حساب جديد ادعمنا

الاشتراكية - Socialism

الاشتراكية، هي نظام أو أيدلوجيا اقتصادية واجتماعية، تدعو إلى الملكية العامة بدلا من الملكية الخاصة، أي السيطرة على الممتلكات والموارد الطبيعية، حيث يرى الاشتراكيون أن الأفراد لا يعيشون أو يعملون بمعزل عن المجتمع، بل يعيشون بالتعاون مع بعضهم البعض، وكل ما ينتجه الناس هو نتاج للمجتمع كله، ومن يساهم في إنتاج سلعة يحق له الحصول على حصة فيها، ولذلك، ينبغي للمجتمع أن يمتلك كل شيء، أو على الأقل يتحكم في الممتلكات لصالح جميع أعضائه. 

وبموجب ذلك النظام، تنتهي الملكية الفردية، بمعنى عدم امتلاك الأفراد أي ثروة تحتاج في استغلالها إلى عمالة، لكن من الممكن أن يمتلك أدوات البيت والملابس الشخصية والمسكن، طالما أن هذا الملك لا يضر الآخرين، وتهدف الاشتراكية من وراء نزع ملكية الفرد إيجاد فرصة لتساوي الناس في الإثراء، وعندها يلغى الإرث، لأنه ينافي الحرية الاقتصادية، التي تساوي بين الناس، ولا تميز أحدهم عن الآخر إلا بالميزات الطبيعية.

الأصول التاريخية:

ظهرت الأفكار التي تؤيد الملكية العامة منذ زمن قديم مع نشوء المجتمع الطبقي، فكانت تعبيرا عن رغبة الطبقات المضطهدة في الخلاص من الظلم والاستغلال نحو حياة أفضل، ومع بداية القرن الثامن عشر بدأت الأفكار الاشتراكية تتبلور بشكل أوضح ويصبح لها منظرين.

وكان هذا التطور نتيجة للثورة الفرنسية (1789)، والتي جسدت الآمال في الحرية، والتخلص من استغلال الملكية الإقطاعية، وانتهت الثورة بالقضاء على الحكومة الملكية، ولكن بعدها ظهرت طبقة حاكمة جديدة ليستمر اضطهاد الجماهير تحت شعار الديمقراطية البرجوازية، ولكن لما كان من غير الممكن تحقيق ديمقراطية حقيقية مع الاستمرار في وجود من يملك، وبالتالي يحكم ويتحكم في أقدار الآخرين، فسرعان ما ظهر لجماهير الكادحين أن الثورة لم تحقق آمالهم.

أما الثورة الأخرى التي كان لها أكبر الأثر في تطور الأفكار الاشتراكية فكانت الثورة الصناعية في إنجلترا في القرن الثامن عشر، والتي كانت نتيجتها الفعلية المزيد من الشقاء لآلاف العمال من الأطفال والنساء والرجال الذين أصبح عليهم أن يعملوا في المصانع لمدد تصل إلى 14 – 16 ساعة يوميا، ورغم تطور الإنتاجية وتحقيق الوفرة المجتمعية إلا أن الوضع استمر في وجود طبقة حاكمة تملك وسائل الإنتاج الرأسمالية (الثروة)، وبقاء الأغلبية في الفقر.

ولذلك تطورت الاشتراكية لمعارضة تجاوزات الفردية الليبرالية والرأسمالية، في ظل الاقتصادات الرأسمالية المبكرة خلال أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث شهدت أوروبا الغربية الإنتاج الصناعي ومضاعفة النمو الاقتصادي بوتيرة سريعة، وارتفعت الثروات بسرعة إلى بعض الأفراد والأسر، بينما ازداد آخرون فقرا، مما أدى إلى عدم المساواة.

ونتج عن هذا النمط الرأسمالي حالة استقطاب داخل المجتمع، أظهرت طبقتين متعارضتي المصالح هما: أصحاب رأس المال (البورجوازية)، والعمال (البروليتاريا)، ومع تشكل الوعي لدى طبقة العمال بمدى سوء أوضاعها الاجتماعية، وحجم استغلال أصحاب العمل لها؛ برزت حركة عمالية منظمة تدافع عن حقوق العمال، وتطالب بتحسن أوضاعهم المعيشية.

الأفكار والمبادئ الاشتراكية:

تهدف الأيدلوجيا الاشتراكية إلى مجتمع أكثر عدلا، وذلك بالقضاء على الرأسمالية، ويمكن إبراز أهم أفكارها في:

1- العنصر الفلسفي: تنطلق الاشتراكية من الحكم بأن المجتمعات ظالمة تحتاج إلى تغيير، وتأتي حتمية التغيير في ظل حياة تقوم على صراع المتناقضات، التي تنشأ عن ظروف موضوعية. 

2- العنصر الاقتصادي: وهو من أهم الأسباب المسؤولة عن حركة المجتمع، من حيث تناسب الدخول، والربحية، وتوزيع فوائض المجتمع، ولذلك يرى الاشتراكيون أن الوسيلة الفضلى لتحقيق الفائدة العامة تكون بنقل ملكية الأفراد إلى الدولة (التأميم).

3- العنصر النضالي: يعد النضال اليومي أساس التغيير الثوري الاشتراكي، وتأتي فعالية العمل النضالي كلما كان أكثر تنظيما.

واتفق الاشتراكيون بشكل عام على مطلب العدالة في توزيع الثروة، وضرورة تحجيم الملكية الخاصة مقابل تعزيز الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ومنح الدولة دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية، إلا أن الاشتراكية ليس شكلا واحدا فمنها المثالية (الطوباوية)، والاشتراكية العلمية، كما أن هناك اشتراكية إصلاحية ظهرت في مراحل لاحقة على الاشتراكية العلمية.

الاشتراكية المثالية - Utopian Socialism 

نظرة الاشتراكية الخيالية أو الطوباوية مثالية، تقوم على نزعة إنسانية ونقد أخلاقي للرأسمالية، وتدعو للانتقال إلى نظام اجتماعي يحقق العدالة والرفاهية للجميع، من خلال تعزيز الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والعمل التعاوني والتعليم الشامل لكل الناس، والقضاء على الفقر وعلى كل أشكال الاستغلال، انتشرت في العقود الأولى للقرن التاسع عشر.

ويرى رواد المثالية أن دور الدولة هو التعاون مع القطاع الخاص لتشكيل "اقتصاد مختلط"، من أجل تصحيح الاختلالات التي قد تنتج عن آليات السوق بغرض تنظيم الإنتاج، ومن هذه الاختلالات أن ينتج السوق عرضا يفوق الطلب بكثير مما يؤدي إلى تبذير الموارد، أو العكس مما يؤدي إلى ندرة تسبب غلاء الأسعار.

ويؤمن أصحاب هذه النظرية بأن الطرق السلمية وغير الثورية هي مرادهم لبلوغ وتحقيق أملهم في بناء مجتمع اشتراكي يسوده العدل والمساواة، لأن الإنسان في نظرهم كائن عقلاني، ولا حاجة إلى العنف الثوري لإقناع كافة المجتمع بتبني أفكارهم.

ومن أبرز مفكري التيار المثالي، روبرت أوين، لويس بلان، سان سيمون، وشارل فورييه: 

الإنجليزي روبرت أوين (1771-1851)، الذي اعتقد بأن البشرية لا يمكن إصلاح حالها إلا إذا تحسنت البيئة المعيشية، كما أنه رأى تطوير إنتاج الآلة من أجل الربح فقط سيؤدي إلى فقر العمال وتدهور أوضاعهم، وتصوره للحل في خلق قرى التعاون وهي مجمعات سكنية تجمع 800 إلى 1200 شخص ويعيشون في شقق يملكونها قريبة من مصانعهم، وبناء على هذا التصور تم تطوير سلسلة من قرى التعاون للمنتجين والمستهلكين في جميع أنحاء إنجلترا.

الفرنسي شارل فورييه (1772-1827)، رأى العالم في حالة فوضى، والحل يكمن في إعادة تنظيم المجتمع إلى كتائب تضم 1600 أو 2000 شخص، نصفهم من الرجال والنصف الآخر من النساء، وكل شخص له خصوصيته مع اختلاف أسلوب الحياة حسب مقدرة الفرد على الدفع، وبهذه الكتائب لا توجد حكومة ولا تُلغى الملكية الفردية، ولكنها تنظم نسب الملكية كالآتي: 4/12 لصاحب رأس المال، 5/12 للعمّال، 3/12 للمهارة، وانتشرت بالفعل هذه الفكرة في الولايات المتحدة، وكان هناك أكثر من 40 مجمع للكتائب إلا أنها لم تستمر.

وانتقد هذا المذهب من الاشتراكية لعدم واقعيته، فلا يمكن تحقيق التغيير الجذري بإقناع الطبقات المالكة بمشاركة الثروة التي يمتلكونها مع الفقراء والمستغلين وبالتالي تتحقق المساواة ويقام مجتمع اشتراكي. 

الاشتراكية العلمية - Scientific Socialism

جاءت الاشتراكية العلمية ردا على التيار المثالي، وتعرف أيضا بالاشتراكية الماركسية، نسبة إلى كارل ماركس، وسياقها التاريخي يرجع إلى الأربعينيات من القرن التاسع عشر، حيث "مجاعة الأربعينات"، الذي مات على إثرها كثير من الفلاحين الأيرلنديين والعمال الإنجليز، ومع فقدان كارل ماركس لعمله كمحرر في عام 1844، ذهب إلى باريس لدراسة الاقتصاد والاشتراكية، وحينها توصل ماركس إلى أن النظام البرجوازي محتوم عليه بالفشل، فيما برهن زميله فريدريك انجلز على ذلك.

ويستند أنصار الاشتراكية العلمية إلى فهم علمي ونقد عقلاني للرأسمالية، يرتكز على رؤية مادية لحركة التاريخ، باعتباره صراعا مستمرا بين الطبقات وكفاحا متواصلا من أجل نيل الحقوق، فالرأسمالية ليست إلا مرحلة فقط ولن يتوقف التاريخ عندها، بل سيتجاوزها كما تجاوز غيرها (الإقطاعية والعبودية)، وستتحول المجتمعات الإنسانية إلى نمط جديد من التنظيم الاجتماعي (المجتمع الاشتراكي)، ولكي يتحول الوضع القائم لا بد من وعي طبقة البروليتاريا (العمال)، بضرورة تبني الخيار الثوري لإحداث التغيير المنشود.

ويرى منظري الاشتراكية العلمية أن دور الدولة في الاقتصاد احتكار كل وسائل الإنتاج دون أي استثناء، وتأميم كل ما هو مملوك للخواص، أما الإنتاج فينظم بشكل مركزي وموجه عبر إسناده إلى هيئة للتخطيط تقوم مقام السوق في الاقتصاد الرأسمالي، وينظر أصحاب تلك التيار إلى المجتمع الاشتراكي الذي تنظم الدولة فيه الإنتاج باعتباره مرحلة تاريخية انتقالية (مرحلة التحول الثوري)، تؤدي في النهاية إلى قيام الشيوعية حيث يصبح المجتمع خاليا من الطبقات وتلغى الدولة لانعدام الحاجة إليها حينئذ. 

ومن أبرز مفكري التيار العلمي: كارل ماركس (1818- 1883)، وفريدريك انجلز (1820-1895)، الذين أكدا المبدأ المادي للنظرية، حيث حللوا التاريخ في إطار الظروف المادية، واعتقدا أن العالم المادي يحدد الأفكار وليست الأفكار هي من تحدد العالم المادي، كما أن النظام الاجتماعي يجعل الفرد يشعر بالغربة عن ذاته، فالأفراد لا يعيشون ذاتهم بسبب النظام الاجتماعي الفاسد الذي يقوم باستغلالهم كالرأسمالية، ونتيجة لذلك يصبح الأفراد غرباء عما تنتجه أيديهم لأنهم باتوا عبيدا للأجر.

وأصدر كارل ماركس، وفريدريك انجلز، البيان الشيوعي The Communist Manifesto، الذي قسم المجتمع إلى برجوازيين (مالكي عوامل الإنتاج)، وبروليتاريين (العمال)، فتاريخ أي مجتمع ما هو إلا صراعات طبقية، حر وعبد، نبيل وعامي، معلم وصانع، وهم في تعارض دائم، ويخوضون حروبا متواصلة، سواء معلنة أو مستترة، تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين.

ولكي تستطيع طبقة البروليتاريا التحرر من الاغتراب، ستعمل على خلق طبقة اجتماعية لا تسمح باستغلال أحد، وذلك يأتي نتيجة ثورة على الرأسمالية، بعدها مرحلة تعرف باستبدادية البروليتاريا، ثم إلى مجتمع اشتراكي خالي من الاستغلال.

وفي كتاب انجلز عام 1845 "حالة الطبقة العاملة في إنجلترا"، بدأ الكتاب بوصف الثورة الصناعية في إنجلترا، التي ستؤدي إلى نشوء طبقة جديدة من الناس وهم الطبقة العاملة، والتي ستعيش في حالة سيئة، بينما ستؤدي هذه الثورة الصناعية إلى ثراء فاحش للأغنياء، وأدت تلك المنافسة إلى تدمير الإنتاج المستقل للعاملين في الريف ودفعتهم إلى الهجرة للمدن نحو البحث عن عمل، ولم تكن ظروف العيش في المدن أفضل حالا حيث الفقر والمرض، وساعات العمل الطويلة مع خطر التعرض للإصابة من الآلات في المعامل، حتى الأطفال لم يكن حالهم أفضل في المدن لأنهم لم يتلقوا تعليما مجديا، مما أدى إلى المزيد من المشاكل الاجتماعية كالبطالة، ونتيجة لذلك قام العمال الإنجليز في وسط وشمال إنجلترا بحرق بيوت الأغنياء وتخريب المعدات في المصانع، ويرى انجلز، هنا أن الرأسمالية كانت تخضع لأزمات دورية يجب استغلالها لإقامة نظام شيوعي.

والاعتقاد الراسخ لدى ماركس وانجلز، أن الاشتراكية العلمية يمكن أن تغير العالم، إذا ما تم ربطها بنضالات الطبقة العاملة، لكن واقعيا لم تأتي الثورة التي ستغير النظام الاجتماعي في القرن التاسع عشر مما أدى إلى خيبة أمل لهذا التيار. 

وبوفاة كارل ماركس عام 1883، تم الربط بين مصطلحي الاشتراكية والماركسية، واعتبرت تلك المصطلحات شيء واحد، إلا أن هناك فروق بين الماركسية التي مثلت الاشتراكية العلمية، وبين الاشتراكية المثالية الطوباوية، وبتطور الاشتراكية، ظهرت اتجاهات أخرى تحاول أن تنسجم أكثر مع الواقع، ومن أبرز تلك الاتجاهات:

الاشتراكية المسيحية - Christian socialism 

رغم أن المسيحية أو أي دين غيره لم يكن له دور داخل النظرية أو السياسة الاشتراكية، فإن التشابك بين المسيحية والاشتراكية استمر حتى القرن العشرين، وكان أحد مظاهر هذا الارتباط هو لاهوت التحرير، الذي ظهر بين علماء اللاهوت الكاثوليك في أمريكا اللاتينية في الستينيات، وكذلك الحركة الاشتراكية المسيحية في بريطانيا، التي تنسب إلى حزب العمال البريطاني، وتورط في هذه التيارات رجال ونساء بدا أنهما متفقان على القليل من الرؤى منها إدانة الرأسمالية، فالعديد من الاشتراكيين ملحدين متشددين.

وترتبط بدايات الاشتراكية المسيحية في كنيسة إنجلترا بعمل جي إم لودلو، تشارلز كينغسلي، وف. د. موريس، ولم يكن موريس ماركسيا، ومع معظم الإنجليز كان غير متعاطف مع الثورة، ومع افتراض اسم الاشتراكية المسيحية، لم يقترح منظريها عقيدة اقتصادية ولا برنامج إصلاح، ولكن "علم الشراكة"، فالمسيحية تتطلع إلى مجتمع يعمل فيه الناس بشكل تعاوني، وبناء على ذلك، اقترح موريس النقابات التعاونية للعاملين والمعاهد التعليمية، ورغم وفاة موريس عام 1872، لكن أفكاره ظلت مؤثرة حتى يونيو 1889، وتم تشكيل الاتحاد الاجتماعي المسيحي لحث المبادئ الاجتماعية المسيحية الأساسية.

وفي القرن العشرين تشكلت عدة مجموعات اشتراكية مسيحية متتالية في كنيسة إنجلترا، وفي عام 1921 ظهرت عودة العالم المسيحي، الذي انتقدت فيه الرأسمالية الصناعية في ضوء العقيدة الكاثوليكية، وفي الولايات المتحدة، سعت الرابطة الاشتراكية للكنيسة الأمريكية وخلفها، الرابطة الكنسية من أجل الديمقراطية الصناعية، إلى تعزيز جدول الأعمال الاشتراكي المسيحي، وجاء ويليام تمبل (1881-1944)، رئيس أساقفة كانتربري، الذي حث على الاختيار بين الاشتراكية والهرطقة، حيث المسيحية والرهبانية الاجتماعية نص أساسي للاشتراكية المسيحية في القرن العشرين.

الاشتراكية الأناركية - Anarchism

رأى ميخائيل باكونين، أن الدين والرأسمالية والدولة هي أشكال للقمع التي يجب تحطيمها إذا كان للناس أن يكونوا أحرارا على الإطلاق، وفي مقال بعنوان "رد الفعل في ألمانيا" عام 1842، أكد "الشغف بالتدمير هو أيضا شغف خلاق"، وقاد هذا الاعتقاد باكونين إلى انتفاضة واحدة أو مؤامرة تلو الأخرى طوال حياته، كما قاده إلى جدل مع ماركس ساهم في تفكك الرابطة الدولية للرجال العاملين في السبعينيات، وكشيوعي، شارك باكونين رؤية ماركس لمجتمع لا طبقي وعديمي الجنسية تكون فيه وسائل الإنتاج تحت سيطرة المجتمع المحلي.

ومع ذلك، رفض باكونين بشدة، إدعاء ماركس بأن ديكتاتورية البروليتاريا كانت خطوة ضرورية على طريق الشيوعية، بل على العكس من ذلك، بل أكد أن ديكتاتورية البروليتاريا قد تصبح أكثر قمعا من الدولة البرجوازية، التي كان لديها على الأقل طبقة عاملة متشددة ومنظمة للحد من نموها.

فيما اتخذت الاشتراكية الفوضوية أشكالا أقل تطرفا في أيدي اثنين من المهاجرين الروس في وقت لاحق، بيتر كروبوتكين وإيما غولدمان، حيث استخدم كروبوتكين العلم والتاريخ في محاولة لإثبات أن الفوضوية ليست متفائلة في المساعدة المتبادلة (1897)، واعتمد على نظرية تشارلز داروين للتطور ليجادل بأنه، على عكس المفاهيم الشعبية للدرواينية الاجتماعية، كانت المجموعات التي ازدهرت من الناحية التطورية هي تلك التي مارست التعاون، أما غولدمان، فبرزت في الولايات المتحدة، بحملة ضد الدين والرأسمالية والدولة والزواج.

وبشكل عام، لم تكن الأناركية شيء واحد، فمنهم من رفض العنف والثورة، مشددين على أهمية التعليم في وصول الأفكار، وهناك أخرون كانوا مع العنف الثوري، وكان أبرز معتقداتهم التشكيك في قدرة الدّولة أن تؤدي دورا إيجابيا، وأن الطبقة العاملة ستسقط الرأسمالية وذلك ليس عن طريق الكفاح والثّورة بل عن طريق تكثيف الجّهود لتنظيم جهودهم في مؤسسات اجتماعية.

الاشتراكية الفابية – Fabianism

تعدّ الفابيّة إحدى أهمّ الحركات الاشتراكية غير الماركسيّة التي ظهرت في بريطانيا بعد عام 1889، وسميت اشتراكية فابيان نسبة للجنرال الرومانيّ "فابيوس ماكسيموس"، ويعتقد الفابيان أن "التدرج أفضل وسيلة لتحقيق الاشتراكية، وقد استتبع مفهومهم للاشتراكية، حيث السيطرة الاجتماعية على الممتلكات من خلال دولة تدار بشكل فعال ومحايد، وحكومة من الخبراء المستنيرين، ويعد أغلب الفابيان من مثقفي الطبقة المتوسطة، الذين اعتقدوا أن الإقناع والتعليم سيؤديا إلى الاشتراكية، ولكن تدريجيا، من الحرب الطبقية العنيفة، وبدلا من تشكيل حزب سياسي خاص بهم أو العمل من خلال النقابات، ويهدفون إلى كسب النفوذ داخل الأحزاب القائمة، ونتيجة لذلك، مارسوا نفوذا كبيرا داخل حزب العمال البريطاني.

وأهمّ النّقاط التي ميّزت الاشتراكية الفابيّة عن الماركسيّة، اعتبار المجتمع مثل الكائن الحيّ الّذي يتطوّر مع مرور الوقت، والتحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية لا يتم إلا عبر الاقتراع الشعبي كدليل على نضوج وعي الجّماهير السياسي وإلمامهم بحقوقهم وواجباتهم، فهم يرون الاشتراكيّة الناتج الطبيعي للتطور الاجتماعي، والتقدم الفكري والحضاري للشعوب، وأبرز من نظر للفابية هم سيدني وبياتريس ويب، غراهام والاس، ه. ج. ويلز، وجورج برنارد شو، الّذي نشر كتاب الاشتراكية الفابيّة 1889ويعتبر أوّل نتاج فكريّ للفابيّة.

الاشتراكية النقابية - Guild socialism

نشأت الاشتراكية النقابية في العقود الأولى من القرن العشرون، بين الطبقات العمالية في بريطانيا، حيث رأت إمكانية تحقيق الاشتراكية من خلال سيطرة النقابات على إدارة وملكية الصناعة، ودعت لتخفيف دور الدولة في الحياة العامة، وعكس الفابية اتخدت الاشتراكية النقابية الجهاز البيروقراطي للدولة عدوا، وحاولت السيطرة على الجمعية الفابية، وعندما فشلت محاولتهم أسسوا "عصبة النقابات القومية"، ومع ثورة أكتوبر 1917 الروسية، انضم مجموعة من الاشتراكيون النقابيون إلى الحزب الشيوعي البريطاني، بينما انضم آخرون لحزب العمال البريطاني.

الاشتراكية الديمقراطية - Social Democracy

دعت الديمقراطية الاشتراكية أو الاجتماعية إلى الانتقال التطوري السلمي للمجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية باستخدام العمليات السياسية الراسخة، حيث ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، نموذج أكثر اعتدالا من هذا المذهب، الذي تبنى عموما تنظيم الدولة، بدلا من ملكية الدولة، لوسائل الإنتاج وبرامج الرعاية الاجتماعية الواسعة النطاق، وعرفت الديمقراطية الاشتراكية في الأصل باسم التحريفية لأنها تمثل تغييرا في العقيدة الماركسية الأساسية في رفض استخدام الثورة لإقامة مجتمع اشتراكي.

وينظر إلى الديمقراطية الاجتماعية على أنها حل وسط بين الرأسمالية والاشتراكية، وهي أيديولوجية تنص على الالتزام بالدّيمقراطيّة البرلمانيّة، وكذلك بمبادئ السّوق الاشتراكية أي حقّ الحكومة أن تلعب دورا في الإشراف على ملكيّة بعض المنشآت الخدمية، لكن مع السّماح للسّوق بتحديد توزيع الخدمات والبضائع، وظهر هذا التّحوّل النّظريّ والاقتصادي للاشتراكية في عام 1980 بعد عودة الاشتراكيين للحكم في عدة دول منها إسبانيا وفرنسا، كما أدّى فوز حزب العمال البريطاني بالحكم في 1997 إلى تحول في الاشتراكية بشكل بعيد عن أفكارها التاريخية واتخاذه لمنحنى أكثر ليبرالية.

ويرجع نمو الديمقراطية الاشتراكية لتأثير الألماني إدوارد برنشتاين، في مؤلف بعنوان "الشروط المسبقة للاشتراكية ومهام الديمقراطية الاجتماعية"؛ ويتحدى برنشتاين فيه العقيدة الماركسية التي تحكم على الرأسمالية بالفشل، فالرأسمالية تتغلب على العديد من نقاط ضعفها، مثل البطالة، والإفراط في الإنتاج، والتوزيع غير العادل للثروة، وأصبحت ملكية الصناعة أكثر انتشارا، بدلا من أن تكون أكثر تركيزا في أيدي قلة، وأكد برنشتاين بأن نجاح الاشتراكية لا يعتمد على استمرار وتكثيف بؤس الطبقة العاملة، بل على القضاء على هذا البؤس، وذلك بعد ملاحظة أن الظروف الاجتماعية تتحسن وأن الطبقة العاملة تستطيع، بالتصويت العام، أن تنشئ اشتراكية بانتخاب ممثلين اشتراكيين، فأدى عنف الثورة الروسية في عام 1917 وما تلاها إلى التعجيل بالفشل بين الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والأحزاب الشيوعية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، وصلت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إلى السلطة في عدة دول في أوروبا الغربية، مثل ألمانيا الغربية والسويد وبريطانيا، ووضعت الأسس لبرامج الرعاية الاجتماعية الأوروبية الحديثة، ومع صعودها، تغيرت الديمقراطية الاجتماعية تدريجيا، وأبرزها في ألمانيا الغربية، حيث عكست هذه التغييرات اعتدال المذهب الاشتراكي في القرن التاسع عشر لتأميم الأعمال والصناعة بالجملة، وعلى الرغم من أن مبادئ الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية المختلفة بدأت تتباعد بعض الشيء، فقد ظهرت بعض المبادئ الأساسية المشتركة، وبالإضافة إلى التخلي عن العنف والثورة كأدوات للتغيير الاجتماعي، اتخذت الديمقراطية الاجتماعية موقفا معارضا للشمولية، وتم التخلي عن النظرة الماركسية للديمقراطية كواجهة "برجوازية" للحكم الطبقي، وأعلنت الديمقراطية ضرورية للمثل الاشتراكية، فقد اعتمدت الديمقراطية الاجتماعية بصورة متزايدة هدف تنظيم الدولة للأعمال التجارية والصناعة باعتباره كافيا لتعزيز النمو الاقتصادي والدخل العادل.

 

المصادر والمراجع:

سلامة موسى، الاشتراكية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012.

الاشتراكي، الاشتراكية من أسفل، آخر عرض: 26/7/2020.

Will Kenton, Reviewed by Michael J Boyle, "Socialism", Investopedia, last view: 26/7/2020

الجزيرة نت، الاشتراكية.. نظرية تحلم بتوزيع عادل للثروة، آخر عرض: 26/7/2020.

د. عبد الوهاب الكيالي، وآخرون، الموسوعة السياسية، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985.

الباحثون السوريون، الاشتراكية الطوباوية، آخر عرض: 27/7/2020.

الباحثون السوريون، الاشتراكية العلمية (الماركسية)، آخر عرض: 27/7/2020.

الحوار المتمدن، البيان الشيوعي، آخر عرض: 27/7/2020. 

An Episcopal Dictionary of the Church, Christian Socialism, last view: 1/8/2020.

الباحثون السوريون، ماذا حدث للاشتراكية بعد كارل ماركس؟، آخر عرض: 1/8/2020.

عبد الوهاب الكيالي، وآخرون، الموسوعة السياسية، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985.

Encyclopedia Britannica, " Social democracy", last view: 26/7/2020.

Encyclopedia Britannica, ”Socialism”, last view: 26/7/2020

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia