حساب جديد ادعمنا

الحمائية التجارية - Trade protectionism

أرجعَ العديد من الاقتصاديين الكابوس السياسي لحقبة الثلاثينيات إلى السياسة الحمائية، لأنَّها أزّمت حالة الكساد الاقتصادي من خلال تقويض التبادل التجاري، ما أدى، بدوره، إلى تفشّي البطالة والعدوان الفاشي، في آخر المطاف. وربط الاقتصاديون والمؤرخون بين الاقتصاد والنزاعات التي شهدتها تلك الحقبة. فقد أكّد آدم توز - Adam Tooze أنّ التوسّع النازي كان له دوافع اقتصادية أيضاً. ويرى آخرون أنّ السبب الرئيسي للنزاع المسلّح الذي نشب بين الولايات المتّحدة واليابان تمثّل بالحصار الاقتصادي، الذي فرضته أمريكا على اليابان، فثمّة مقولة مأثورة مفادها: "إذا توقفت السلع عن عبور الحدود، فإن الجنود"

فماذا نعني بالحمائية التجارية وماهي شروط نجاحها ؟

ظهرت هذه النظرية في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه نظريات حرية التجارة الدولية، أي منذ بدايات نشوء النظام الرأسمالي، وكانت بمثابة رد فعل على سعي الدول الأكثر تطورا آناذاك لغزو أسواق الدول الأقل تطورا، فرأت هذه الأخيرة ضرورة حماية اقتصادها الوطني من المنافسة الأجنبية باتباع سياسة حمائية.

يقصد بسياسة الحماية كل سياسة يتم تبنيها من قبل الدولة لحماية الصناعات المحلية من خطر منافسة الواردات الأجنبية، وعليه فإن المبدأ الأساسي هو استخدام الدولة سلطتها العامة للتأثير بطريقة أو بأخرى على اتجاه المبادلات الدولية أو على حجمها، أو على الطريقة التي تسوى هذه المبادلات بها أو علة هذه العناصر مجتمعة

ولقد رأى كينز  J.M.Keynz أنَّه يتعين على كل دولة في سبيل التحرر من ضغوط التجارة الدولية أن تلجأ ليس فقط لتغيير سعر صرف عملتها، و إنما أيضا تفرض قدر من الرسوم الجمركية، الأمر الذي يمكنها من إقامة سياسة وطنية مستقلة تكون قادرة على استيعاب مشكلة البطالة وتحقيق التوظيف الكامل. 

حجج أنصار مبدأ الحماية في التجارة الدولية

يستند أنصار الحماية لتبرير سياستهم المفيدة للتجارة الخارجية، إلى مجموعة من الحجج بعضها اقتصادي وبعضها غير اقتصادي، وذلك لأن الاعتبارات الاقتصادية ليست المعيار الوحيد لتحرير النشاط التجاري أو لتقييده، بل تتداخل في ذلك اعتبارات سياسية وأخرى اجتماعية يجب على الدولة أ ان تراعيها، ويمكن إجمال أنصار حجج الحماية في: 

الحجج الاقتصادية: 

١ - حماية الصناعات الناشئة: تعتبر هذه الحجة أقوى الحجج التي تبرر التدخل في التجارة الخارجية، وتعنى بحماية الصناعات الحديثة التي قد تنافسها السلع المستوردة فتقوم أدوات الحماية من التصدي للسلع الأجنبية، وأول من نادى بحماية الصناعات الناشئة الأميركية من السلع الانكليزية هو الأميركي (الكسندر هاملتون ) عام 1791 ، ثم تبعة الألماني (فريدريك ليست) عام 1840 عندما نادى بحماية الصناعات الألمانية على الأقل في مراحلها الأولى. 

وترجع أسباب حماية الصناعات الناشئة إلى: 

- الحماية من العمل الرخيص : قد يكون العمل الرخيص سببا رئيسا في انخفاض التكاليف ومن ثم الأسعار، فتعمل الدولة على التدخل لحماية منتجاتها من منافسة الدول ذات العمل الرخيص. 

- دعم وحماية الاقتصاد الوطني : وتتمثل هذه الحماية باتخاذ الوسائل التي تمنع من ممارسة الإغراق من قبل الدول الأخرى، الأمر الذي يؤدي بدوره الى انكماش أو اضمحلال بعض الصناعات الوطنية.

- تحسين معدلات التبادل التجاري : يعرف هذا المعدل بأنه قدرة وحدة الصادرات على شراء وحدة الواردات، وعليه فان فرض التعريفة مثلا على السلع المستوردة سيؤدي الى رفع أسعارها وتقليل استيرادها، وهذا قد يدفع الدولة المصدرة الى تخفيض أسعار سلعتها لكي تحافظ على نفس المستوى من التصدير فتتحسن عندئذ معدلات التبادل لصالح الدولة الأولى 

- الحماية ضرورية لأنها تمكن الدولة من إنتاج بعض السلع التي يتعذر الحصول عليها في فترات الحرب وحيت تتقطع سبل التبادل الخارجي، إذ أن الحماية تمكن من تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وعدم الاعتماد على الخارج في سد الحاجيات الأساسية.

٢ - الحماية كمصدر من مصادر ايرادات الدولة: تشكل الرسوم الجمركية في الكثير من البلدان موردا أساسيا من موارد الدولة، فالتعريفة الجمركية في رأي أنصار هذه السياسة وسيلة سهلة للحصول على الإيرادات وتعزيز المالية العامة للدولة.  

٣ - تؤدي الحماية إلى تنويع الانتاج وحماية أمن الدولة في الداخل والخارج، فيؤدي تنوع الانتاج إلى أن الدولة تقلل من اعتمادها على العالم الخارجي في تصريف منتجاتها، وفي الحصول على بعض حاجياتها و بذلك فالحماية تقلل من من التقلبات الاقتصادية، فلا تصبح الدولة تحت رحمة الأسواق الأجنبية.

٤ - الحماية تؤدي إلى معالجة البطالة: بفعل الحماية التي توفرها الدولة لصناعتها ضد المنافسة الأجنبية التي تهدد بالإفلاس، وبالتالي تسريح العمال.

 كما قد تلجأ الحكومات للحماية للحفاظ على صناعات معينة وحماية الصناعات القديمة والمتآكلة، أو للحفاظ على ندرة العملة الأجنبية  أو تصحيح ميزان المدفوعات، أو لحماية الصناعات الوليدة حتى تتمكن من المنافسة عالميا.

الححج غير الاقتصادية: نذكر منها 

١- حماية أمن الدولة.

٢- المحافظة على المنتوج الوطني.

 ٣- الحماية تجعل الدول تقيد علاقاتها التجارية مع الخارج حتى تحافظ على تقاليد شعبها الفكرية والاجتماعية والهوية الوطنية.

٤- الاستقلالية: تساهم الحماية في الاستقلال الاقتصاد الوطني، فمثلا في حالة حدوث أزمات لا تجد الدول متأثرة بالاقتصاد العالمي.

يتم نطبيق سياسة الحماية التجارية من خلال خفض الضرائب للاستثمارات المحلية ويادة التعريفة الجمركية على السلع المستوردة لاضعاف قيمتها التنافسية مع نظياتها المحلية، تقنين حصص الوارادات منالسلع الأجنبية المنافسة للسلع المحلية، التأكد من مطابقة السلع المحلية لمعايير الجودة العالمية، الدعم الحكومي من خلال خفض تكاليف الانتاج والضرائب على الاستثمارات المحلية بهدف خفض الأسعار وتشجيع الطلب على السلع المحلية. 

شروط نجاح سياسة الحماية التجارية

  لكي تكون هذه الساسة مقبولة وناجحة يجب أن تتصف بما يأتي :

١- أن تكون الحماية مؤقتة وليست دائمة .

٢- أن تكون معتدلة ولا يتضرر منها المستهلك كثيرا .

٣- أن تكون الصناعة المحمية من الصناعات التي تتوفر لها فرص النجاح .

إن الوقائع التاريخية أثبتت صعوبة تحقق هذه الشروط بالكامل ، إذ إن بعض أصحاب المشروعات المحمية اخذوا يطالبون الدولة بإبقاء الحماية بل وزيادة حدتها  الأمر الذي اضر كثيرا بفرص تحسين المنتجات المحمية وتقليل تكاليفها لأنها تستند الى السياسات الحمايوية التي قد تقتل روح التطوير والتحسين المستمرين وهما أساس النجاح لأي مشروع إنتاجي.

ليست هناك بلدان تمارس تجارة دون قيود إطلاقا في الوقت الحالي، وكل الدول الموجودة اليوم فرضت في مرحلة من تاريخها الحديث قيودا شديدة على التجارة، وحاليا تتفاوت البلدان في حدة القيود ، لكن لكي يكون تدخل الدول ناجحا، لابد أن يكون جزئيا، بمعنى أن تتدخل الدولة في القطاعات التي لا يستطيع  أو لا يرغب القطاع الخاص العمل بها، وهو مايعني أن تترك الدولة للقطاع الخاص المجالات التي يمكن أن يعمل بها بكفاءة.

 

المصادر والمراجع:

  أحمد عبد الرحمن أحمد، مدخل إلى إدارة الأعمال الدولية، 

محمد صفوت قابل، منظمة التجارة العالمية وتحرير التجارة الدولية، الدار الجامعية، مصر، 2008.

خروف منير، محاضرات في المالية والتجارة الدولية، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية، قسم العلوم التجارية، جامعة 08 ماي 1945، قالمة، الجزائر.

د خالد المرزوك، محاضرات في الاقتصاد الدولي، كلية الادارة والاقتصاد، قسم العلوم المالية والنقدية، جامعة بابل.

زيرمي نعيمة، أثر التحرير التجاري على النمو الاقتصادي في الجزائر، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراة، تخصص مالية دولية،جامعة ابو بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر،2015 -2016. 

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia