حساب جديد ادعمنا

التكامل والاندماج الدولي - International Integration

اندماج الدول في تجمعات وتكتلات كبرى يكاد يكون هو الحل الأمثل لتقارب الدول من بعضها، بهدف التخلص من مشكلاتها العابرة للحدود الإقليمية؛ فهو يقدم البديل عن معظم أنواع الاندماج السياسي والدستوري كونه يطرح الشكل الأنسب للتعاون الدولي بعيدًا عن العراقيل الدستورية والقانونية الملازمة للهياكل الفيدرالية في التجمعات الإقليمية؛ إذ تسمح الدول بنقل بعض صلاحياتها إلى المنظمات الإقليمية التابعة لها كي تنوب عنها في حل مشكلاتها بصورة تعاونية مع الغير، وبذلك أضحت بديلًا عصريًّا للتعاون الاقتصادي والاجتماعي على غرار ما حدث في منظمة الاتحاد الأوروبي.

 ولقد منحت أدبيات التكامل والاندماج دفعًا قويًا لتطوير الصورة التعددية لليبرالية السياسية العالمية؛ وذلك بعدم اتخاذها للدولة كوحدة تحليل وتركيزها على جماعات المصالح الفاعلين عبر الوطنين، في إطار تفاعلات سوسيو اقتصادية شاملة، وطرح بدائل للتنظيم السياسي للمجتمع، بما من شأنه أن يعوض الدولة الوطنية، ومن هنا يبدو التكامل كإستراتيجية لتحقيق أهداف معينة تتمحور عادة حول بناء السلام الدولي والتقليل من العلاقات الصراعية في السياسة العالمية، عكس الطرح الواقعي الذي ينظر إلى التفاعلات الدولية على أنها لعبة ذات طبيعة صفرية، فإن الأدبيات النظرية نحو التكامل تعتقد أن التفاعلات الدولية يمكن أن تتحول إلى ما يسمى باللعبة الإيجابية بشكل يسمح لكل اللاعبين بتحقيق الفوائد ، كما انطلقت فكرة التكامل الدولي في قسم كبير منها من واقع العلاقات الدولية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية من خلال مسار التكامل والاندماج على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتستند في مفاهيمها كثيرًا على النظرية النسقية ودور المؤسسات فوق القومية في تحويل الولاءات القومية لإطار جديد، وهي بخلاف الواقعية الكلاسيكية ترى أن هناك إمكانية للمصالح المشتركة بين الدول والتي ينطلق منه التعاون والاندماج.

تعريف التكامل:  

التعريف اللغوي: ترجع كلمة التكامل في أصولها اللاتينية إلى كلمة Integrites وتعني التكميل أو التمام، والتكامل هو مفهوم يطلق على العملية التي يُمكن بواسطتها تجميع وإضافة الأجزاء المنفصلة إلى بعضها البعض.

عادة ما تستعمل كلمة "تكامل" كمرادف لكلمة "اندماج"، والكلمة الأخيرة هي الأكثر دلالة على المعنى الغربي لهذا المصطلح Integration كما هو في الإنجليزية والفرنسية، ويعد الاندماج أعلى من التكامل في التعبير عن توحد الأجزاء في كلٍّ مشترك.

التعريف الاصطلاحي

التكامل: هو عملية يتنج عنها بروز فوق قومي تنتقل إليه مسؤولية أداء الاختصاصات الوطنية التي كانت تتحملها الحكومة الوطنية، ويصبح هذا الكيان الجديد بمثابة النواة المركزية التي تستقطب مختلف الولاءات والتوقعات والأنشطة السياسية للأطراف القومية التي أوجدته وشاركت في خلقه، ويُعرِّف (لندبارغ Lindbergh) التكامل بأنه العملية التي تجد فيها الدولة نفسها راغبة في أو عاجزة عن إدارة شؤونها الداخلية أو الخارجية باستقلالها عن بعضها بعضا وتسعى بدلًا من ذلك لاتخاذ قرارات مشتركة أو تفوض أمرها لمؤسسة أو منظمة جديدة، أو هي العملية التي تقتنع من خلالها مجموع المجتمعات السياسية بتحويل نشاطاتها إلى مركز جديد، بينما يُعرِّف (إرنست هاس Ernst Haas ) التكامل بأنه العملية التي تتضمن تحول الولاءات والنشاطات لقوى سياسية في دول متعددة ومختلفة نحو مركز جديد تكون لمؤسساته صلاحية الدول القائمة، وهذا التعريف هو الأقرب لإيضاح مفهوم التكامل بشكل أشمل، وهو يختلف عن باقي التعريفات لأنه يوضح الرابطة بين قوة المركز والقوى الأخرى؛ حيث يبرز معنى تكامل وتعامد مجموع القرى في قوة جديدة تختلف في أدائها عن الحالة الانفرادية التي كانت عليها في السابق ، في حين يعرفه (إسماعيل صبري مقلد) بأنه العملية التي ينتج عنها كيان فوق قومي تنتقل إليه مسؤولية أداء الوظائف الاقتصادية التي كانت تتحملها الحكومات الوطنية، كما أن هذا الكيان الجديد والموسع يصبح بمثابة النواة المركزية التي تستقطب مختلف الولاءات أو الأنشطة السياسية للأطراف فوق القومية التي أنجزته، وهو بأجهزته ومؤسساته يستطيع أن يمد سلطاته إليها، إذن الاندماج هو عملية وحالة نهائية على حد سواء، ويكون هدف الحالة النهائية عندما تندمج الأطراف الفاعلة هو تكوين جماعة سياسية، وتتضمن عملية الاندماج الوسائل والأدوات التي تتحقق بواسطتها تلك الجماعة السياسية، كما يجب أن تكون عملية الاندماج طواعية وبتوافق الآراء، أما الاندماج الذي يتم بالقوة والقسر فهو إمبريالية.

مفاهيم مرتبطة بالاندماج:

1- التعاون

محاولة لتقريب سياسات الدول في مجالات معينة لكنه لا يؤدي إلى تكوين مؤسسات مشتركة ودائمة، حيث إنه ذو طبيعة مؤقتة ويتميز بوجود أهداف مجردة وغير مشتركة، وإنما المشروع هو ما يخالف ذلك، وبالتالي التعاون عبارة عن سياسات وفاق وتبادل ومشاركة في العديد من النشاطات بين دول ذات مستوى إنمائي متفاوت. 

2- الشراكة

تعد الشراكة إستراتيجية وطريقة مُتبعة من طرف الدول في التعاون مع بعضها البعض للقيام بمشروع معين ذي اختصاص معين، وهذا بتوفير وتكثيف الجهود والكفاءات، إضافة إلى الوسائل والإمكانيات الضرورية للمساعدة على البدء في تنفيذ المشروع أو النشاط مع تحمل جميع الأعباء والمخاطر التي تنجم عن هذه الشراكة بصفة متعادلة بين الشركاء، ويختلف مفهوم الشراكة باختلاف القطاعات التي يمكن أن تكون محلًا للتعاون بين الدول وباختلاف الأهداف التي تسعى إليها الشراكة، وتتضمن تعاونًا دوليًّا سياسيًّا أو في شكل مساعدات اقتصادية أو تقنية أو مالية بين عدة دول، ما يميز هذا المفهوم هو قضية وجود الأجهزة الدائمة، كما أنه توجد هناك مصالح مشتركة.

3- التبعية

عبارة عن علاقة تطبعها القوة بين الأطراف، حيث إن الطرف القوي يكون في حالة تسمح له باستغلال الطرف الضعيف بما يضمن تقدمه على حساب تخلف الثاني؛ وعليه فإن التبعية تقوم على فكرة التلازم بين التقدم والتخلف، كما تُعرَّف التبعية بهذا الشكل على أنها اعتماد متبادل غير متسق أو غير متكافئ، ولا تعترف بالمصالح المشتركة. ويوضح (كيوهان وناي Keohane and Nye) أن الترابط غير المتوازن يفترض دائمًا حساسية مرهفة لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق المصالح لكل الأطراف، بل إن ما يميز مثل هذه العلاقات هو غياب مصالح مشتركة؛ لذا تتميز التبعية بأنها علاقة لا تهدف إلى خلق مؤسسات أو أجهزة دائمة. 

4 – فوق القومية:

ويعبر هذا المفهوم عن الانتقال الحاصل على مستوى دراسة العلاقات الدولية، ويُقصد بذلك، التحول من المنظور الواقعي التقليدي إلى منظور تعددي أوسع من السابق؛ بحيث تم الانتقال من التصور السائد بسيطرة الدولة على الحياة السياسية بما فيها التفاعل مع المحيط الخارجي، أي لم يعد الحديث عن علاقات بين وحدات تمثلها الدول فحسب، وإنما اتسعت لتضم أنواعًا أخرى من العلاقات، ففوق القومية تهتم عمومًا بالمسارات السياسية ضمن الدول وتركز على الروابط بين المجتمعات والأفراد أكثر من العلاقات التي تجمع الدول، وذلك نتيجة التطور الهائل في المجال التكنولوجي وفي مجال النقل والاتصال.

5- التحالف: 

في محاولة منهما لبناء نظرية خاصة بالتحالف وظف (ليسكا) المعلومات التاريخية، في حين استخدم (ريكر) نظرية اللعب والنماذج الرياضية وطبقها على المعلومات التاريخية، وكلا النظريتيْن أعطت أهمية كبرى لموضوع عدم الاستقرار في نظم التحالف، ويرى (ليسكا) أن التحالف يتفكك نتيجة إقدام أحد أطرافه على التوصل لاتفاق سلام منفرد مع العدو خلال الحرب، ولذا فإن إغراء طرف من الحلف المعادي لعقد اتفاقية سلام منفردة يمثل أحد الاهتمامات الإستراتيجية للدول المتحالفة، أما (ريكر) فإنه يشير في نظريته إلى حالة عدم التوازن داخل التحالف أو الائتلاف، وبرغم بعض الاختلافات بين نظرية التحالف ونظرية التكامل فهناك تشابه بينهما، ويركز (ريكر) على دور الاتصال بين الأطراف لاسيما في تحديد التحالف؛ إذ كلما كانت الاتصالات كان حجم التحالف أكبر من الهدف المطلوب، وهو ما ركز عليه (دويتشDeutch) و(إيتزيونيEtzioni)، إضافة إلى ذلك يركز (دويتش) على دور المنطقة المركز في إقامة الحدة الاندماجية، في حين يؤكد (ليسكا) أن صلابة التحالف تعتمد على دور القوة المركزية في التحالف، أما (هاس  Haas) يركز على البعد البراجماتي في دفع الدول للتحالف والتكامل مع بعضها بعض، كذلك فإن دور الدول والأهداف المتوخاة من قبلها للتحالف مرتبطة بمدى الإمكانيات المتوفرة لكل منها، ولذا فإن زيادة قوة "القوة المركزية" للتحالف يساهم في تدعيم كفاءة التحالف.

6- الانتشار والتعميم:

إن تطور التعاون الدولي في حقل واحد يؤدي إلى خلق التعاون في المجالات الأخرى، وهذه النشاطات عند انتشارها ستساهم في توجيه النشاطات الدولية وتدعيم الاتجاه نحو خلق سلام عالمي؛ إذ إن انتشار التعاون الدولي بشكل كبير في المجالات الفنية سيؤدي إلى تجاوز ضرورة التعاون السياسي لإقامة التكامل، حيث إن التكامل الاقتصادي والفني هو الذي يدعم أسس الاتفاق السياسي حتى وإن لم يجعل منه أمرًا ضروريًا، والتعميم لا يحدث بشكل آلي ولكنه مرتبط بإرادة الأطراف واستعدادها للتكيف مع الواقع الجديد من جهة وتعميمها للنجاح في قطاع على قطاعات أخرى من جهة ثانية.

7- الاعتماد المتبادل:

يمثل مجموعة من التفاعلات فيما بين الدول، وذلك على مستوى عال، له ديناميكية ذاتية في مجالات التبادل، ومن خلال هذه التفاعلات ترتبط الدول فيما بينها بعملية مستمرة للموائمة الحساسة لتصرفات كل واحدة مقيدة في ذلك بالسلوك الاجتماعي والسياسي وكذا الثقافية لسكانها.
 كما أن ما يميز مضمون الاعتماد المتبادل هو قضية الأهداف المشتركة، إضافة إلى أنه يهدف إلى خلق مؤسسات دائمة ولا يؤدي إلى خلق شخصية قانونية.

إن نظرية التكامل تُعاني من بعض الثغرات، خاصة في عدم وجود تعريف مشترك لمفهوم التكامل أو اتفاق عام على مؤشرات التكامل، ويرى (ناي Nye) أن سبب عدم الاتفاق هذا راجع إلى أن بعض الباحثين يضع نموذجه التكاملي من خلال دراسته لأسباب التكامل أو ديناميكية التكامل، بينما يضع الآخرون نماذجهم استنادًا لدراسة التكامل بعد إنجازه، ومن هنا فإن اختلاف مؤشرات التكامل تؤثر على تباين التعريفات.

أبعاد التكامل:

يرى (جوزيف آيJoseph E ) في كتابه عن السلام والتكامل، أن عملية التكامل والاندماج تشمل ثلاثة أبعاد أساسية، يمكن من خلالها قياس عملية التكامل؛ وهي: التكامل على المستوى الاقتصادي، التكامل والاندماج الاجتماعي، التكامل والاندماج السياسي. 

التكامل الاقتصادي: ويشمل بُعدين، التكامل التجاري من حيث حجم المبادلات التجارية، والخدمات المشتركة ويُقصد بها نسبة الإنفاق على الخدمات المشتركة بين الدول المتكاملة بالنسبة إلى الدخل القومي. 

التكامل الاجتماعي: وهو بُعد مهم من عملية التكامل، ويعني عملية الاتصال والتنقل والمعاملات بين الدول، يتشكل عنه ثقافة عبر وطنية أو عبر قومية، ويشمل التبادل الاتصالي، وحركات التنقل، والسفر والتبادل البريدي، والاتصالات عبر وسائل الاتصال المختلفة مثل نسبة حركات النقل البري والجوي بين البلدان المتكاملة بالنسبة إلى مجمل حركات النقل. 

التكامل السياسي: عملية بمقتضاها يتزايد الترابط والتنسيق بين الدول على مستوى صنع السياسات، ويشمل التكامل على مستوى المؤسسي، والتكامل في مجال رسم السياسات، والتكامل على مستوى الاتجاهات السياسية، والتنسيق على مستوى الشؤون الأمنية والدفاعية "مجتمع الأمن".  

وهناك من يضيف التكامل الأمني: وهو يظهر في عملية الترتيبات الأمنية الجماعية، وينبي في افتراضه على أن الدول الأطراف في هذه الترتيبات تتفق على اتخاذ القرارات المتعلقة بأمنها المشترك، بأسلوب التخطيط والتنفيذ والقيادة المشتركة، والاعتقاد السائد هو أن التكامل الأمني لا يحدث عادة إلا في ظروف الأزمات وتفاقم التهديدات والأخطار المشتركة.

حالات التكامل: 

1- التكامل القيمي: ويمكن تقسيمه إلى قسمين

أ- نموذج التماثل: حيث تتماثل القيم أو تتكامل نتيجة وجود مصالح متطابقة الأطراف. 

ب- النموذج السلمي: حيث تترتب القيم في درجات معينة بحيث يتم تسوية الصراعات طبقًا للقيمة العليا في هذا السلم. 

2- تكامل الأطراف: ويتمثل في نموذجين 

أ- نموذج التشابهات العديدة بين الأطراف من حيث الحجم، المركز الدولي، التركيبة السكانية، البنى السياسية والاقتصادية.

ب نموذج ريادة الأعمال المتبادل في القطاعات السياسية، الاقتصادية والثقافية بين الأطراف إلى درجة يجعل التأثير على طرف معين يترك آثاره على الطرف الآخر. 

3- التكامل التبادلي بين الكل والجزء: نموذجان 

أ نموذج الولاء: يستمر ويتطور التكامل مادامت أطرافه مستمرة في دعمه. 

ب- نموذج التوزيع: حيث يصبح وجود التكامل معتمدًا على قدرته في تقديم نتائج إيجابية أو ما سُمي بالمخرجات؛ مثل تحقيق مكاسب اقتصادية أو رفع معيشة السكان.

شروط التكامل

اختلف منظرو التكامل حول حصر الشروط الواجب توافرها في الأجزاء لتشكيل الكل المتكامل لكن هناك شروط مشتركة، منها:

1- التجاور الجغرافي: يؤكد (إرنست هاس  Ernst Haas ) أن التجاور بين الدول المشكلة للتكامل يعد شرطًا أساسيًّا لتحقيق التكامل الإقليمي. 

2- المصلحة المشتركة: يقوم التكامل على مبدأ أساسي، هو ضرورة تحقيقه لمكاسب خاصة ومشتركة بين الدول المشكلة لها فكلما كانت مكاسب التكامل عادلة ومتقاربة كان ذلك دافعًا إيجابيًّا للعملية التكاميلية. 

3- الديموقراطية: يعتبر (إرنست هاس، وإيتزيوني) التعددية والديموقراطية شرطًا لتحقيق التكامل من حيث إن الحكومات الديموقراطية ستكون أكثر قدرة على تلبية مطالب مواطنيها، كما تكون فيها عملية نقل الولاءات والتنازل التدريجي عن السلطة لصالح المؤسسات المشتركة أسهل وأكثر مرونة.

توجهات دراسة التكامل والاندماج:

الوظيفية

ترجع جذور الوظيفية إلى مساهمات علماء الاجتماع مثل (دوركايمDurkheim)، وعلماء الأنثروبولوجيا مثل (روبرت ميرتون Robert Merton)،  وهي تنطلق من عدة تصورات وافتراضات عامة، حيث ترى أن المجتمع والتفاعلات بين البشر تتخذ نظامًا تفاعليًّا مشكلًا من عناصر، كل عنصر يقوم بوظيفة على الأقل للحفاظ على النظام واستمراريته، لكن طرح الوظيفية في العلاقات الدولية يركز على عملية التفاعلات، والتي تؤدي إلى بناء وحدة سياسية جديدة، ومن أبرز رواد الوظيفية (دافيد ميتراني  David Mitrany) الذي يرى أن مشكلة السلام العالمي لا تكمن في الحفاظ عليه بل في العمل على تحقيقه، وذلك عبر دخول الدول في مشاريع تعاون مشترك بالمجال الاقتصادي؛ فالتعاون الاقتصادي سيعمل على زيادة تعاون وتقارب الدول وتخفيف حالة الانقسام بينها، كما يرى أن عملية التكامل تتأثر بطريقة تساوي الأطراف في العملية والاتصالات الموجودة بين الأطراف، فمن خلال دراسته لأربع حالات للتكامل؛ وهي حالات: مجموعة الإنديز، اتحاد الشمال، الوحدة العربية بين سوريا ومصر، والاتحاد الأوروبي، يرى أن فشل التكامل في الحالتين الأولى والثانية يعود إلى عدم تساوي الأطراف الداخلة في عملية التكامل وعدم تشجيع الأطراف الخارجية (دور بريطانيا في مجموعة الكاريبي)، كما تتأثر عملية التكامل بالوتيرة التي تسلكها العملية، وينطلق في هذا من فرضية: أن الدول النامية أقل نجاحًا في عمليات التكامل والاندماج نظرًا للدور المحدود لهذه الأنظمة في نشر التعبئة، وأن البطء في جهود التوحيد بحالة المعارضة في المراحل الأولى والإسراع بعمليات التوحيد في المراحل الأخيرة سيعمل على تعزيز التوحيد.

الوظيفية الجديدة: 

يرى (إرنست هاس Ernst Hass) أن عملية التكامل تبدأ من توقع المكاسب والمنافع، وركز في هذا على دور القوة وعملية التعلم في دفع عملية التكامل التي تشجع عليها انتشار الرفاه، ويرى أيضًا أن التكامل يتعزز من خلال دور الخبراء الفنيين في وضع معايير وتمثيل الأطراف بطريقة متساوية، حيث إن عملية التكامل ستتعرض للفشل إذا كانت مرتبطة بدولة معينة أو قيادة كارزيمية وقد صنف متغيرات عملية التكامل في ثلاث فئات

1- الفئة الأولى: من المتغيرات، يسميها المتغيرات القاعدية، وتتمثل في صفات وقدرات الواحدات الداخلة في عملية التكامل من حيث: حجم هذه الوحدات، درجة وجود تعددية إثنية وعرقية ولغوية داخل هذه الوحدات، توجهات النخب. 

2- الفئة الثانية: من المتغيرات، هي المتغيرات التي لها صلة بانطلاق عملية التكامل وتشمل: حجم السلطة الممنوحة لهيئات التكامل الجديدة ومستوى المشاركة بين الأطراف. 

3- الفئة الثالثة: من المتغيرات، هي المتغيرات الحركية وتتمثل في نموذج اتخاذ القرار ومعدل التعامل بين الوحدات وقدرة الأطراف المعارضة أو التي دخلت في عملية التكامل على التكيف مع الواقع الجديد، بالإضافة إلى أهمية توافق النخب الاقتصادية مع النخب السياسية أو مع القيادة الحكومية. 

يرى (إميتاي إيتزيوني Amitai Etzioni) أن التكامل هو عملية امتلاك وسيطرة فعالة في استخدام أدوات العنف والإكراه من خلال وجود مركز لاتخاذ القرار، هذا التعريف من إيتزيوني ينطلق من فرضية أن عملية التكامل الاقتصادي تسبق عملية التوحد أو التكامل السياسي، كما يرى أن عملية التكامل تمر بأربع مراحل تتمثل في

- مرحلة ما قبل التوحيد: حيث تدخل الدول والأطراف في علاقات من الاعتماد المتبادل يشجعها على مزيد من التعاون. 

- عملية التوحيد: إن الدخول في عملية التوحيد يتم على أساس حوافز قسرية بوجود تهديد أمني مشترك أو حوافز نفعية بإدراك وتوقع الأطراف للمكاسب المشتركة والفردية، كما أن أحد الحوافز التي تدفع للتكامل هو شعور الأطراف بهوية مشتركة، وتعمل النخب السياسية على إفراز هذه الحوافز السياسية وتقويتها. 

- عملية التوحيد من خلال القطاعات: في هذه المرحلة تنتشر عملية التوحيد من قطاع لآخر. 

- مرحلة الانتهاء: وصول عملية التكامل إلى المرحلة النهائية يختلف من تجربة لأخرى، وتختلف مستويات وعمق التكامل أيضا من تجربة لأخرى. 

وفي مقابل التكامل هناك التفكك، ويكون في الحالات التالية : في حالة تزايد الالتزامات العسكرية بين الدول التي تدخل في عملية التحالف وزيادة المشاركة من أطراف وجماعات كانت تتخذ موقفًا معارضًا من عملية التكامل، تزايد التركيز على الفوارق الثقافية، مواجهة تدهور أو ركود اقتصادي، توجه النخب نحو الانغلاق، عرقلة الاصلاحات الاقتصادية والسياسية وفشل مجموعات ونخب في التكيف مع عملية التكامل نظرًا لفقدان نفوذها.

نظرية التبعية وعملية التكامل:

 يختلف مفهوم التبعية جذريًّا عن منظور الوظيفية في عملية التكامل؛ فمنظور التبعية يرى أن العالم مقسمٌ إلى دول مركز غنية ودول أطراف فقيرة، وأن اندماج الدول الأطراف في النظام الاقتصادي العالمي لم يخلصها من الفقر وهو عائق أساسي من عوائق التنمية؛ حيث ترى نظرية التبعية أن المسألة ليست في التكامل وإنما في طريقة التكامل؛ فالتكامل الذي يكرس للتبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية مبني على أساس علاقات تبادل غير متكافئة وتقسيم دولي للعمل؛ حيث يقتصر دور الدول الأطراف على استخراج الموارد الخام الزراعية والصناعية، بينما تحتكر دول المركز الصناعات المتطورة، والتكنولوجيا، والقيمة المضافة الناتجة عن تحويل المنتجات الخام إلى منتجات نهائية يتم تسويقها بأضعاف ما تم شراؤها بها، ومن أبرز رواد نظرية التبعية: بول بربيش وإيمانويل والرشتاين. 

المؤسسية الجديدة : مؤسسية الخيار العقلاني 

التوجه المؤسسي في دراسة التكامل والاندماج ينطلق من الفرضيات الأساسية للمؤسسية الجديدة، والتي ترى أن المؤسسات متغيرات مستقلة، فالمؤسسات بمجرد نشوئها وترسخها تكتسب استقلالية وخيارات خاصة بها، فالدول حين تنخرط في عملية التكامل تُنْشئ مؤسسات هي عبارة عن قواعد للسلوك والنشاط تساهم في ترسيخ التكامل وتخلق واقعًا جديدًا ومصالح جديدة خاصة بهذه المؤسسات والأطراف التي ترتبط بها، فالمؤسسات تكتسب مع الوقت وظائف وهوية مستقلة عن الدول التي أنشأتها، ويستدل أنصار المؤسسية باستمرار مؤسسة حلف شمال الأطلسي وتطويره لوظائف جديدة رغم انتهاء الحرب الباردة، وتطور مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتوسعها نحو وظائف ومهام جديدة.

التوجه الفيدرالي :

يرى التوجه الفيدرالي أن عملية التكامل والاندماج تتم في إطار نظام قانوني، يحدد الصلاحيات والوظائف الجديدة، فانتشار التكامل والاندماج بين الدول يعود إلى تأسيس شبكة من المنظمات الجهودية والإقليمية لها صلاحيات حكم متفاوتة الدرجة، وفي بعض تجارب التكامل تنتهي عملياتها بمستويات من التوحيد الفيدرالي أو الكونفيدرالي، حيث تتشكل بنية حكومية مركزية جديدة فوق قومية، ولتشكيل الكيانات الفيدرالية لا يتم ذلك إلا عبر تصميم دستور يساعد في تشكيل نظام قانوني مشترك يدفع بعملية التكامل من خلال التشريعات والصلاحيات إلى مختلف القطاعات والاقتصادية والثقافية. 

الاقتراب ما بين الحكومي: 

يرى الاقتراب ما بين الحكومي، وهو الصيغة الواقعية لتفسير عملية التكامل، أن الحكومات لها دور مركزي في عملية التكامل، وهذا الاقتراب يدحض المنظور الوظيفي في العديد من النقاط، فهو يرى أن الحكومات حين تنخرط في عمليات التكامل والاندماج لا تفقد صلاحياتها ولا تتنازل عن سلطاتها لصالح سلطة فوق قومية، كما تدحض مفهوم الانتشار وتراه غير حقيقي، فالمنظمات غير القومية هي عبارة عن تجمع للحكومات حسب هذا التوجه، حيث تدخل حكومات الدول كأعضاء في هذه الهيئات، وتتحول هذه الهيئات إلى منتدى للتفاوض والمساومة بين الأطراف، فحسب الواقعيين إن دخول الدول في عملية التكامل يتم بصفة طوعية ويشاركون في قررات المنظمة بكل سيادة وبإمكانهم الانسحاب منها بخلاف الفيدرالية، والتي هي سلطة مركزية ذات سيادة تشارك وتتوزع الصلاحيات بينها وبين الوحدات الفيدرالية، أما بالنسبة للواقعيين الجدد مثل (ستانلي هوفمان ( Stanely Hoffman  فيرى أن التكامل على غرار الاتحاد الأوروبي لم يشكل وحدة سيادية جديدة تفوق سيادة الدول المنضمة إليه؛ فالدول القومية والمصلحة القومية لازالت هي العامل المفتاحي في تفاعل وتنشيط عملية التكامل.

نظرية التكامل ودور البيئة الدولية:

تُوجه لنظرية التكامل انتقادات خاصة بإهمالها دور البيئة الدولية في عملية التكامل، حيث يرى (هوفمان) أن الفشل الواضح في تعميم التكامل في أوروبا الغربية يعود إلى سببين

- تنوع وتباين دول أوروبا الغربية. 

- نظام الثنائية القطبية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. 

فنجاح السوق الأوروبية في تحقيق النمو الاقتصادي دعم من توجه دول السوق للتصرف الفردي، كذلك فإن التغيير في البيئة أثر على توجهات الدول الأوروبية من التكامل، ففي الوقت التي تبذل دول (البينلوكس) استعدادها للاعتماد على الولايات المتحدة من الناحية الأمنية وتسعى فرنسا من جهتها لتنشيط التوجهات لخلق نظام دولي متعدد الأقطاب، أي أن التوجهات مختلفة في هذا المجال بين الدول الأوروبية، وهذا سيؤثر على التكامل بينهما، ومن هنا أصبح الموقف الفرنسي هو الرغبة في التكامل إذا أدى إلى تحرير أوروبا من نظام الثنائية القطبية ولكنه غير مرغوب فيه إذا فشل في تحرير أوروبا من هذا النظام أو اقتصر التكامل على ربط فرنسا بالتطلعات القومية الأمنية، أما بريطانيا فمفهومها للتكامل مرتبط بسياساتها الخارجية، لذا فإن العلاقات بين دول أوروبا الغربية خاضعة لتباين النظرة من دولة لأخرى نحو العالم الخارجي، وهو ما يبقى النظم الإقليمية في وضع خطر وكلما كان الإقليم أقل استقلالية في الشؤون الدولية تأثر بالواقع الدولي بشكل كبير، حيث إن العوامل الدولية الخارجية تصبح أكثر أهمية في موضوع التكامل.

 

المصادر والمراجع:

د. أبوبكر المبروك بشير أبو عجيلة، التكامل والاندماج العربي وخيار بناء القوة، مجلة جامعة سبها (العلوم الإنسانية)، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني، 2014.

أ. نسمة الطويل، نظريات التكامل الدولي (دراسة حالة للخبرة التكاملية المغاربية)، المنهل، العدد السادس عشر.

أ.صورية شريف، نظريات التكامل والاندماج الدولي، جامعة محمد لمين دباغين سطيف، 2017. 

د. نسيمة طويل، التكامل الدولي (دراسة في المفاهيم والمقاربات النظرية)، مجلة الناقد للدراسات السياسية، العدد الثالث، الجزائر، أكتوبر 2018.

صخري محمد، نظريات التكامل الدولي، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2019.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia