حساب جديد ادعمنا

الخطاب السياسي - Political Speech

استعمل الإنسان اللغة منذ أكثر من 35 ألف سنة، واستخدمت الكلمة كمفرد لغوي لنوع من التعبير الاتصالي بين الأفراد وفئات المجتمع المختلفة وسعى الإنسان إلى تطوير وسائل الإتصال الخاصة به بعدما لجأ إلى استبدال لغة الرموز والإشارات إلى استخدام الكتابة المعبر عنها بالصوت، بعد ذلك تم تطوير هذه اللغة إلى لغة مكتوبة، هذا ما نلاحظه عند تحليلنا للتراث اللغوي القديم في كل من الحضارة الصينية، الهندية، الفرعونية، كذلك انتشرت لغة الخطاب عند العرب في العصر الجاهلي في الفنون، منه أصبحت لغة الشعر وسيلة للإتصال بين العرب والشعوب الأخرى، ما أدى بهم إلى إتقان فنون الكلمات والمفردات والبلاغة والتعبيرات اللفظية الدقيقة، من هنا تطورت الخطابة السياسية والدينية والثقافية والقانونية.

أما الخطاب السياسي فيراد به خطاب السلطة الحاكمة في شائع الاستخدامات وهو قناعة بمضمون الخطاب، الخطاب الموجه عن قصد إلى المتلقي المقصود للتأثير عليه، ويتضمن هذا المضمون أفكار سياسية أو يكون موضوع الخطاب في ذاته سياسياً.

يعرفه ميشال فوكو Michel Foucault- بقوله: يتسع مفهوم الخطاب وتتنوع مصادر إنتاجه، تشتمل الأفراد والجماعات والمؤسسات ويعرفه على أنه مصطلح لساني يتميز عن النص والكلام والكتابة وغيرها، ويشمل كل إنتاج ذهني سواء نثرا أو شعرا مكتوبا أو منطوقا، فرديا أو جماعيا، ذاتيا أو مؤسسيا، وللخطاب منطق داخلي وارتباطات مؤسسية، فهو ليس ناتج عن ذات فردية يعبر عنها، بل يكون خطاب مؤسسة.

 

كما يعرفه فيليب بروتوف (Breton Philippe) نشاط إنساني يتخذ أوضاعاً تواصلية متعددة، ووسائل متنوعة، ويهدف إلى إقناع شخص، أو مستمع، أو مجهور ما، بتبٍت موقف ما، أو المشاركة فى رأى ما.

هناك تعريف آخر للخطاب السياسي للدكتور سعد مطر الزبيدى: بأنه منظومة من الأفكار تشكلت عبر تراكم معرفي نابع من استقراء للواقع بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية وتمحورت عبر أنسـاق إيديولوجيـة مسـتمدة مـن التصورات السياسية المنبثقة من التراث أو من الحداثة التي تختلف في آلياتها ونظمها حسب مسـتوى النضـج الفكـري والوعي بمتطلبات المجتمع ومدى ارتباطها بمستوى الأداء الحركي في عملية التغيير والتنمية والحضور الوجودي.

كما يهدف الخطاب إلى فك شفرة النص بالتعرف على ما وراءه من افتراضات أو ميول فكرية أو مفاهيم؛ فتحليل الخطاب عبارة عن محاولة للتعرف على الرسائل التي يود النص أن يرسلها، ويضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، وهو يضمر في داخله هدفاً أو أكثر، وله مرجعية أو مرجعيات وله مصادر يشتق منها مواقفه وتوجهاته.

خصائص الخطاب السياسي: 

هناك صفات للخطاب السياسي يقوم المتحدث بتحديد طبيعتها والتدرب عليها سلفا وهي كالتالي:

1 .المستوى الصوتي للخطاب: 

حيث هناك صلة واضحة بين المستوى الصوتي وما يرمز إليه، فهناك مستوى للتعبير عن حالة الغضب والفـرح والانزعاج والقوة والضعف وكذلك مدود الكلمات وقصرها وارتفاع الصوت وخفضه وهكذا

2 .المستوى الصرفي للخطاب: 

وهى تعني تناول أبنية الكلمات داخل الخطاب، كأن يطلق سياسي ما مصطلحاً ما قام بصياغته ونحته على حزب أو جماعة أو فرد كأن تطلق كلمة الحمائم والصقور على بعض السياسيين، وقد يقوم بعضهم بتحويل المعنى الدلالي لـبعض المصطلحات ويستخدمها لصالحه ففي عقد الثمانينيات من القرن العشرين تمت الإشارة إلى السيدة- مارجريت تاتشر في البداية باسم- المرأة الحديدية- وكان هذا الوصف يعني عدم المرونة في تعاملها مع الآخرين، وتحولت دلالة المصطلح بعد ذلك إلى معنى إيجابي عندما تم فهمه على أنها تجسد معنى الصلابة والتحمل كما ذكره جورج كلاوس.

3 .المستوى الدلالي للخطاب

وهو الاهتمام بالأفكار والموضوعات والمفردات والمضامين التي تحقق المعنى والتميز الخطابي للمتحدث، فقد يعتمد أحدهم على الاستعارات أو الألفاظ الفنية أو الحربية كمن يتحدث عن أحد السياسيين بأنه رأس الحربة، وآخـر بأنـه الدفاع الجوي وهكذا، وقد يتحدث آخر بأسلوب حسابي أو رياضي كالملاكمة أو ديني أو علمي ومن المهم أن يكـون للسياسى القائد أسلوب يميزه. 

4 .الاهتمام باللغة المستخدمة: 

فقد يتحدث أحد السياسيين بلغة الحقوق، وآخر بالقوة، وآخر بلغة الأمن، وآخر بلغة كبير العائلة أو الأخ الأكبر أو الأصغر، أو المظلوم ومن هنا فإن المتحدث يحدد الصيغة التي يخاطب بها الجماهير والشعوب و لا يتـرك نفسه للظروف تحركه كيفما تشاء.

5.الكلمات المفتاحية:

وهي الكلمات التي يتم صياغتها وانتقائها بدقة وتكرارها أثناء الخطاب السياسي، فهي تختمر في ذهـن الجمـاهير وتأخذ بألبابهم وعقولهم وقد تصبح دليلاً على صاحبها بعد ذلك.

وبالرجوع إلى تصميم الخطاب السياسي نفسه، نجد أنه عبارة عن مجموعة من المصطلحات ذات التأثير الواسع على توجهات الجمهور، ليست لغرض وظيفي معين بقدر ما هي وسيلة لإحلال توجهات جديدة، حيث يتم استعمال مفردات في غير مكانها لتحقيق أغراض معينة، وتكرست هذه المفردات من خلال ثلاثة أنماط معاصرة للخطاب، وهي:

١- خطاب الميادين: الخطاب الاحتجاجي والمفتوح أمام كل الأفراد. 

٢- خطاب الشاشات: ويشمل كل ما تبثه القنوات الفضائية. 

٣- خطاب الصناديق: وهو الخطاب السياسي الذي يرافق العمليات الانتخابية.

عوامل تطور الخطاب السياسي:

الحرية والديمقراطية:

في ظل التطور الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والانفتاح على العالم، عرف الخطاب السياسي عدة تغيرات ساهمت فيها مجموعة من المعطيات، فالحرية السياسية قد سيطرت على كل شىء، والخطاب السياسي ينمو تحت ظل الحرية ويستمد غذاءه وقوته منها، إذ أنه لا يترعرع إلا في جو حر وطليق.

الصراع على السلطة:

ففي ظل الحرية والتعددية، والديقراطية السياسية، يفتح المجال لمختلف الشرائح، والتوجهات، للصراع على السلطة، ويتجلى هذا الصراع في أبرز صوره في الحملات الانتخابية، ومحاولة كل حزب أن يكون مشروعه الانتخابى هو الأغلب، ومبادئه أكثر انتشاراً  وذيوعا، وأعضاؤه أكثر عدداً، وأقوى صوتاً.

 

الاختلاف في الرأي والفكر:

الاختلاف في وجهات النظر، والأفكار من شأنه أن يغذي الخطب السياسي شكلا ومضموناً، ويفتح الطريق لتطوره، ولن يتحقق ذلك إلا فى ظل الديمقراطية والحرية.

الاستعمار:

الاستعمار الذي عرفته بعض الشعوب لفًترة طويلة من الزمن، استدعى أن يكون من بين أهل البلاغة والبيان فيها من يوقظ الحمية، ويحيى الآمال، فظهرت خطب سياسية تدعو إلى الحرية.

الخطاب السياسي أداة للدعاية:

كان ولايزال الخطاب السياسي لسان حال الشعوب، ومرآة عاكسة لهوية الحكم والسلطة ، فلقد حرصت كل دولة لإحداث دعاية عن حكمها، وأنها تسير بالقسطاس المستقيم، كل هذا جعل للخطاب السياسي مكاناً في كل أمة.

مميزات الخطاب السياسي:

يتميز الخطاب السياسي عن غيره من الخطابات، بأنه يملك سلطة أقوى على المتلقـي، وتأثير أكبر لامتلاكه للوسائل التي تجعله يتبوأ هذه المكانة، وتجعلـه خطابـا إقناعيـا بشـكله ومضمونه ومن هذه المميزات:

1 .أن الخطاب السياسي يعالج أهم القضايا على المحورين الـداخلي والخـارجي، ويمتلك سلطة ونفوذ مستمدة من الجهة الصادر عنها مما يجعله أكثر تأثيرا وانتشـارا فـي المجتمع .

2 .يهتم الخطاب السياسي بالقضايا التي تساهم في صنع القرارات الفاعلة في المجتمع، فيبقـي مرتبطاً بالظروف والأحداث السائدة في المجتمع وعلى الساحة السياسية .

3 . تمده السياسة بأهم المضامين والأفكار والقضايا المهمة، ويحمل المصطلحات والمعاني والدلالات التي تجعلـه أكثر تأثيراً على المتلقي وأكثر إقناعا، لتصاغ هذه الأفكار في خطاب متكامل يصـاغ فـي قوالب لغوية وصيغ أسلوبية، ليزيد الأفكار قوة وتأثيرا.

4.يهدف الخطاب السياسي إلى التعبير عن وجهة نظر صاحبه فهو يتبـع أسـلوب الإقناع عن قصد ونية، فيلجأ إلى الأسلوب السهل الممتنع الذي من الممكن أن يصل إلى أكبر قـدر من الجمهور.

5 .يكثر الخطاب السياسي من مصطلحات الشعب والأمة والوطن والمصير المشترك والحرية والمساواة، ويوظف ضمير "نحن"، فهو يحاول إبراز الذات المتكلمة ويحاول أن يخلق تواصـل بـين المـتكلم والمتلقي.

6 .الخطاب السياسي متغير بحسب المتغيرات الاجتماعيـة والسياسـية، وتختلـف مفاهيمه من جماعة لأخرى، كما أنه يحاول أن يستخدم اللغة اليومية للتفاعل مع ما يعيشـه الفرد في المجتمع، والتأثير عليهم بشكل أكبر.

7 .الخطاب السياسي قصدي ويحمل مضامين يريد إيصالها للجمهور وإقناعه بها، فهـو غيـر عفوى فيعالج القضايا ويطرحها من زاوية السـلطة، وبالتـالي فمصـداقية الخطاب رهينة بما تفرضه السلطة، والصواب والحقيقة في الخطاب تحددهما السلطة، كمـا أن الخطاب السياسي خالي من المشاعر ولا يعبر عن ذاته الفطرية أو ذات قائله.

8 .يرتبط الخطاب السياسي بالموقف الذي صنع لأجله، والظروف والتغيرات الواقعة والتـي جاء الخطاب ليعبر عنها، وبمجرد أن تختفي هذه الظروف يختفي الخطاب ويفقد قوته.

9 .يحقق الخطاب السياسي هدفه المنشود من خلال ما يكتسبه من رسمية يستمدها من السلطة التي ينتمي إليها مما يجعله يفرض مصداقية لتحقيق هدفه، وهو أحادي النظرة يقوم علـى الاستفراد بالرأي العام من خلال استبعاده للرأي الآخر، بحكم ما يتمتع به من سلطة.

 

ألوان الخطاب السياسي:

١- الخطاب السياسي الأكاديمي التعليمي: ويشمل هذا اللون المؤلفات السياسية التعليمية منهجا ومعلومة، وهي أدبيات تسعى للتعريف بالخطاب منزهة –افتراضا- عن كل غرض، لكن ذلك لا يستبعد تواري الغرض في منهج التعريف.

٢- الخطاب السياسي الجماهيري: وهو نص تحريضي، دعائي يرتبط في الغالب الأعم بالمناسبات والأزمات، ويأخذ شكل الخبر السياسي أو النص المتكامل أو الشعار أو الأغنية أو الطرفة، وتصبح دلالات الزمان والمكان أكثر جدوى كعوامل منهجية مساعدة في تفكيك الخطاب السياسي.

٣- الخطاب التنظيري الأيديولوجي: وهو الخطاب الذي يبدعه مفكرون أو تيارات فكرية تتواصل في تشييد هذا البناء عبر مراحل تاريخية، وتروجه وتتبناه المنظمات السياسية كالأحزاب وجماعات الضغط وجماعات المصالح، ويبدو هذا الخطاب كنص مبني بعناية، يبرهن على صحة مقولاته بقدر من المقدمات والنتائج المنطقية من وجهة نظر صاحبه.

ختاماً يكون الهدف من كل خطاب سياسي أن يقوم على عملية الإقناع للجهة الموجه لها الخطاب، بالإضافة إلى تلقي القبول والاقتناع بمصداقيته، من خلال العديد من الوسائل والطرق المدعمة بالحجج والبراهين، إضافة إلى الوسائل الحاملة لهذا الخطاب السياسي والتي تشكل ديدنه ومآلاته، وهو ما يقتضي بالضرورة جملا تعبيرية تتناسب مع طريقة التواصل مع الأفراد، مع مراعاة الانسجام مع الموقف والمقام الذي يتم إلقاء الخطاب السياسي على أساسه.

 

المصادر والمراجع:

صحراوى بن شيخة وآخرون، التسويق السياسى، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، ط1 ،عمان، 2011.

 محمد عكاشة، لغة الخطاب السياسي- دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الإتصال-، دار النشر الجامعية، ط1، مصر، 2005.

أحمد زايد، صور من الخطاب الديني المعاصر، القاهرة: دار العين للنشر والتوزيع، 2007.

أمجــد أبــو العــلا، الخطــاب السياســي وأثــره في تحريــك الشــعوب ، مركــز الوفــاق الإنمــائي للدراســات والبحــوث والتــدريب، 17/8/2014.  

وليد عبد الحي، لغة الخطاب السياسي: المشكلة والحل، جامعة اليرموك، المحاضرة الخامس عشر، 21 تشرين الثاني 2013.

الإمام محمد أبو زهرة، الخطابة: أصولها وتاريخها فى أزهر عصورها عند العرب، دار الفكر العربى، القاهرة.

راضية بو بكرى، الخطاب السياسى: الخصائص واستراتيجيات التأثير، العدد 12، جامعة عنابة، الجزائر، 2013.

محمد التومى، الصوت الموتور والمعنى المهدور فى الخطاب السياسى فى تونس ما بعد الثورة، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، تونس، 30/7/2018، 13:24.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia