، معارضة)تنظيمات إرهابية يتجه البعض إلى التمييز بين من يرتكب العنف لأغراض شريرة ومن يلجأ إليه لأغراض خيرة وعلى صعيد الدول تجد كل دولة تحدد ما هو تنظيم إرهابي وما هو غير ذلك حسب توجهاتها الايديولوجية أو حتى مصالحها الخاصة وهذا الأمر ينطبق على تحديد المقصود بإرهاب الدولة  ".

2-الصور المستحدثة للظاهرة الإرهابية  : 

هناك العديد من الأنماط المستحدثة للإرهاب وأول هذه الأنماط هو الإرهاب البيئي وقد أشار( جينكنز Jenkins )  ومحررو الموسوعة البريطانية إلى هذا المفهوم بإعتباره مصطلحًا ظهر في نهاية القرن العشرين للتعبير عن أعمال التدمير البيئي التي تستخدم لتحقيق أهداف سياسية أو تلك التي تتم في سياق حرب ما ، ويشير ( أمستر Amster )إلى أن رئيس شعبة مكافحة الإرهاب بمكتب التحقيقات الفيدرالي في شهادته أمام الكونجرس عام  2002بأنه عرف الإهاب البيئي  Eco- Terrorism بأنه استخدام أو التهديد باستخدام العنف بصورة ذات طابع جنائي ضد الضحايا الأبرياء أو الممتلكات بواسطة جماعةذات توجه بيئي تستهدف من وراء ذلك تحقيق أهداف سياسية تتعلق بالبيئة ويذكر  ( شوارتز Schwartz )أن الإرهاب البيئي يشير إلى عمليات العنف الإرهابي التي تستهدف البيئة بصفة أساسية وقد ظهر هذه المصطلح لأول مرة عقب اجتياح القوات الأمريكية والحليفة العراق 1991جراء احتلاله الكويت وسرعان ما انتشر المصطلح في الأوساط الصحفية ومن ثم الأكاديمية وظهرت العديد من الدراسات لتناوله ومناقشته وتم النظر للإرهاب البيئي يمثل تحديًا قانونيًا نظرًا لتهديده السلم الدولي

أما عن النمط الآخر المستحدث من أنماط الإرهاب والذي استأثر باهتمام كبير وتناولته دراسات عديدة وهو الإرهاب الإلكتروني  ( السيبراني  Cyberterrorism )وتذكر  ( إليزابيث بوردي Elizabeth Purdy )أن مفهوم الإرهاب الإلكتروني قد ظهر خلال عقد الثمانينات على يد باحث في معهد كاليفورنيا للأمن والاستخبارات  (باري كولين Barry collin ) ومن ثم ظهرت مدرستان فكريتان لدراسة الإرهاب الإلكتروني يمثل المدرسة الأولى (دوروثي دينينغ Dorothy Denning )أما المدرسة الثانية فتشمل المسؤليين الحكوميين والعسكريين الذين يعرفون الإرهاب الإلكتروني بأنه تقريبًا أي هجوم إلكتروني يهدد أجهزة الحاسوب وشبكات المعلومات كما تضيف (بوردي )  أن النمو الكبير في أعداد الحاسبات الشخصية خلال عقد التسعينات مما قد أدى إلى تيسير الدخول والتعامل مع شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)  بأعداد هائلة من الأفراد حول العالم وفي نفس الوقت بدأ القراصنة الإلكترونيين في استغلال الثغرات الأمنية بنظم حماية المواقع والبرمجيات في الوصول إلى المعلومات السرية خاصة التي تخص الحكومات والشركات الكبرى والبنوك وتعاظم الخوف من الإرهاب الإلكتروني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأن الرئيس جورج بوش قد طلب من الكونجرس تخصيص مبلغ  3.5مليار دولار لتمويل أعمال مكافحة الإرهاب الإلكتروني كما دشن مؤسسة أمنية خاصة هي مكتب الفضاء الإلكتروني الآمن The Office of Cyberspace Security ،وتبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي تعريفًا للإهاب الإلكتروني وهو كل هجوم غائي مدفوع بأغراض سياسية ضد أنظمة المعلومات أو الحاسوب أو قواعد البيانات يشنه عملاء سريون أو جماعات فرعية من دولة ما ويسفر عن عنف يستهدف أهدافًا تتعلق بغير المقاتلين وهي قد تؤدي إلى خسائر في الأرواح أو الممتلكات أو البنى التحتية وهو قد يشار إليه بالإرهاب السيبراني Cyberterrorism أو الإرهاب الإلكتروني Electronic Terrorism أو حرب المعلومات Information War ويعتبر قانون مكافحة الإرهاب البريطاني لعام  2000أن العمل الإرهابي هو ليس بالضرورة عملًا ذا طبيعة عنيفة وإنما قد يندرج تحت بند الإرهاب كل عمل مصمم    لتعطيل نظام إلكتروني ، أما عن تقرير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة عام 2012المعنون باستخدام الإنترنت لأغراض إرهابية The use of the Internet for Terrorist Purpose  تمثل التقنية أحد العوامل الاستراتيجية التي تمكن التنظيمات الإرهابية وأنصارها من استخدام الإنترنت استخدامًا متزايدًافي مجموعة واسعة ومتنوعة من الأغراض تشمل التجنيد والتمويل والدعاية والتدريب والتحريض على ارتكاب أعمال إرهابية وأيضًا جمع المعلومات ونشرها لأغراض إرهابية وأيضًا تستخدم لتسيير الاتصال داخل التنظيمات الإرهابية ولتقديم الدعم المادي لتنفيذ الأعمال الإرهابية

يذكر( شيرييف Shiryaev )  أن الخلاف الواسع حول تعريف الإرهاب انعكس على تعريف الإرهاب الإلكتروني ويضيف أن مشروع ستانفورد بصدد الاتفاقية الدولية لتعزيز الحماية من الجريمة الإلكترونية والإرهاب لعام  2000 يعرف الإرهاب الإلكتروني بأنه الاستخدام المتعمد أو التهديد باستخدام العنف أو التخريب أو التشويش وبدون أي سند قانوني ضد الأنظمة الحاسوبية على نحو يؤدي إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص او مجرد إصابتهم أو قد يؤدي إلى خسائر مدنية أو خسائر في الممتلكات المادية أو أضرار اقتصادية بالغة كما يضيف أن ممارسة الإرهاب قد تتم من قبل دول أو تنظيمات ما دون الدول أو أفراد أو شركات كبرى خاصة الشركات المتعددة الجنسيات ويحقق الإرهاب الإلكتروني أهدافًا عديدة فقد يلحق أضرارَا بالغة بالعدو المستهدف أو يسيئ إلى سمعته بإظهاره بمظهر الضعيف العاجز في الوقت الذي يبرز فيه قوة الطرف المنفذ وتعاظم قدراته ومن أبرز مرامي الإرهاب الإلكتروني المستهدفة بالهجوم مراكز مراقبة الحركة الجوية والملاحة وأجهزة الحاسوب وأنظمة الاتصال الخاصة بالطائرات والسفن التجارية ومحطات الطاقة النووية ومنشآت التخصيب كما ان هناك إغراءات لاستخدام الإرهاب الإلكتروني لأنه قليل التكلفة ولا يتطلب استثمار أموال طائلة مثل الإرهاب العادي  ، ومن أهم الدراسات حول الإرهاب الإلكتروني دراسة ( دينينج Denning ) وهو يرى أن الإرهاب الإلكتروني يعد بمثابة حلقة الوصل بين الإرهاب والفضاء الإلكتروني وهو يعنى عمومًا الهجوم غير القانوني أو التهديد بالهجوم على أجهزة الحاسوب والشبكات المعلوماتية والمعلومات المخزنة فيها ويكون ذلك بغرض تخويف أو إكراه حكومة معينة أو شعبها تحقيقًا لأهداف سياسية واجتماعية ولكي يوصف بأنه إرهاب إلكتروني لا بد من حدوث عنف ضد الأشخاص أو الممتلكات أو يسبب حالة من الخوف على الأقل أو تعطيل بعض الخدمات غير الأساسية على نحو يسبب الإزعاج للحكومات والناس وتتم الهجمات الإلكترونية في صور عديدة منها القرصنة الإلكترونية والتجسس واختراق أنظمة الحاسب وسرقة المعلومات والبيانات الشخصية واختراق المعلومات وتدميرها وتعطيل الخدمات وتخريب الأنظمة والأجهزة ونشر الفيروسات وإجراء المعاملات الاحتيالية و إزعاج الأفراد والشركات والنمط الأخير والذي لم يحظ بنصيب وافر من الاهتمام الأكاديمي على المستوى العالمي وهو الإرهاب الفكري وهنا يذكر( غازي ربابعة )  أنه على الرغم من أن هذا النوع من الإرهاب لا ينطوي على سفك الدماء وقتل الناس إلا أنه يعد أكثر خطورة من الإرهاب العسكري وهذا النوع من الإرهاب يتمثل في فرض رأي معين أو مذهب ما وبالتالي مصادرة حرية الآخر في الرأي ونشر وفرض مُثل معينة وإنكار معارضتها وبالتالي فإن هذا النوع من الإرهاب قد يرسخ للنظم الديكتاتوريات والسلطوية وممارسة هذا النوع من الإرهاب قديمة في التاريخ الإنساني ولكن المستحدث عليها هو إضفاء مصطلح الإرهاب الفكري عليها ، في دراسة أخرى يعرف ( جلال الدين صالح ) الإرهاب الفكري بأنه ضغط مسلط على الإنسان يفرض عليه الإيمان بعقيدة دينية أو نظرة فلسفية أو رؤية سياسية أو فهم إجتماعي دون أن تكون له حرية التفكير في تحديد موقفه منها تقويمًا أو تقييمًا خوفًا من أن يلحق به أذى في نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه

وهنا يمكن تقسيم الإرهاب إلى أنواع مختلفة ومن حيث معايير مختلفة ..

1- من حيث النظر إلى الإرهابيين  :

بالنظر إلى الإرهابيين يمكن تقسيم الإرهاب إلى  :

أ-إرهاب الدولة : يدخل إرهاب الدولة في إطار العدوان أكثر من كونه إرهابًا إلا أنه يرى أن الدولة تمارس بنفسها أو بواسطة الجماعات التي تعمل باسمها في الداخل والخارج والبعض يرى أن إرهاب الدولة هو استعمالها لوسائل العنف بانتظام وللإثارة والرعب لتحقيق أهداف سياسية وهذه الأهداف قد تكون للاحتفاظ بالسلطة وقمع المعارضة 

ب- إرهاب الأفراد والمجموعات  :إرهاب الأفراد والمجموعات يسعى إلى ترسيخ سلطاته وليس للحصول عليها ويطلق عليه البعض إرهاب التمرد 

2- من حيث الهدف منه  :

ينقسم إلى إرهاب أيدولوجي وإرهاب إثني وإرهاب إجرامي 

أ-الإرهاب الأيديولوجي (الفكري): يسمى أيضًا الإرهاب العقائدي وفيه يقاتل الإرهابيون بهدف تحقيق أيديولوجية معينة يؤمنون بها وينذرون أنفسهم لإنجازها 

ب-الإرهاب الإثني: ينسب إلى الحركات التي تستخدم تكتيكات الإرهاب من أجل تحقيق الانفصال عن الدولة الأم وهذا النوع من الإرهاب يقتصر على الأفراد والمجموعات السياسية ولا يتصور أن تمارسه الدولة إلا بطريقة غير مباشرة من خلال دعم بعض الحركات الانفصالية 

ج- الإرهاب الإجرامي: هو ذلك النوع من الإرهاب الذي لا يستهدف تحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية لكن تحركه دوافع شخصية واقتصادية أو اجتماعية ويطلق البعض على هذا النوع الإرهاب الاجتماعي أو إرهاب القانون العام تمييزًا عن الإرهاب السياسي وله صور عديدة مثل الابتزاز والسطو المسلح وأخذ الرهائن بطلب الفدية والتخريب ونهب الأموال والممتلكات وممارسة أعمال الاتجار في المخدرات وغسيل الأموال 

3-من حيث نطاقه  :

ينقسم الإرهاب من حيث نطاقه إلى إرهاب محلي وإرهاب دولي 

أ-الإرهاب المحلي  : 

 هو الإرهاب الذي تمارسه الجماعة ذات الأهداف المحدودة داخل نطاق الدولة ولا تتجاوز حدودها وتستهدف تغيير نظام الحكم وليس لها ارتباط خارجي بأي شكل من الأشكال فالإرهاب المحلي يتطلب المحلية أو الوطنية في جميع عناصره سواء من حيث المنفذين أو مكان التنفيذ أو التخطيط أو الإعداد للعمل 

ب-الإرهاب الدولي  :

هو الإرهاب الذي تتوافر له الصفة الدولية في أحد عناصره الصفة الدولية في أحد عناصره ومكوناته وذلك عندما يكون أحد الأطراف دوليًا سواء أشخاص أو أشياء أو أماكن أو يكون الهدف دوليًا مثل إساءة العلاقات الدولية 

ويجب الملاحظة هنا أن للإرهاب صورتين هما صورة مباشرة وصورة غير مباشرة 

1-الصورة المباشرة للإرهاب  : 

معظم الأعمال الإرهابية التي تمارسها الدول يتم ارتكابها بصورة مباشرة يتمثل في قيام سلطات الدولة أو إحدى أجهزتها أو بعض الأشخاص الذين يعملون باسمها ولحسابها بارتكاب أعمال إرهابية ضد رعايا أو ممتلكات دولة أخرى 

2-صورة غير مباشرة للإرهاب  : 

أن معظم الدول التي تلجأ إلى الإرهاب ضد دولة أخرى تمارسه بصورة غير مباشرة بما يمكنها من تحقيق أهدافها ويجنبها ردود الفعل والانتقادات الدولية أو اتخاذ أي إجراءات دولية ضدها في حالة لجوئها إلى استخدام وسائل إرهابية مباشرة تعادل أعمال العدوان ويتمثل الإرهاب غير المباشر في قيام الدولة للمشاركة أو تشجيع أو حث أو تحريض أو تستر عليه أو إيوائه أو تقديم العون والمساعدة والإمدادات إلى الجماعات التي تقوم الإرهاب 

وإلى جانب ذلك هناك تصنيف آخر للإرهاب يصنف الإرهاب إلى أنواع رئيسية وهما  :

1-إرهاب الهجوم الواحد 

2-إرهاب الذئاب المنفردة 

3-الإرهاب العائلي 

4-الفاعلين المسلحين من غير الدول 

أولًا: إرهاب الهجوم الواحد 

له خصائص عدة منها أن عملياته تتوالى في فترة زمنية وجيزة كما أنه يستهدف أهداف رخوة ولكن ليس المقصود به أن هناك فرد واحدة يقوم به إنما المقصود به أن من يقوم به لا يسعى ليقوم به أكثر من مرة أي أن الشخص في هذا النوع من أنواع الإرهاب هو شخص غير معتاد على ممارسة الظاهرة الإرهابية بخلاف بعض التنظيمات التي تكون إرهابية في الأصل فهو ينأى بنفسه عن القيام بأكثر من عملية أي انه ليس ممارس للعملية وإنما يقوم بها بغض النظر عن نتائجها وليس لديه أي مشكلة ليزهق  بروحه

ثانيًا:إرهاب الذئاب المنفردة  

يتفق إرهاب الهجوم المنفردة مع إرهاب الذئاب المنفردة في أن كلاهما ينبعان من فلسفة أو استراتيجية واحدة وهي استراتيجية المقاومة بلا قيادة أي أن القائم على العملية الإرهابية لا يخضع لقيادة مباشرة أو قيادة تنظيمية أو تنظيم هيراركي ويكون الإرهابي هنا شخص مضطرب وصل لمرحلة من اليأس والإحباط فيقوم بعمليات عنيفة أو يلجأ للإنتحار  (والانتحار إرهاب أيضًا تبعًا لارتكازه على بث الذعر والخوف في نفوس المواطنين وهو بعد سيكولوجي ولكن الإرهاب أشمل من ذلك )

إرهاب الهجوم الواحد وإرهاب الذئاب المنفردة يقعوا تحت مسمى" العمليات الجديدة "  من خصائصه: 

1-التواترفي تنفيذ العمليات خلال فترة زمنية وجيزة أو محدودة 

2-الميل الانتحاري لمنفذ العمليات الإرهابية 

3-التباس هذا النمط من الإرهاب مع الجريمة في دوافعها فالقائمين على هذه العمليات يكون لديهم دوافع للجريمة على عكس الأنواع الأخرى الذي تكون هذه العمليات بمثابة وظيفة بالنسبة لهم 

4-وجود اضطرابات نفسية للقائمين على العملية الإرهابية 

ومن أسباب تصاعد الظاهرة الإرهابية من هذا النوع  : 

1- تأثير العدوى والمحاكاة  ( نظرية الدومينو )وظاهرة المحاكاة تظهر دائمًا في حالة النجاح فأسباب الانتشار هو النجاح لكن توالي الفشل لا يدفع للتكرار

2-محورية الدعاية على الانترنت  :فالقائمين على هذه العمليات لديهم سبل كثيرة لترويج أفكارهم والضغط على الأفراد والحكومات وإقناع الكثيرون بها خاصة في ظل الدول التي تعاني من عدم استقرار سياسي 

3- معظم من يقومون بالعمليات الإرهابية هم أنصار التطرف سواء اليمين المتطرف الغربي أو أنصار الإسلام المتطرف

4- وجود حواضن للتطرف  :أي أنه في الدول التي يكون فيها اضطرابات سياسية واجتماعية غالبًا ما يلجأ أفرادها لتكوين مدن في الخارج تكون بمثابة حواضن للتطرف والإرهاب

ثالثًا :الإرهاب العائلي 

له عدة خصائص منها  :

1-أفراده تحكمه خلفية اجتماعية مشتركة 

2-المناخ يكون أمن نسبيًا 

3-ضمان السرية 

4-تجنيد الكتلة 

5-الإلمام بفاتح الشخص الذي يراد استقطابه 

6-هناك تعاون أفضل من الأنواع الأخرى 

فالإرهاب العائلي أخطر نوع من أنواع الإرهاب لان هناك ترابط كبير جدًا بين أفراده لأنهم يحملون قيم اجتماعية مشتركة فالاختلاف بينهم يكون قليلًا على عكس الأنواع الأخرى التي قد تنتهي بسبب الصراعات الداخلية كما أنه يعمل في شكل تكتل أي تكون الجماعة كتلة واحدة قائمة على العملية الإرهابية مما يتيح أيضًا ضمان السرية فمن الصعب إفشاء الأسرار بين العائلة ولا تستطيع الجهات الأمنية زرع أشخاص داخلهم كما أنهم يعرفون بعضهم جيدًا مما يتيح تقسيم وتخصيص العمل مما يؤدي إلى تعاون أفضل ، ويأتي الإرهاب العائلي من رأس المال الاجتماعي المضاد ويتسبب فيما يعرف بالتجنيد الثنائي الذي يسمى بالتجنيد الآمن وسمي بذلك لأن يحكم أفراده علاقات أولية كلها نابعة من علاقات العائلة أو الصداقة أو القيم المشتركة وسُمي ثنائي لأن القيم المؤمنين بها تجعلهم طرف والمجتمع طرف آخر.

رابعًا :الفاعلون المسلحون من غير الدول 

هم عبارة عن تنظيمات أو جماعات مسلحة أو شبة إجرامية منظمة غير قانونية تمارس أنشطتها بعيدًا عن سيطرة الدولة وتمارس القوة من أجل تحقيق أهدافها وهم يختلفون عن تعريفات أخرى مثل التنظيمات المسلحة غير المشروعة ومن أهم خصائص الفاعلين المسلحين من غير الدول 

1-عنصر التنظيم 

2-العمل خارج سيطرة الدولة 

3-استخدام القوة المسلحة كثيرًا في تحقيق أهدافها 

4-التمتع بصورة أو بأخرى بمصادر التمويل سواء من داخل الدولة أو من خارجها 

أنواع المسلحين من غير الدول :

يتم التمييز بينهم من ثنايا عدة معايير منها :

المعيار الأول :هويات الفاعلين 

ويقصد بالهوية مدى الارتباط الايديولوجي بين هؤلاء الفاعلين وهنا يتم التمييز بين التنظيمات الهجينة ، التنظيمات الجهادية 

1-التنظيمات الهجينة :هي تلك التنظيمات التي تتعدد في بواعثها وأدوارها وعملياتها المستهدفة وأهدافها 

2-التنظيمات الجهادية هي تلك التنظيمات المحكومة بأطر فكرية في الأساس وهو الفكر الأناني الوحدوي ( أنا الصواب ومادوني الخطأ )وهي لها صور عدة مثل  التنظيمات الجهادية المحلية أو التنظيمات الجهادية العابرة للحدود و الجماعات التنظيمية 

المعيار الثاني   : الارتكاز إلى النظام الجغرافي

 ويصنف إلى : 

1-إرهاب محلي  مثل جماعة بيت المقدس  

 2- إرهاب إقليمي مثل تنظيم داعش

   3- إرهاب دولي مثل تنظيم القاعدة

المعيار الثالث  :يرتكز على الهدف من العمليات الإرهاببة

 ويصنف إلى  :

1- يستهدف الإبقاء على الوضع القائم 

2- يستهدف تغيير الوضع القائم 

المعيار الرابع  :يرتكز على علاقات الفاعلين المسلحين مع الدولة والمجتمع 

أي هل يستهدف التنظيم أهداف عدوانية وبشرية فقط أم يرتكب أدوار أخرى أي هل يمارس أعمال عنف ضد دولة فقط أم هل يفترض نفسه جزء من الدولة والمجتمع

الأسباب المفسرة للقيام بالأعمال الإرهابية 

في البداية هناك  8 اتجاهات رئيسة معنية بتفسير الظاهرة الإرهابية:

الاتجاه الأول: يركز على الأبعاد القانونية في تعريف الإرهاب 

أهم رواده : مراري وهو يصف الإرهاب وصفة قانونية وانتهت دراسته إلى أن الظاهرة الإرهابية تقوم على 3أركان رئيسية هي استخدام العنف ، الأهداف السياسية والعمل على بث الخوف في صفوف المواطنين وتوصلت هذه الدراسة إلى أن الإرهاب هو ظاهرة غير متكافئة لأنه في النهاية قائم على حرب غير متكافئة الأطراف فإذا كانت الجماعة تتصارع مع دولة فتكون غير متكافئة نظرًا لعدد الأفراد أو الأسلحة وهكذا ويكون المنتصر فيها هو الطرف الأضعف في الأغلب الأعم 

2- الاتجاه الثاني:  يرتكز على العشوائية في التعريف

 اهم رواده  :يونا الكسندر ويرى أن الإرهاب هو استخدام العنف بعشوائية ضد أهداف ميدانية بغرض خلق وبث حالة من الرعب العام بهدف تحقيق أهداف سياسية فإن أي عمل عنيف منظم من قبل الظاهرة الإرهابية وفقًا له 

الاتجاه الثالث: يرتكز على التحيز السياسي في تعريفه للظاهرة

أنصاره: ياسر عرفات حينما قال في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الإرهابي في نظر البعض هو مناضل من أجل الحرية في نظر البعض الآخر 

الاتجاه الرابع: يرتكز على القواميس  

أنصاره: فانيك حيث بإستقراءه لعديد من القواميس المعرفة للظواهر الإرهابية في العديد من الثقافات وانتهى فانيك إلى أن الإرهاب قاموسيًا ينطوي على 4عناصر رئيسية هما  : 

أ - التخويف المنظم

ب-العنف ضد المدنيين او غير المقاتلين 

ج-الاستخدام الغير مشرعن للعنف 

د-الاستخدام العشوائي للعنف 

وفقًا لفانيك يأتي الإرهاب ثماره ويكون فعالًا حينما يتوافر فيه الآتي : 

1-يتسم بالفجائية 

2-يستهدف مدنيين عزل 

3-طبيعة الأسلحة المستخدمة لا تكون بسيطة 

4-عدم التكافؤ بين قوة المنفذ والمتلقي للعملية 

5-الاتجاه الخامس :   يركز على البواعث

أنصاره  : كريجل ومريكس حيث انتهت دراستهم إلى أن الإرهاب هو عمل واستخدام متعمد للعنف والترهيب في مواجهة جمهور كبير يتسم بالضخامة لإجبار مؤسسة ما تكون في الغالب مؤسسة حكومية على تقديم بعض التنازلات ربما تكون إيديولوجية أو سياسية 

6-الاتجاه السادس   : يركز على العنف

أنصاره :ريمون آرون وجروم فيرى ريمون آرون أن ما يميز العمل الإرهابي عن غيره من أعمال العنف أن نتائجه النفسية على الجمهور اكبر من نتائجه المادية فعند حدوث أي عمل إرهابي تكون الأبعاد النفسية أكبر بكثير من الضرر الواقع في الأرض أما  (جروم )يرى أن عناصر الإرهاب هي استخدام وسائل غير مألوفة ومفاجأته للفئة المستهدفة ويستهدف أهداف سياسية ويتفق مع ( ريمون آرون )في أن تأثيره النفسي أكبر من الضرر الواقع على الأرض وبشكل عام كل المنظرين الذين ارتكزوا على بعد العنف اتفقوا على أن الهدف من العنف هو هدف سياسي 

7-الاتجاه السابع  :يركز على الأبعاد الشرعية للإرهاب 

هناك دراسات تقول أنه ليس بالضرورة أن العمل الإرهابي عمل غير مشرعن أو غير أخلاقي فقد يكون عمل أخلاقي لأنه قد يكون ذو أهداف خيرة مثل الحركات الاستقلالية 

8- الاتجاه الثامن : يركز على الدعاية 

يرى البعض أن الدعاية هي أحد أركان أو مقومات العمل الإرهابي حيث أن الهدف أو الغرض من العملية الإرهابية هو لفت الانتباه إلى هذه الجماعة أو إلى مطالبها او حقوقها أو استعطاف الجمهور بشأن مطالب الجماعة.

مما سبق نلاحظ أن أسباب وجود ظاهرة الإرهاب وازديادها متعددة وموزعة على ميادين مختلفة سياسية واجتماعية ونفسية واقتصادية ودينية وغيرها ودراسة هذه الأسباب مجتمعة مهمة وصعبة للغاية ولا يمكن القضاء على ظاهرة الإرهاب إذا لم تعالج أسبابها والمسألة الرئيسية التي تواجه تحديد أسباب الظاهرة هي اختلاف وجهات النظر في تحليل الظاهرة نفسها ويرجع الاختلاف إلى تباين التفسيرات للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي نشأت عنها هذه الظاهرة وبالرغم من ذلك فهناك اتفاق حول عدد من أسباب الإرهاب الدولي منها 

1-أسباب اقتصادية  : 

يذهب البعض إلى اعتبار العوامل الاقتصادية كالبطالة والفقر كأسباب لاختيار طريق العنف والإرهاب لأنه في هذا الحالات يكون الفرد غير قادر على الوفاء بحاجته الأساسية وفاقدًا للأمل في المستقبل مما يجعله يحمل النقمة على المجتمع ومؤسساته ويبعثه على تبنى الإرهاب لذلك لعبت العوامل الاقتصادية دورًا مهمًا في توجيه سلوك الإرهاب عند الناس والمجتمعات البشرية فالحاجة البشرية لا يشبعها أي بديل محتمل وكثرة المشاكل الاقتصادي تؤدي إلى تدمير المجتمع وأسس البناء الاجتماعي وتترك آثارها على عامة أبناء المجتمع ، فالبناء الاقتصادي يسبب نمو علاقات اجتماعية معينة فإذا كانت مشبعة اقتصاديًا أحدثت التماسك والترابط الاجتماعي وإن كانت عكس ذلك ولدت السلوك العدواني ويمكن حصر الأسباب والعوامل الاقتصادية المؤدية إلى تنامي الظاهرة الإرهابية على صعيدين داخلي وخارجي

أولًا:الصعيد الداخلي 

1-التخلف :ينتج بصورة رئيسية عن السياسات الاقتصادية الخاطئة التي لا تتلائم مع الواقع الاجتماعي للدولة بحيث تتكون فجوة تتسع تدريجيًا بين الفقراء والأغنياء والمتعلمين وغير المتعلمين وبين ذوي المصالح الاقتصادية الواسعة وبين فئات اقتصادية مهمشة ويمكن أن يكون ذلك بين من يملك ويحاول زيادة الملكية وبين من لا يملك

2-الحرمان الاقتصادي : بمعنى أن الإرهاب هو النتيجة الطبيعية للفقر وعدم عدالة توزيع الموارد الاقتصادية داخل الدولة ويجب الإشارة هنا إلى فكرة الحرمان النسي لـ  ( تيد جور ) والتي قوامها أن العنف يتولد عن الفجوة الحادثة بين ما يشعر الأفراد أنهم يستحقونه من جهة وبين ما يحصلون عليه من جهة أخرى وارتباطًا بالحرمان النسبي تجد التنظيمات الإرهابية فرصتها سانحة في أوساط الفقراء لتجنيد أعداد كبيرة منهم في صفوفها والحصول على التمويل وعند تطبيق فكرة الحرمان النسبي على المستوى العالمي نجد أن الدول الغنية اقتصاديًا كثيرًا ما تمثل مرمى للعمليات الإرهابية الناجمة عن الصراع بين الفقراء أي الدول الفقيرة والأغنياء أي الدول الغنية.

3-البطالة : إن انتشار البطالة بصورة كبيرة بين الشباب سواء كانت بطالة حقيقة أو مقنعة فإنها تولد شعورًا بالعجز واليأس من ناحية وشعورهم بالإحباط من ناحية أخرى وقد تثير في النفوس مشاعر الحقد وتجعل من ذلك هدفًا سهلًا لأصحاب التوجهات المتطرفة دينيًا وسياسيًا ويمكن استدراجهم باستغلال حاجاتهم وتوظيف نقمتهم للإلتحاق بركبهم كما أن سوء توزيع الموارد والثروات اللازمة للتنمية وتوفير الحاجات الأساسية للناس وعلى نحو غير متوزان بشكل يحدث خللًا في العدالة الاجتماعية مما يفرز قدرًا متعاظمًا من الظلم والتضجر الاجتماعي الجماعي والحرمان النسبي لدى قطاعات متزايدة من السكان وهذا الحرمان لا يكون ناتجًا عن الفقر والافتقار على المستوى الفردي فالقائمين على الأعمال الإرهابية قد يكونوا أغنياء بذاتهم لكن إحساسهم بالدونية والتهميش من قبل الدولة يخلق حالة من الغضب والنقمة لدى فئة معينة تجاه فئات أخرى ورد فعل متطرف مصحوب بعمل إرهابي.

4- عمليات الفساد الإداري والحكومي :وهي التي تساهم بها معظم البلدان والأزمات الاقتصادية المستمرة ابتداء من التضخم والكساد الاقتصادي إلى حالات الكسب غير المشروع في الصفقات التي تتم بشكل غير قانوني مع رجال الدولة أو الدخول في صفقات غير قانونية وظاهرة الرشوة وعدم متابعة آكليالمال العام من الموظفين مهما كانت درجاتهم الوظيفية كل هذه الممارسات تولد لدى الشباب أو الأفراد المحرومين سلوكًا عدوانيًا عنيفًا من الكبت سرعان ما ينفجر بعمل عدواني منظم يستهدف الأشخاص والمؤسسات أو الدولة مما يؤدي إلى تدهور البنية الاقتصادية -الاجتماعية للدولة وهنا يتخذ الإرهاب صورًا عديدة منها حالات النهب والسلب وعمليات الاختطاف المنظمة المصحوبة بدفع فدية مالية معينة تستخدم لتمويل عمليات إرهابية على الصعيد السياسي وعلى أساس ذلك يمكن صياغة معادلة بأن ( الجهل + الفقر والافتقار + القمع والكبت والإقصاء والتهميش = ظاهرة الإرهاب ) ولكن ذلك لا ينفي دور العوامل الخارجية المسببة لظاهرة الإرهاب بل يمكن أن تساعد على تغذيتها وبالشكل الذي يقودها إلى حرب أو صراع اجتماعي مستمر 

وعلى الصعيد الخارجي نظرًا لتعدد المداخل التي يمكن من خلالها معرفة وتشخيص ظاهرة الإرهاب اقتصاديًا على المستوى الخارجي يمكن الإشارة إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام  1972كانت قد شكلت لجنة متخصصة لدراسة الدوافع والأسباب التي تقف وراء شيوع ظاهرة الإرهاب اقتصاديًا وكان تشخيصها للأسباب الاقتصادية والاجتماعية بأن  : 

1-استمرار وجود نظام اقتصادي دولي جائر يمكن أن يقود إلى خلق حالة من الغضب والعداء المستمر بين مختلف الشعوب 

2-الاستغلال الأجنبي للموارد الطبيعية الوطنية والذي يمكن أن ينتج بفعل ظاهرة التبعية 

3-تدمير ما لدى بعض البلدان من سكان وأحياء ووسائل نقل وهياكل اقتصادية 

4-الظلم والاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي

5-الفقر والجوع والشقاء وخيبة الأمل أو الاحباط 

6-تدهور البيئة الاقتصادية الدولية وهيمنة الدول الكبرى على الاقتصاد العالمي 

كل هذه العوامل مجتمعة تشكل محور أسباب انتشار ظاهرة الإرهاب عالميًا إلا أن هناك عوامل أخرى تقف وراء هذه الظاهرة منها حالات التنافس والصراع الذي تشهده الساحة السياسة الدولية فقد أكدت الأحداث أن التطور اللامتكافئ بين الدول المتقدمة والدول التي تسعى إلى النمو وما تمثله ظاهرة التبعية المتسمة بسيطرة الدول المتقدمة وانتشار الأنماط والأساليب المتعددة للجريمة المنظمة التي تعد نتيجة تمرد على الواقع المعاش باتساع الهوة بين عالم الشمال المتطور وعالم الجنوب الساعي إلى التطور مما أدى إلى بروز أساليب متعددة لإرتكاب أعمال إرهابية تعبر عن حالة الرفض للتبعية وللإستعمار والاستغلال على المستوى الدولي

1-الأسباب الاجتماعية والثقافية  : 

تؤثر العوامل الاجتماعية تأثيرًا كبيرًا في انتشار ظاهرة الإرهاب وتسهيل صياغته خاصة لدى فئة الشباب ومن أهم تلك العوامل انتشار ظاهرة الطلاق وتفكك الأسرة مما يجعل الأبناء عرضة للتشرد والاستغلال من قبل العصابات الإرهابية وانخفاض نسبة الزواج لدى الشباب مما يجعل كثيرًاا من الشباب يسعى لكسب الأموال بطرق شرعية وغير شرعية مما يجعله عرضة للعصابات الإرهابية وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية الأولية في قطاع الصحة العام مع ارتفاع أسعار الأدوية والعلاج وعدم مراقبة الدولة لها وتفوق القطاع الصحى الخاص على القطاع الصحى الحكومي مما يسبب تذمر وحقد وكراهية للدولة وانتشار المخدرات بين الشباب وما يترتب عليها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع من دون التفافات الدولة لها ومعالجة الأسباب التي ادت إلى انتشارها وأيضًا التوتر الاجتماعي الاجتماعي الاقتصادي الديموجرافي المواكب لعملية التحديث الاقتصادي أو السياسي أو الأيديولوجي وما يترتب عليه من ظهور مشكلات ومظالم مثل انتشار البطالة وزيادة معدلات الاغتراب وتقدم وسائل الاتصال على نحو يوفر أرضًا خصبة لنمو المنظمات الإرهابية وتيسير سبل التواصل بين أعضاءها 

وأيضًا الهوية والصدام الثقافي ويشار هنا إلى فكرة صامويل هنتجنتون عن صدام الحضارات إذ يرى أن الصدام الحضاري قد يؤدي إلى العنف حيث أن اختلافات الهويات الدينية أو العرقية قد يدفع إلى الصراع سواء بين الجماعات متباين الهوية داخل المجتمع الواحد أو حتى بين مجموعات الدول المتباينة ثقافيًا وحضاريًا على المستوى الدولي

2-الأسباب السياسية  :

من أخطر هذه الانواع هو غياب الوطنية والانتماء للوطن في الأحزاب والكتل السياسية ومنظمات المجتمع المدني فالذي يتولد عن ذلك تشكيلات سياسية منحرفة تهدف إلى تفكيك الدولة وذلك من أجل أن تتغلب المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة، ،والنظام السياسي والمؤسسي حيث يرى البعض أن النظام السياسي الديموقراطي يتيح وسائل سلمية عديدة للتعبير عن الرأي لكنه يقف عاجزًا عن التصدي للإرهاب لأنه يكون مكبلًا بقيد المحافظة على الحقوق المدنية التي قد تتعارض معها تدابير مكافحة الإرهاب أما النظم الاستبدادية فربما تكون أقدر على مكافحة الإرهاب بلجوئها الدائم إلى الوسائل القمعية والاستثنائية دون قيود لكن هذه النظم أيضًا قد تكون سببًا في ظهور وانتشار الإرهاب نظرًا لما تؤدي إليه من مظالم سياسية وأيضًا التحول السياسي وعدم الاستقرار حيث يرى البعض أن عملية التحول السياسي وما يواكبها من ظروف عدم استقرار وخلق فرص سياسية جديدة تشجع تنظيمات العنف الراديكالية على إقحام أجندتها السياسية ، ويرى البعض أن هيكل النظام السياسي والاقتصادي العالمي وما ينطوي عليه من هياكل اقتصادية وتحالفات سياسية والسياسات الخارجية لبعض القوى الكبرى إلى جانب النتائج المترتبة على ظواهر مثل العولمة والهيمنة الأجنبية قد تؤدي إلى ظهور التنظيمات الإرهابية التي تلجأ إلى العنف كتعبير عن رفضها لهذا الواقع وضرورة مقاومته

3- الأسباب السيكولوجية  ( النفسية ): 

يقدم علم النفس الإرهاب إطارًا تحليلًا عميقًا يساعد على فهم الإرهاب في طبقاته الأعمق والأكثر غموضًا في النفس البشرية حيث أن علم النفس يكشف لنا السلوكيات البشرية العنيفة وكيفية اعتمالها  ( التصرفات ، التأثر والتأثير ، ردة الفعل )وبذلك يعتبر علم نفس الإرهاب إحدى الطرق العلمية المفيدة لدراسة الإرهاب من نواحِ عدة : العوامل النفسية لواقع الظاهرة الإرهابية  ( الشخصية الإرهابية ) ،وتحليل الشخصية الإرهابية ، سلوك وسمات الشخصية الإرهابية ، الجذور النفسية للإرهاب والعوامل الإجتماعية المؤدية للإرهاب ، يقول الباحثان الأكاديميان في علم النفس ( كريستين بونارد Christine Bonardi ) و ( بيار منوني Pierre Mannoni )إن نمو الشباب في الأوقات الطبيعية يولد لديهم حاجات نفسية واجتماعية قهرية إلزامية وعادة ما تكون المجتمعات قادرة على منحهم ما يستطيعون به إشباع حاجاتهم ولكن حين تواجه هذه المجتمعات بدورها أزمات ترتبط بشكل خاص بنمو الحداثة قد يقوم بعض الشبان بالالتزام بأفكار وبأفعال قد تكون متطرفة ويعتبر تشكل الهوية في المراهقة ، بما لها من متطلبات داخلية وخارجية تتميز بها ،أحد أهم الرهانات فالهوية ليست معطى بيولوجيًا بل هي موضوع بناء شاق قد ينجح فيه الشاب وقد لا ينجح وخلال هذه المرحلة الدقيقة يمكن أن يكون المرء عرضة لخيارات شخصية خطيرة غالبًا ما تترابط مع عناصر ظرفية وهنا متطلبات الدمج الاجتماعي تمارس بدورها على الشباب ضغطًا يستشعر المرء بعنفه مما يخلق اضطرابًا عميقًا وخيبة أمل تجاه ما يقدمه المجتمع وفي هذه المرحلة العمرية تعاش التجارب العاطفية والانفعالية والمعرفية بكثير من الحدة والكثافة ويسارع الشباب في هذه المرحلة إلى العنف أكثر فأكثر حيث يشعر أن العالم الذي يعيش وسطه عنيف تجاهه وتبعًا لرغبته في التجربة والمخاطرة يكون أكثر عرضة للاستدراج والاستعداد النفسي لديه يدفعه لتقبل فكرة الانتحار خاصة حينما تكون مدفوعة بأفكار تكسب الانتحار قيمة تحكم إلهى وفي هذا السياق يقول (مصطفى حجازي )أن العلاقة بين العنف والشخصية السيكوباتية أصبحت مسألة محسومة فهذه الشخصية تتسم بالأنانية الفردية والجري وراء المصلحة الذاتية من خلال تضليل الآخرين وصولًا إلى استغلالهم سواء ماديًا أو جنسيًا وبالتالي فهو أبعد ما يكون عن الاهتمام بقضية كبرى يضحى بذاته من أجلها ويؤكد هنا على أن التفسير النفسي أيًا كان عمقه لا يجوز بحال أن يبرر هذه الأفعال الهمجية فالتفسير لا يعني الإعفاء من المسؤلية تحت أي ذريعة كانت

وقدحاولت نظريات عدة تفسير الإرهاب ومن هذه النظريات :  

نظرية الاحباط – العداون : 

وهي واحدة من النظريات النزوعية التي اكتسبت شعبية واسعة في مجال تفسير الإرهاب والعنف السياسي بوجه عام وقد جرى تطويرها في البداية على يد ( جون دولارد  John Dollard )في آواخر الثلاثينات ونظرية الإحباط -العدوان هي نظرية بسيطة ومباشرة تذهب الى القول أن العدوان يحدث عندما تتعرض أهداف الفرد إلى الإحباط أو الإعاقة ويؤكد ( دولارد )أن الإحباط يؤدي إلى العدوان دائمًا وأن العدوان هو نتيجة للإحباط وعند تطبيق هذه النظرية على الإرهاب يكون الفعل الإرهابي شكلًا من أشكال الإحلال والإبدال حيث ترى هذه النظرية أن الإرهاب عدوان يتم إحلاله على موضوع آخر غير موضوعه الأصلي فالشخصيات المضطربة للإرهابيين النابعة من الإحباطات الشخصية في حياتهم الخاصة تقودهم إلى القيام بأعمال عنف متطرفة ضد الآخرين ويبدو أن الإحباط يؤدي دورًا مهمًا في النشاط الإرهابي وخاصة عندما لا يتيح النظام السياسي للدولة مخرجًا سويًا آخر للنشاط السياسي وكانت قد أجريت دراسة شهيرة على إرهابيين فيما كان يدعى ألمانيا الغربية في ١٩٨١ و وجدوا أن كثيرًا منهم عانوا مصاعب شخصية في حياتهم المبكرة حيث كشفت الدراسة أن حوالي ربع أولئك الإرهابيين فقدوا أحد الوالدين في طفولتهم ويفترض أن فقد أحد الوالدين يسبب استياء أو شعورًا بالنقص يستدعي الحاجة إلى منفذ ما لتصريفه -من حيث أن معظم الأطفال يعيشون مع والديهم وبالتالي العيش مع واحد منهما فقط قد يطور شعورًا بالإحباط تجاه العالم الخارجي -غير أن نقل هذا التفسير من المستوى الفردي - الذي تعمل النظرية بناء عليه -إلى المستوى المجتمع أو مستوى جماعة واحدة يواجه النظرية بعدد من الصعوبات ويرجع ذلك إلى أن الجماعات ليست مجرد تجمع أفراد ففي كثير من الأحيان تعمل ديناميات الجماعة على التأثير في سلوك الفرد وتوجيه قراراته على نحو يجعلها مغايرة لما يمكن أن يتخذ منها على انفراد

نظرية النرجسية – العداون : 

يأتي مصطلح  ( النرجسية ) من أسطورة نارسيسوس اليونانية يرى بعض الباحثين مثل  ( ريتشارد بيرلشتين  Richard Pearlstein  في كتابه عقل الإرهاب السياسي  The Mind of The Political Terrorist  - و جون كريتون John Crayton   - وجيرولد بوست Jerrold Post )أن النرجسية في حالتها المتطرفة يمكن أن تعطي تفسيرًا للنشاط الإرهابي فالشخص الإرهابي وفقًا لهذه النظرية يكون على اقتناع تام بأهميته في هذا العالم لكن العالم لسوء الحظ لا يشاطره هذا الاقتناع الأمر الذي يؤدي به إلى الغضب النرجسي ومن ثم إلى العدوان ويعبر ( هدسون  Hudson ) عن ذلك بقوله"إذا لم يتم تحييد الذات المعظمة كشكل أولى للنرجسية في ضوء الاختبار الواقعي فإن الذات المعظمة تُنتج أفرادًا معاديين للمجتمع متغطرسين ولا يكنون احترامًا للآخرين وبالمثل إذا لم يتم تحييد الأنا الوالدية المثالية كحالة نفسية في ضوء الاختبار الواقعي فإنها قد تؤدي إلى إحساس بالهزيمة البائسة وهذه الهزيمة النرجسية قد تؤدي إلى ردات فعل غاضبة ورغبة في تدمير مصدر الجرح النرجسي "وتم تطبيق نفس الدراسة الألمانية السابقة عام  1981 ووجد مناصرو نظرية الغضب النرجسي دليلًا على أن العديد من الإرهابيين ( الذين أُخضعوا للدراسة )واجهوا عقبات شديدة في حياتهم الخاصة ويستنتج المحللون بناء على ذلك أن الإرهاب ينتج من الضرر الذي يحيق بتقدير الذات

تفسيرات التحليل النفسي الفرويدية 

زعم فرويد أن البشر يضمرون دوافع لا يكونوا واعيين بها أنفسهم فهي دوافع لا شعورية وهذه الدوافع كثيرًا ما تنطوي على رغبات مبكوتة لأن تلك الرغبات تكون غير مقبولة اجتماعيًا وتتمثل واحدة من هذه الرغبات بالعقدة الأوديبية التي تظهر في مرحلة من مراحل النمو النفسي الجنسي التي يمر بها الفرد في الطفولة حيث يأخذ الطفل في النظر إلى الأب كخصم ومنافس له على حب الأم وعندما لا بتم حل هذا الصراع بنجاح فإنه يؤدي إلى مشكلات مختلفة في حياة الفرد لاحقًا كما يؤكد كلا من  ( كونراد كيلين Konard Kellen – هانز Hans – جواشيم كلاين Joachim Klein  - وكارولس المأجور Carlos the Jackal )أن الكراهية الشعورية أو اللاشعورية للأب قادتهم إلي التمرد على الرموز الأبوية إلى أن وصل بهما الأمر إلى العنف في نهاية المطاف وتحولهما إلى الإرهاب ثم كان إخراج الصراع الشخصي من الداخل بطريقة لا شعورية وتحويله إلى الحياة العامة ، ولقد طور ( إريك إريكسون Eric Erikson ) أحد أتباع فرويد نظرية الهوية السلبية (negative identity theory )حيث رأى فيها أن الصراعات التي لم تحل والفشل في تكامل الشخصية ( بين الهو والأنا والأنا الأعلى )يقود إلى صعوبات عميقة في الحياة لاحقًا ، و طبقت ( جين ناتسون Jeanne Knutson ) هذه المقاربة في تحليلها لإرهابي كرواتي ووصفه ( هدسون )بأنه خاب أمله نتيجة لفشله في تحقيق طموحاته بالحصول على شهادة جامعية فبتنى هوية سلبية وتحول إلى الإرهاب وتنطوي الهوية السلبية على رفض انتقامي للدور الذي تعتبره عائلة الفرد ومجتمعه دورًا مقبولًا ومناسبًا ويبدو أن هذه المقاربة مشابهة لنظرية الإحباط - العدوانوالواقع أن هناك نقطة تلتقي عندها هذه النظريات المتعددة والمتشابهة جدًا وتمتزج بعضها ببعض

العوامل الموقفية  

ثمة ميل طبيعي لدي الإنسان إلى الاعتقاد بأن من يرتكبون عملًا كارثيًا مجانين أو مشوشين على نحو ما وليسوا أسوياء نفسيًا كبقية الناس بكل تأكيد ولا يمكن لطبيب نفسي أن يشخصهم كعقلاء ليقحموا أنفسهم في مثل هذه الأعمال وتعزز وجهة النظر هذه في الإرهاب بالصور التلفزيونية التي تُظهرهم وهم يلوحون بأصابعهم بعلامة النصر بعد ارتكاب الأعمال الإرهابية يتحملوا مسؤليتها ولكن هناك أسباب عديدة تلقى بظلال الشك على هذا الاعتقاد لعدة أسباب منها  :

أولًا :تشير البحوث إلى أن ثمة قوى محيطة قد ترغمنا على السلوك بما يتعارض مع ما نحمله من قيم فهناك أشخاصًا عاديين تحملوا مسؤولية أعمال شنيعة ومروعة وإذا كان بإمكان أشخاص أسوياء ارتكاب مثل هذه الأفعال يجب ألا نستغرب ان يقوم أشخاص أسوياء بالقدر ذاته بإرتكاب فظائع مشابهة بإسم قضية أيدولوجية في ظل الاغراءات الاجتماعية المناسبة ويوحي تحليل ( فيليب زمباردو Philip Zimbardo )لسيكولوجية الشر في كتابه تأثير الشيطان أن هناك خطًا رفيعًا بين الصواب والخطأ خطًا يمكن أن يكون الاستعداد لقطعه أقوى بكثير مما نعتقد 

ثانيًا :هناك بعض الأدلة تشير إلى أن معظم الإرهابيين يشعرون بأنهم ليس لديهم خيارًا آخر غير أن يقوموا بالأعمال الإرهابية و ربما يشعرون أنهم في شرك أو أن الأبواب قد سُدت في وجوههم ولا يستطيعون إلا اللجوء إلى العنف السياسي للوصول إلى أهدافهم وقد وجد  ( تايلر وكويل Taylor and Quayle )أن القاسم المشترك بين الإرهابيين هو الاعتقاد بأنهم في حالة دفاع عن النفس ضد العدو وبأنهم يشعرون أن العنف ما هو إلا الاستجابة الحتمية لذلك التهديد الخارجي وربما هؤلاء الأفراد يبالغون في تقدير دور الظروف الخارجية في توجيه سلوكهم ومن المعقول الافتراض بأن بعض الظروف لا تتيح لنا كثيرًا من الخيارات ففي الأنظمة السياسية القامعة بوجه خاص قد يكون الإرهاب حقيقة هو المسار الوحيد المتاح لأولئك الذين يسعون إلى التغيير فالمجتمعات القعمية تفتقر إلى الأبطال الرمزيين ويبرز واحد كأسامة بن لادن ليكون نموذجًا أكثر جاذبية من أي شئ حوله وتبدو طرائقه أكثر جاذبية من أي شئ متاح

 ويوضح ( بيورغو Bjorgo )  أن هناك قائمة طويلة بالأعمال الموقفية التي تمثل الأسباب العميقة للإرهاب وتشمل 

- الافتقار إلى الديموقراطية والحريات المدنية وسيادة القانون

- فشل الدولة او ضعفها

- تحديث البلاد بوتيرة سريعة

- ظهور أيديولوجيات متطرفة ذات طبيعة علمانية أو دينية

- سوابق تاريخية من العنف السياسي أو الحروب الأهلية أو الثورات أو الديكتاتوريات  أو الفساد

- الهيمنة وعدم المساواة في القوة

- الحكومات الفاسدة أو غير الشرعية

- وجود قوى خارجية متنفذة داعمة للحكومات الغير شرعية

- التعرض لقمع الاحتلال الأجنبي أو القوى الكولونيالية

- التعرض للتمييز على أساس إثني أو ديني

- عدم استعداد الدول لدمج الجماعات المنحدرة من أصول مختلفة أو دمج الطبقات الإجتماعية المنبثقة حديثًا

- التعرض للغبن الاجتماعي أو عدم العدالة

- ظهور  قادة كاريزماتيين 

- وقوع أحداث مثيرة تهيئ للتطرف

وبطبيعة الحال لابد أن يكون لبعض هذه العوامل تأثيرًا أكثر من غيرها وكما أن النزعات لاتحكي قصة النشاط الإرهابي وحدها كذلك فإن لأثر العوامل الموقفية حدودًا أيضًا فمثلاً العوامل الاقتصادية  تًظهر  جليًا أن هذه العوامل وحدها لا تقدم تفسيرًا كافيًا لأسباب لجوء بعض الناس إلي النشاط الإرهابي فالفقر ليس هو السبب الوحيد للإرهاب وفي حين أن بعض الجماعات الإرهابية تعاني ضائقات اقتصادية في طبيعتها فإن هذا بالتأكيد ليس حال القاعدة لأن اهتمامات قادتها اهتمامات دينية وسياسية بكل وضوح لا اقتصادية علاوة على ذلك ما الذي يجعل أفراد بعينهم ممن يعانون ظروفًا اقتصادية صعبة يستجيبون لهذه الظروف بشكل عنيف بينما يبدو آخرون متقبلين لها كجانب محتوم من جوانب مصيرهم ؟ 

وبينما تعاني المنظمات الإرهابية جميعها قدرًا من المصاعب تستخدمها لتبرير عنفها السياسي وإسباغ الشرعية عليه إلا أن بعض هذه الجماعات تتمكن من التغلب على معاناتها مع الوقت ، فالإرهاب كثيرًا ما يقوم على مظالم حقيقية أو متخيلة وبغض النظر عما إذا كانت تلك المظالم قد وقعت في وقت او آخر فإن المنظمات الإرهابية تستطيع تغيير هوية هذه المظالم وطبيعتها بمهارة بالغة لتجعلها تتناسب مع عهودها المعلنة ، وبينما تعاني المنظمات الإرهابية جميعها قدرًا من المصاعب تستخدمها لتبرير عنفها السياسي وإسباغ الشرعية عليه إلا أن بعض هذه الجماعات تتمكن من التغلب على معاناتها مع الوقت

نموذج العملية لهورغان  :

أخذ هورغان بتطوير نموذجه النظري لتفسير ظاهرة الإرهاب في ضوء نقاط الضعف التي تكتنف النظريات النزوعية كما يؤكد أنه لابد من فهم المواقف التي تجعل أفرادًا معينين عرضة للاستجابة لها بالانضمام إلى جماعات إرهابية كما يرى أن القوى الموقفية ماهي إلا شروط مسبقة لظهور النشاط الإرهابي فهي شروط ضرورية وليست كافية لوقوع الإرهاب ويؤكد ( هورغان ) أن السعي لتحديد الأحداث الحافزة التي تعمل كعوامل دفع واضحة تدفع نحو الإرهاب قد يكون سعيًا مضللًا فمن الأجدى البحث عن الأسباب التي تجعل أفرادًا بعينهم يتأثرون بهذه الأحداث ويرى أيضًا أن عملية التحول إلى الإرهاب عملية متدرجة في العادة تتضمن سلسلة من الخطوات الصغيرة وأن هناك عددًا من العوامل التي قد تكون حاسمة وتشمل هذه العوامل حساسية الفرد  للمكافآت الإيجابية التي يأتي بها انضمامه إلى جماعة إرهابية

 فقد تحظى هذه العضوية بمكانة اجتماعية متميزة والانتحاريون قد يحققون مكانة عظيمة بعد موتهم وقد تجلب مثل هذه العضوية رضًا مجتمعيًا وترابطًا أيديولوجية مع أفراد من عقلية مماثلة وقد يدفع الاحترام لرموز الحركة إلى الانخراط في نشاط إرهابي وقد تؤدي الضغوط المجتمعية وحتى التجنيد الإلزامي دورًا في دفع الفرد إلى الانضمام إلى الجماعة الإرهابية وقد يكون هناك تأثير لتشجيع الأشخاص المهمين في حياة الفرد على الانضمام إلى مثل هذه الجماعات وعلى الرغم من صعوبة تحديد ما يجعل أفرادًا بعينهم أكثر قابلية من غيرهم للانضمام إلى جماعة إرهابية فإن ( هورغان ) يرى أن الاعتقادات التي يحملها الفرد وتنشئته الاجتماعية وخبراته الحياتية وإحساسه بعدم الرضا عن الحياة

الإرهابي الإنتحاري 

يعرف ( أمي بيدازر Ami Pedahzur )الإرهاب الانتحاري بأنه يشمل أشكالًا متنوعة من الأفعال العنيفة التي يرتكبها أشخاص يعرفون حق المعرفة أن احتمال عودتهم بعد القيام بها قريب من الصفر أما  ( أساف مغادام  Assaf Moghadam )يقول أن نجاح الهجوم في هذا النوع من الإرهاب يعتمد على موت المهاجم ويستبعد هذه التعريف كل هجوم يتوقع فيه المهاجم التعرض للموت دون أن يكون موقنًا بذلك ، وعلى الرغم من وجود هذا التكتيك منذ أجل طويل إلا أن ممارسة التفجير الانتحاري تُعد حديثة وهناك اتفاق بوجه عام على أنه بدأ في أوائل الثمانينات وفيما يخص العلاقة بين الإرهاب الإنتحاري والإسلامية المتطرفة يقول ( روبرت بيب Robert Pape) "أن العلاقة بين الإرهاب الانتحاري والأصولية الإسلامية أو أي مذهب ديني من العالم علاقة محدودة غير أن ما تشترك فيه الهجمات الانتحارية حميعها هو هدف علماني استراتيجي محدد كدفع الدول الديموقراطية المتطورة إلى سحب قواتها العسكرية من مناطق يعتبرها الإرهابيون وطنهم ونادرًا ما يكون الدين أصل القضية على الرغم من أنه كثيرًا ما يستخدم من جهة المنظمات الإرهابية كأداة لتجنيد الأعضاء وغير ذلك من الجهود التي تبذلها المنظمات في خدمة أهدافها الاستراتيجية الأوسع 

وترى  ( مارثا كرينشو Martha Crenshaw ) والتي تتبنى المنظور الاقتصادي لتفسير الإرهاب أن معظم السلوك الإرهابي يمكن تفسيره كإستجابة عقلية - ذرائعية للموقف الذي يواجهه الفرد- تقوم على تحليل الأرباح والتكاليف ولكن الإرهابي الإنتحاري يمثل تحديًا قويًا لمنظور الإنسان الاقتصادي أو الخيار العقلاني فما الذي يجعل الفرد العقلاني الذي يسعى لتعظيم أرباحه من وجهة نظرهم يختار تدمير حياته بنفسه ؟ والواقع أن  نماذج الإنسان العقلاني الكلاسيكية تفترض أن الأفراد سيختارون السير في ركاب الجماعة إذا كانوا سيجنون الأرباح ذاتها سواء قاموا هم شخصيًا بالعمل أو لم يقوموا به  (فإذا حققت الجماعة ربحًا بالعمل الإرهابي فإنه سيصل إلى الفرد شئ من هذا الربح فلماذا يكون هو من يقوم بالإرهاب الانتحاري ؟  )وتؤكد  مقاربة الإنسان الاقتصادي أن الأفراد سيختارون البديل الذي يحقق القدر الأكبر من الفائدة لهم نسبة إلى التكاليف ولكن أرباح المنظمة لن تكون كافية للفرد إذ لا بد من أن تفوق الأرباح الشخصية للعملية الإنتحارية تكاليف  ( الشهادة )في نظر الأفراد ولكن افتراض أن حياة الفرد لن تنتهي بموته في حقيقة الأمر وأن هناك أرباحًا سماوية تفوق التكاليف الدنيوية في نهاية المطاف وهذا يصدق على من يحملون هذه الاعتقادات، ويبدو أن هذا ينطبق على المتدينين الراديكاليين الأمر الذي يضع مبدأ العقلانية برمته موضع تساؤل ، ولكن يرى  ( أساف مغادام ) أن تفسير الإرهاب تفسيرًا وافيًا يتطلب مقاربة سببية متعددة المستويات حيث أن أي هجوم انتحاري يكون نتيجة لثلاث مستويات من المتغيرات هم  : المستوى الفردي ، مستوى المنظمة ومستوى البيئة أما المستوى الأول فيمثل العوامل النزوعية وأما المستوى الثاني فيمثل العوامل الموقفية وأما المستوى الثالث فيمثل القوى الموقفية الأبعد  : الاجتماعية ، الثقافية ، الاقتصادية و السياسية ، فالمستوى الأول  : المستوى الفردي فيرى ( مغادام )أن معظم المفجرين الانتحاريين يحملون عددًا من الدوافع لسلوكهم الإرهابي حيث يرى  ( فاميك فولكان )أن التعرض للإهانة في الحياة المبكرة يؤدي إلى نشوء شخصيات مضطربة ويرى  (مغادام )أن المفجريين الإنتحاريين يكونون مدفوعين بانفعال الإنتقام أما في الحالات الدينية يكون الدافع إلى نيل الثواب في الحياة الآخرة امرًا مهمًا ولكن ليس في الحالات العلمانية التي أوضح  ( بيب )أنها الأكثر شيوعًا كما يرى ( حافظ )أن التفجير الإنتحاري قد ينجم عن إحساس بالواجب تجاه القيم الخاصة للفرد أو تجاه العائلة أو الأصدقاء أو المجتمع أو الدين وقد يُنظر إلى التقاعس عن الفعل كخيانة للمثل العليا أو للبلاد أو لله ، وهذه الدوافع والإدراكات تأتي من الظروف الموقفية وهو المستوى الثاني ويرى ( مغادام )  أن نادرًا ما يقوم فرد بعمل إرهابي على عاتقه وإنما يتم القيام بالعمل الإرهابي من أفراد ينتمون إلى منظمات أو جماعات أو خلايا تابعة لشبكة أوسع ، فالمفجر الإنتحاري يحتاج إلى خبرة تقنية ومساعدة مالية ودعم اجتماعي ومساعدة في التخطيط كما يحتل المستوى التنظيمي أهمية كذلك لأن دوافع المنظمة ودوافع الفرد قد تختلف فقد تشعر المنظمات أن الوسائل الانتحارية غير مكلفة أو انهم قد يتبنونها لأن غيرها قد تفشل أو لأنها تعزز قوة المنظمة وتزيد حضورها أو لأن الهجمات الإنتحارية تلقى اهتمامًا إعلاميًا على مستوى وسائل الإعلام العالمية 

المستوى الثالث : المستوى البيئي الذي يهيئ الشروط المولدة للإرهاب بما في ذلك النوع الإنتحاري منه ويفيد(مغادام)  أن تأثير القوى التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بتباين الموقف ولكن هناك ميل إلى المبالغة في تأثير العوامل الاقتصادية كذلك فإن تأثير الإطار السياسي قد يختلف من حالة إلى أخرى فلم تخرج الدول الفقيرة جميعها إرهابيين وليس كل المجتمعات التي خضعت للإحتلال انتجت مفجرين انتحاريين وبالمقابل هناك عوامل ثقافية ودينية قد تمنع التفجر الانتحاري الأمر الذي لم يلق الاهتمام الكافي من معظم المعلقين ومع ذلك فـإنه من الواضح في كثير من الحالات أن الإطار الديني والسياسي يؤدي بشكل مباشر إلى ظهور الصراع الاجتماعي والذي يؤدي بدوره إلى الإرهاب الإنتحاري ويفيد (مغادام )  أن العامل المشترك بين جميع المناطق والأمم التي يُمارس فيها التفجير الإنتحاري يتمثل في وجود  ( ثقافة الشهادة )والتي تشير إلى منظومة من الأعراف الإجتماعية تسمح أو تشجع قتل الإنسان لنفسه كعمل نبيل أو شجاع أو بطولي على نحو ما  ،غير أن القوى الموقفية كما هو الحال في القوى النزوعية لا تستطيع تفسير الإرهاب الانتحاري وحدها ويؤكد  (مغادام ) أن الإرهاب الانتحاري ينتج من تفاعل هذين النوعين من القوى.

ومن أهم الدراسات الأخرى التي عنيت بدراسة بواعث الإرهاب تلك الدراسة الصادرة عن برنامج البحوث الممول من المفوضية الأوروبية والمعنون بالإرهاب عبر الحدود ، الأمن وحكم القانون ويؤكد القائمون على هذه الدراسة أن هناك أسبابًا جذرية للإرهاب وأخرى موجهة له ويحددون الأسباب الجذرية في  : عمليات التحديث السريع والتحضر التي أدت بقوة إلى ظهور الإرهاب الإيديولوجي - نعدام الديموقراطية والحريات المدنية وحكم القانون والتي هي أمور من شأنها أن تخلق أنواعًا من الإرهاب داخل الدولة - عمليات القمع التي تصدر من المحتل الأجنبي أو القوى الاستعمارية - الشعور بالتمييز على أسس عرقية أو دينية - السوابق التاريخية للعنف السياسي

وأما الأسباب الموجهة تتمثل في  :الأحداث التي تفجر الانتقام أو الصراع مثل الصراعات الانتخابية أو التعامل الوحشي للشرطة - انعدام فرصة المشاركة السياسية - انتشار المظالم في صفوف قطاعات من السكان -الرغبة في تطوير الذات من خلال الصعود الاجتماعي بالانتماء إلى مجموعة قوية 

وأبرزت الدراسة مجموعة من المداخل تفسر بواعث ظاهرة الإرهاب ومن أبرزها  :

1-المدخل العقلاني أو التنظيمي  : وهو يركز على أن الإرهاب هو نهج سياسي عقلاني منظم ( مؤسسي )كما أنه يمثل نتاجًا لعمل جماعي لا قرارات فردية أو مبادرات شخصية 

2-المدخل البنيوي أو السياسي  :ويركز هذا المدخل على أن أسباب الإرهاب كامنة في البيئتين الوطنية والدولية ويتمثل أظهرها في الفقر والقهر وعدم المساواة 

3- المدخل النفسي :يأخذ المدخل النفسي في الحسبان دوافع الأفرد الذين يلجأون إلى الإرهاب والتركيز على الخصائص

 الشخصية والمعتقدات والتوجهات 

4- مدخل المسببات المتعددة : وهو يؤكد على أن هناك جملة مسببات متنوعة تفضي إلى ظاهرة الإرهاب وبالتالي وجود متغيرات سببية عديدة يتعين أخذها في الحسبان فهو مدخل يدمج الاعتبارات النفسية والسياسية والدينية والاقتصادية والعوامل الاجتماعية في التحليل لفهم ظاهرة الإرهاب

أبرز الجهود والإسهامات لمحاربة الإرهاب 

1-جهود الأمم المتحدة  : 

في العقود الأخيرة من القرن العشرين مضت الدول الأعضاء قدمًا في عملها في مجال مكافحة الإرهاب عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة على كل من المسارين القانوني والتنفيذي والتي توصلت إلى اعتماد العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية التي تتناول الإرهاب وتوِّج عملها باعتماد استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب في  8 سبتمبر 2006 وقد شدّدت الدول الأعضاء على أهمية الصكوك الدولية القائمة لمكافحة الإرهاب ومن أهم هذه الصكوك  : 

1- اتفاقية طوكيو الموقّعة في 1963 الخاصة بالجرائم وبعض الأعمال الأخرى المرتكبة على متن الطائرات والتي دخلت حيّز التنفيذ في  عام 1971

2- اتفاقية لاهاي الموقّعة في 1970حول منع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات والتي دخلت حيّز التنفيذ في  عام 1971

 3- اتفاقية مونتريال 1971حول قمع الأعمال غير المشروعة الموجّهة ضد سلامة الطيران المدني أصبحت نافذة في 1973

 4-بروتوكول مونتريال 1988  الخاص بقمع أعمال العنف غير المشروع في المطارات التي تستخدم الطائرات المدنية

5-اتفاقية جنيف  1980الخاصة بالحماية المادية للمواد النووية وتفادي الأخطار المحتملة من استخدامها بطريقة غير مشروعة

6-اتفاقية روما  1999حول قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية والسفن سواء كانت حربية أم تجارية أم سياسية

7- اتفاقية إدانة القرصنة الدولية للعام  1988

8- اتفاقية نيويورك 1973الخاصة بمنع الجرائم ضد الدبلوماسيين أو المتمتعين بحماية دولية والتي دخلت حيّز التنفيذ في 1977وقد اشتملت هذه الاتفاقية على أحكام تفصيلية عن الأفعال المرتكبة ضد الشخصيات المحمية دوليًا مثل رئيس الدولة ورئيس الحكومة

9- اتفاقية نيويورك حول الرهائن 1979 وهي ترمي إلى مكافحة الإرهاب الدولي وخصوصًا الجرائم الخاصة باحتجاز الرهائن إذ اعتبرت هذه الجرائم ضمن جرائم أخرى انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي

10- اتفاقية مكافحة العمليات الإرهابية بواسطة المتفجرات 1997

11-اتفاقية منع تمويل الإرهاب   1999

12- الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي 2005 وهي تشمل مجموعة كبيرة من الأفعال والأهداف الممكنة بما في ذلك منشآت الطاقة النووية، والمفاعلات النووية

13- إستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب 

حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب في 2006بهدف تحسين الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في هذا المجال وللمرة الأولى تتفق الدول الأعضاء جميعها على نهج استراتيجي موحّد لمكافحة الإرهاب واتخاذ خطوات عملية فرديًا وجماعيًا لمنعه ومكافحته وتضمّنت هذه الإستراتيجية العالمية خطة عمل تناولت مجموعة كبيرة من التدابير الرامية إلى معالجة الظروف المساعدة على انتشار الإرهاب ومنعه ومكافحته ، وبناء قدرات الدول على التصدّي له وتعزيز دور الأمم المتحدة في هذا الصدد وضمان احترام حقوق الإنسان، والتمسّك بسيادة القانون في مكافحة الإرهاب وتدعو الإستراتيجية الدول الأعضاء إلى العمل مع منظومة الأمم المتحدة لتنفيذ أحكام خطة العمل الواردة في الإستراتيجية كما تدعو في الوقت ذاته كيانات الأمم المتحدة إلى مساعدة الدول الأعضاء في جهودها وتتخذ إدارات الأمم المتحدة وبرامجها وصناديقها ووكالاتها إجراءات في عدد من المجالات تماشيًا مع الإستراتيجية بصفتها الفردية وتقوم فرقة العمل حاليًا بتنمية التعاون مع عدد من المنظّمات الإقليمية ودون الإقليمية من بينها  : منظّمة المؤتمر الإسلامي  (OIC) المنظّمة الإسلامية للتربية والعلم والثقافة (ISESCO) الإتحاد الأوروبي  (EU)  المجلس الأوروبي (COE) ومنظّمة الأمن والتعاون في أوروبا  (OSCE)

وفي الإشارة إلى دور مجلس الأمن حيث قام في 2001 في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة أنشأ مجلس الأمن لجنة لمكافحة الإرهاب بموجب القرار  1373المكلَّفة القيام بدور الرقابة ومهمة دعم مجمل أنشطة مكافحة الإرهاب بما يشمل من تقديم الدعم المؤسساتي للدول الأعضاء التي تحتاج إلى هذا الدعم وتسعى اللجنة إلى تعزيز قدرة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على منع وقوع أعمال إرهابية داخل حدودها، وفي المناطق التي تقع فيها على حد سواء وبهدف مساعدة أعمال اللجنة اتخذ المجلس في العام   2004 القرار 1535الذي دعا إلى إنشاء مديرية تنفيذية لمكافحة الإرهاب ويلزم القرار الدول الأعضاء تنفيذ عدد من التدابير من بينها  :تجريم تمويل الإرهاب القيام من دون تأخير بتجميد أي أموال لأشخاص يشاركون في أعمال الإرهاب ، منع الجماعات الإرهابية من الحصول على أي شكل من أشكال الدعم المالي، عدم توفير الملاذ الآمن ، أو الدعم أو المساندة للإرهابيين ، تبادل المعلومات مع الحكومات الأخرى عن أي جماعة تمارس أعمالاً إرهابية أو تخطّط لها، التعاون مع الحكومات الأخرى في التحقيق في تلك الأعمال الإرهابية، واكتشافها، واعتقال المشتركين فيها وتسليمهم وتقديمهم للعدالة، وتجريم مساعدة الإرهابيين مساعدة فعلية أو سلبية في القوانين المحلية،وتقديم مخالفيها للعدالة وتوقيع اتفاقيات الأمم المتحدة والتصديق عليه والانضمام إلى الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب 

2-الاتحاد الأوروبي 

على أثر أحداث  11 سبتمبر2001قام الاتحاد الأوروبي بتنفيذ قرارات مجلس الأمن وفي  28 سبتمبر 2001اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة عمل لمكافحة الإرهاب وهي تتضمّن سلسلة واسعة من التدابير يتعيّن اتخاذها في مختلف القطاعات (التعاون القضائي، التعاون بين أجهزة الشرطة، سلامة وسائل النقل، مراقبة الحدود وتأمين الوثائق، مكافحة التمويل الحوار السياسي والعلاقات الخارجية، والدفاع ضد هجمات الأسلحة البيولوجية والكيميائية والمشعة والنووية).  وقد أدت العمليات الإرهابية في مدريد في 2004 ولندن في 2005إلى تكثيف التعاون في مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي وإكمال خطة العمل بإضافة المزيد من التدابير والإجراءات إليها وقد اعتمد المجلس الأوروبي الذي انعقد في 2004 إعلانًا حول التضامن ضد الإرهاب يفرض واجب تقديم الدعم بكل الأدوات المتاحة بما في ذلك الموارد العسكرية للدولة العضو في الاتحاد التي تتعرّض لهجوم إرهابي ،وفي إطار الجهود الأوروبية في مكافحة الإرهاب إعتمد المجلس الأوروبي في 2004 إجراءات منها تعزيز القدرات الإستخباراتية على المستوى الوطني والإقليمي وعلى مستوى المنظّمات الدولية كذلك أقرّ المجلس الأوروبي في 2005 إستراتيجية الاتحاد الأوروبي ضدَّ الإرهاب التي تقوم على أربع ركائز أساسية هي :الوقاية من ظاهرة الإرهاب ، حماية المواطنين والبنية التحتية والنقل عبر دعم هياكل الأمن ، تعقّب الإرهابيين بمعنى السعي لمنع المجموعات الإرهابية أو الإرهابيين كأفراد من التواصل في ما بينهم  ومن التحرك بحرّية  ومن التخطيط لعمليات إرهابية وذلك عبر تفكيك الشبكات التي توفّر لهم الدعم والتمويل ، والردّ بمعنى القدرة على إدارة آثار العمليات الإرهابية ممكنة الوقوع وتخفيف وقعها من منظور يقوم على التعاون والتضامن بالإضافة إلى ذلك ثمة اعتراف متزايد بأهمية القيام بعمل وقائي واسع النطاق على أساس الحوار بين الثقافات والأديان من أجل تعزيز المعرفة والتفاهم المتبادل وبالتالي تضييق المجال الذي تنشط فيه الدعاية الأصولية وأعمال تجنيد الإرهابيين

3-جامعة الدول العربية  : 

. تولي جامعة الدول العربية مكافحة الإرهاب الذي يهدّد أمن الدول العربية واستقرارهاويشكّل خطرًا على مصالحها الحيوية إهتماماَ متزايدًا سواء على المستوى العربي أو الدولي والتزامًا منها بميثاق هيئة الأمم المتحدة توصّلت جهود البلدان العربية إلى إبرام الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب في اجتماع مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب الذي انعقد في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة في  1988وحدّدت الاتفاقية أسس التعاون العربي في محاربة ظاهرة الإرهاب فشملت في المجال الأمني سلسلة من التدابير لمنع الجرائم الإرهابية ومكافحتها وتعهّدت الدول المتعاقدة عدم تنظيم الأعمال الإرهابية أو تمويلها أو ارتكابها أو الاشتراك فيها بالإضافةً إلى القبض على مرتكبي الجرائم الإرهابية ومحاكمتهم وفق القانون الوطني أو تسليمهم وحرصت جامعة الدول العربية قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 وبعدها على متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة وأكدت دعمها في إعداد اتفاقية الأمم المتحدة الشاملة في شأن الإرهاب الدولي تتضمن تعريفًا محدّدًا للإرهاب متفقًا عليه دوليًا يميّز بين الإرهاب وحق الشعوب المشروع في مقاومة الاحتلال وتواصل جامعة الدول العربية أيضًا جهودها لإعداد مشروع اتفاقية عربية حول جرائم الحاسوب الذي يتضمن بنودًا حول مكافحة استخدام الإنترنت لأغراض إرهابية

مما سبق نلاحظ أن الإرهاب ذو اتجاهات متعددة سواء من ناحية التعريف أو التفسيرات أو حتى أنواعه ويرجع ذلك لتطور الظاهرة وتفاقمها عبر التاريخ مما أوجد صعوبة في تحديدها فهناك من ركز على العنف في تعريفه وتفسيره ومن ركز على الخوف ومن ركز على الدعاية مما يفسح المجال أمام العديد من وجهات النظر ومن النتائج التي تم التوصل إليها 

1- تعددت الاتجاهات التي تناولت ظاهرة الإرهاب وأسبابها ولكنها تتفق في القول بأن ظاهرة الإرهاب ظاهرة مركبة معقدة ولها أسباب كثيرة متداخلة وتتنوع الاستنتاجات بحسب اختصاصات الباحثين 

2- أن مصطلح الإرهاب من أكثر المصطلاحات استقطابًا للجدل القانوني والدولي في تحديد مفهومه واستجلاء عناصر هذا المفهوم ومكوناته 

 

المصادر والمراجع:

خيري عبد النبي جماعة أبوغرارة سلامة ، بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراة بعنوان :الإرهاب في القانون الدولي العام ، كلية الشريعة والقانون جامعة الإمام المهدي ، جمهورية السودان ،2018 

أحمد محمد وهبان ، اتجاهات تحليل ظاهرة الإرهاب تطورها – مدلولها – بواعثها " دراسة مسحية للأدبيات المعاصرة " ، مجلة جامعة الملك سعود ، 2015 ، الرياض.

د.احمد محمد وهبان ، ظاهرة الإرهاب بين صورها التقليدية وأنماطها المستحدثة " دراسة محكمة " ، الجمعية السعودية للعلوم السياسية ، جامعة الملك سعود ، الرياض ، 2015.

عادل عنتر ، محاضرات في المشكلات السياسية الدولية ، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية ، جامعة الإسكندرية ، 2020.

كمال عبد الله أحمد المهلاوي ، الإرهاب فقهًا وقانونًا ، مجلة كلية الشريعة ، العدد الأول ، 2018 ، جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم 

د. عبد الأمير عيسى الأعرجي ، التطور التاريخي لنشوء الفرق الإرهابية والجذور الفكرية للتطرف ، مجلة العقيدة ،، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ، 2015 ، العدد 6.

علم نفس الإرهاب : الأفراد والجماعات الإرهابية ، مركز المسبار للدراسات والبحوث ، مايو 2017

دايفد باتريك هوتون ، علم النفس السياسي ، ترجمة : ياسمين خالد ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، ، الطبعة الأولى ، 2015، بيروت .

العميد الركن إلياس أبو جودة ، الإرهاب والجهود الدولية والإقليمية ومكافحته ، مجلة الدفاع الوطني اللبناني ، العدد 91 ، 2015 ،لبنان

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia