حساب جديد ادعمنا

الدبلوماسية الاقتصادية - Economic Diplomacy

لم تعد الدبلوماسية حبيسة التعاريف القديمة المحصورة في مجموعة من الاتصالات وتنظيم العلاقات وجمع المعلومات فحسب، بل تحولت إلى عامل مؤثر في تخطيط الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية وإقامة العلاقات بين الدول على أسس جديدة من ناحيتي الأولويات والأهداف، والسعي للمحافظة على مصالح كل منها، وتحقيق المساواة فيما بينها، وفتح المجال أمام نموها وتطورها، وذلك في الوقت الذي تجاوزت فيه العلاقات بين الدول سواء أكانت صغيرة أو متوسطة أو كبيرة الاعتماد فقط على الاعتبارات السياسية          أو العسكرية، لتصبح موجهة باعتبارات اقتصادية أساساً.

وإذا كانت مبادئ التوازن تُصاغ في السابق من قِبَل مفكرين وفقهاء سياسيين، فإنّ عصرنا الحالي أعطى لرجل الاقتصاد صولجان القيادة؛ فالشركات الكبرى هي من يضع المفاهيم والأطر الفكرية لعالم اليوم، وهذا الوضع جعل الحدود السياسية متجاوزة لتعوض بحدود اقتصادية تفصل بين شبكات مصالح مترامية الأطراف؛ فكل النزاعات السياسية أصبحت معفرة برائحة اقتصادية قوية.

ومع التطورات التي يشهدها العالم اقتصاديا وكذلك سياسيا أصبح من المستحيل فصل السياسة عن الاقتصاد، حتى أضحى الاقتصاد سبباً رئيساً في نشوء العلاقات الدبلوماسية بين الدول، حتى أصبحت الدبلوماسية تستخدم الاقتصاد في أحيان كثيرة لخدمة أهداف الدولة، كما ظهرت الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها فرعًا من فروع الدبلوماسية الحديثة، وأداة مهمة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول.

فماذا تعني الدبلوماسية الاقتصادية؟

مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية 

نشأة الدبلوماسية 

يعود مصطلح الدبلوماسية إلى أصل يوناني، فهي مشتقة من فعل "ديبلو" ومعناه يطوي أو يثني، جاءت على شكل وثائق رسمية مطوية أو مثنية تعرف باسم "دبلوما" تصدر تلك الوثيقة الرسمية عن أصحاب السلطة والحكام وتبعث في مناسباتهم الرسمية، ويتمتع أصحابها بامتيازات ومعاملات خاصة أثناء السفر لأداء المهمة الملقاة على عاتقهم.

استعمل لفظ الدبلوماسية في القرن 17 في الوثائق الرسمية وتعليم طريقة حفظها، ثم ترجمتها وفك رموزها عن طريق مايعرف بأمناء المحفوظات، وأُطلِق على صاحب هذا العمل الدبلوماسي، والدبلوماسية بالنسبة لـ"دبلومات"، ومن ثمّ تم تداول مصطلح الدبلوماسية أو الدبلوماسي، نهاية القرن 18 وأصبحت تعرف حاليا إدارة العلاقات الدولية.

تعريف الدبلوماسية 

عرف معاوية بن أبي سفيان الدبلوماسية بقوله "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا ارخوها شددتها وإن شدوها أرخيتها".

تعريف أرنست ساتو Satow:  الدبلوماسية هي استعمال الذكاء والكياسة في إدارة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة.

تعريف شارل كالفو Calvo: الدبلوماسية، ”هي علم العلاقات القائمة بين الدول والناتجة عن المصالح المتبادلة، وعن مبادئ القانون الدولي العام ونصوص المعاهدات والاتفاقيات“.

تعريف د.سموحي فوق العادة: الدبلوماسية هي مجموعة القواعد والأعراف والمبادئ الدولية التي تهتم بتنظيم العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الدولية، والأصول الواجب اتباعها في تطبيق أحكام القانون الدولي، والتوفيق بين مصالح الدول المتبايتة، وفن إجراء المفاوضات والاجتماعات والمؤتمرات الدولية، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات.

تعريف د.عدنان البكري: إن الدبلوماسية، هي عملية سياسية تستخدمها الدولة في تنفيذ سياستها الخارجية في تعاملها مع الدول والأشخاص الدوليين الآخرين، وإدارة علاقاتها الرسمية بعضها مع بعض ضمن النظام الدولي.

تعريف الدبلوماسية الاقتصادية

ظهرت الدبلوماسية الاقتصادية كمفهوم منذ أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة، واكتسبت دوراً أوسع تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية حتى وصلت إلى وضعها الحالي كمظلة للدبلوماسيات المتعلقة بالجانب الاقتصادي التي تمارسها مختلف الأطراف الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، وتعرف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها: "إجمالي الأنشطة الاقتصادية الخارجية للحكومة وقطاع الأعمال للبلد".

يقترح الاقتصادي المغربي "ظفير أمين" تعريفاً للدبلوماسية الاقتصادية على أنها "استخدام الجهاز الدبلوماسي لخدمة التنافسية الدولية والوطنية للدولة لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية ولزيادة القوة الاقتصادية".

وتعرف على أنها: " استخدام أشخاص القانون الدولي للطرق والأساليب الدبلوماسية، وكذلك الوسائل الاقتصادية والسياسة التجارية والمالية والتقنية من أجل بلوغ أهدافها، وتوفير الضمان لتأمين المصالح الاقتصادية الخارجية، وتحقيق تطور في الاقتصاد القومي.

فهي نشاط دولي ثنائي أو متعدد الأطراف، تستخدم فيه الأطراف الدولية (دول تكتلات، منظمات) مقدراتها الاقتصادية في التأثير السياسي أو الاقتصادي، أو تستخدم قوتها السياسية لتحقيق منافع اقتصادية وذلك عبر آليات متكافئة أو غير متكافئة ينتج عنها معاهدة أو اتفاقية تساهم في تحقيق أهداف مختلفة.

ويعتبر اللاعبون الأساسيون فيها حكومات الدول، المنظمات غير الحكومية، المنشأت الاقتصادية والتجارية، رجال المال والأعمال. 

الدبلوماسية الاقتصادية وبعض المفاهيم المتشابهة

الدبلوماسية التجارية Trade Diplomacy: 

تعرف الدبلوماسية التجارية المعاصرة  Contemporary Trade Diplomac على أنّها الدبلوماسية المتعلقة بتبادل السلع والخدمات عبر الأسواق؛ إنّ الدبلوماسية التجارية لا تشمل إدارة المساعدات الاقتصاديّة للدولة المانحة أو المستفيدة، ولكنّ هذا النشاط يقع ضمن مجال الدبلوماسية الاقتصادية والشيء نفسه ينطبق على إدارة العلاقات الاقتصاديّة الدوليّة مع المنظمات الاقتصاديّة الدوليّة.

استعملت الدبلوماسيّة التجاريّة Trade Diplomacy للتعامل مع وصياغة السياسة التجارية خلال المفاوضات المتعددة والمشاورات التجارية وتسوية النزاعات.

الدبلوماسية التجارية Commercial diplomacy: كانت هذه الدبلوماسية جزءًا من السياسة الدولية ولا تعد نشاطًا جديدًا عند بعض علماء الاقتصاد، لكن كمصطلح Commercial diplomacy لم يستخدم إلّا منذ منتصف العقد الماضي فقط، وأدرك أنّ هذا الحقل يحتاج إلى مهنيين تلقوا تعليمًا وتدريبًا خاصًّا لممارسة هذا النمط من الدبلوماسية. 

تقوم الدبلوماسية التجارية بمساهمة مهمة للاستمرار في تطوير التجارة الدولية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وتعمل الدبلوماسية التجارية على ترويج الصادرات وجلب وتشجيع الاستثمارات الخارجية الأجنبية، ورأس المال وتحسين المناخ والاستثمار، وتوطيد العلاقات السياسية عن طريق البعثات التجارية الخارجية من أجل دعم قدرتها التنافسية لمواجهة الشركات الأجنبية.

عناصر الدبلوماسية الاقتصادية

تتكون الدبلوماسة الاقتصادية من ثلاثة عناصر:

1- استخدام النفوذ السياسي والعلاقات لتعزيز و/ أو التأثير في التجارة الدولية والاستثمار ولتحسين أداء الأسواق وتقليل التكاليف ومخاطر الصفقات عبر الحدود.

2- استخدام الأصول والعلاقات الاقتصادية لزيادة وتعزيز المنافع المتبادلة للتعاون والعلاقات المستقرة سياسيًا وزيادة الأمن الاقتصادي بالتركيز على سياسات هيكلية واتفاقات التجارة والاستثمار الثنائية.

3- تعزيز المناخ السياسي السليم لتسهيل وتحقيق الأهداف من خلال المفاوضات المتعددة الأطراف، وفي مجال المنظمات فوق الوطنية مثل منظمة التجارة العالمية والتعاون الاقتصادي والتنمية.

مستويات الدبلوماسية الاقتصادية

تتعدد مستويات الدبلوماسية الاقتصادية وذلك طبقاً لعدد الأطراف التي تقوم بهذا العمل القانوني، فقد يكون مستوى الدبلوماسية الاقتصادية ثنائياً  وإقليمياً وجماعيّاً أو متعدد الأطراف.

أولا- الدبلوماسية الاقتصادية الثنائية: مازالت الدبلوماسية الثنائية تشكل جزءًا رئيسياً من الدبلوماسية الاقتصادية، سواء أكانت هذه الدبلوماسية تشمل المعاملات المالية بين البلدين أو التجارة الرسمية، أو معاهدات الاستثمار، أو غيرها من المواضيع التي تؤثر على العلاقات الاقتصادية؛ فالدبلوماسية الاقتصادية الثنائية مازالت التقنية الأسهل التي تجعل توضيح نتائج التعاون الاقتصادي أمراً سهلاً؛ إذ تتفهمه المصالح الوطنية للأطراف عند طرحه للمناقشة والتدقيق فيه، إلّا أنّه تُؤخَذ على هذه الدبلوماسية ناحية سلبية مهمة؛ ذلك لأنّها تمنح الفوائد إلى الطرف الأقوى في المفاوضات، مما يمكنه استغلال الطرف الأضعف بسهولة أكثر، ففي حالة الاتفاقية بين دولة متقدمة وأخرى نامية تكون المراكز الاقتصادية متفاوتة، وتكون المساومة الدولية لمصلحة الدولة التي تستطيع أن تفرض شروطا تتفق مع مصلحتها وهي الدولة المتقدمة، بينما الدولة الأخرى تقف عاجزة عن المساومة نظراً لضعفها وحاجتها إلى الاتفاقية فتجد نفسها مضطرة للتنازل عن بعض المزايا وبعض الامتيازات للطرف الأقوى. (وتسمى هذه المعاهدات بمعاهدات الإذعان أو المعاهدات غير المتكافئة).

أمّا الإيجابيات لهذا المستوى فهي كثيرة، ذلك أنّ هذه الصفقات الثنائية تساهم بشكل كبير في تعزيز الاتفاقيات الأكثر تعقيداً التي تعقد على المستوى الإقليمي أو العالمي، كما أنّ للدبلوماسية الاقتصادية الثنائية أهمية كبيرة في تحديد القواعد الإقليمية أو المتعددة الأطراف التي يمكن أن تُطبَّق في الحالات المشابهة، فمثلا القواعد التي تحكم النزاعات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان يتمّ اللجوء إليها في نزاعات دول أخرى.

ثانيا- الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية: إنّ البعد الإقليمي للدبلوماسية الاقتصادية في أهمية متزايدة؛ فعلى الرغم من أنّ الاتفاقيات الاقتصادية في هذا المستوى تكون في معظم الأوقات بدافع سياسيّ، إلّا أنّها توفّر وبطريقة سريعة العديد من الأسواق المفتوحة وبشكل متجاور، فالدولة تسمح بحرية النشاط الاقتصادي الوطني عندما يكون ذلك ضمن إطار تجمع إقليمي، وفي معظم الأوقات يكون ضمن دائرة تتكوّن من بلدان متقاربة جغرافيّاً في مستويات التطوّر الاقتصادي والأولويات السياسية المماثلة، فبالنسبة لقطاع الأعمال يكون الدخول إلى الأسواق الإقليمية بديلاً عن دخول الأسواق العالمية عند ضعف الإمكانيات، ويعدّ ذلك بداية طريق المنافسة.

كما أنّ الاتفاقيات الإقليمية قد تكون مصدر قوة للدولة الإقليمية المنضمة إليها عند قيامها بمفاوضات دولية، وبالتالي يكون لها تأثير عظيم في المفاوضات الدولية، وفي قدرتها على فتح الأسواق الدولية، ولكن مهما كان الحافز من إبرام الاتفاقيات الإقليمية، إلّا أنّ الحافز الأكبر قد يكون تحقيق نمو في الصناعات الوطنية وذلك نتيجة قدرة هذه البلدان على منافسة بعضها وبالتالي قيام تجارة في الأسواق الحرة الإقليمية.

ثالثا- الدبلوماسية الاقتصادية الجماعية: المستوى الجماعي للدبلوماسية الاقتصادية يجب اهتمام الدول بشكل أقل ممّا هو عليه الوضع في الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية، أو الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف – الدبلوماسية الاقتصادية الجماعية لا يكون فيها العامل الجغرافي هو وحده معيار التجمع، وتلجأ إليها الدول التي تنتهج سياسة اقتصادية متشابهة، أو تملك مستوى اقتصادياً متقارباً، إلّا أنّ لهذه الدبلوماسية الجماعية شكلاً خاصّاً  كمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، ومجموعة السبعة، ومجموعة الثمانية، ومنظمة الكومنولث وغيرها من التجمعات الاقتصادية الدولية. وهذا المستوى من الدبلوماسية الاقتصادية الجماعية يحقق هدفين مهمين، الأول : أنّ الأطراف المشاركة في هذه الدبلوماسية توفر لها منتدى، عندما تحاول تلك الحكومات الوطنية للدول الأطراف إيجاد حلول، وتوفير التوافق بين بعضها حول هدف اقتصادي معين، سواء أكان محليّاً أم دوليّاً، وذلك من خلال عملية التعاون الطوعي التي تقوم بها هذه الحكومات.

وأما الهدف الثاني: فهو تمكين الحكومات التي تملك توجهات اقتصادية متشابهة من تطوير الواقع المتفق عليه، بحيث يمكنها بعد ذلك من التقدم في المجالات الأوسع متعددة الأطراف، فعلى سبيل المثال كانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية منتدى للعمل التحضيري لعدد كبير من المواضيع كاتفاقية تحرير التجارة في الخدمات والاتفاقيات الزراعية ضمن إطار "الجات" ومنظمة التجارة العالمية.

رابعا- الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف: تتطور الدبلوماسیة الاقتصادیة متعددة الأطراف لتدخل اقتصادیات جمیع البلدان، وهذا الأمر یجعل الاتفاق ضمن إطار الدبلوماسیة متعددة الأطراف أمراً متعباً وصعب الوصول إلیه، فهي تسعى إلى دمج أنظمة متعددة لتعمل ضمن إطار نمط واحد منسق كأنظمة منظمة التجارة العالمیة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمیر، والنشاط الاقتصادي للأمم المتحدة، بالإضافة إلى العدید من المنظمات المتخصصة في الاقتصاد، ولا بد أن نقول إنّ الدبلوماسیة الاقتصادیة متعددة الأطراف قد ساهمت في وضع العدید من القواعد القانونیة التي تحكم العلاقات الاقتصادیة الدولیة وخاصّة في تسعینیات القرن الماضي، وقد كان هناك تقدم
كبیر في هذا المجال، خاصّة في إطاري التجارة والبیئة كآلیة فض النزاعات ضمن إطار منظمة التجارة العالمیة، واتفاقیة الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، إلّا أنّ هذا المستوى من الدبلوماسیة أظهر خلافات عدیدة على الساحة الدولیة بین المنظمات الحكومیة وبین المنظمات غیر الحكومیة، وكذلك الخلافات بین الدول المتقدمة (دول الشمال)، والدول النامیة (دول الجنوب)، فهذه الأخیرة تشتكي من أنّ الدبلوماسیة متعددة الأطراف تضعهم في موقف ضعیف في الاقتصاد العالمي، كذلك فإنّ الدول المتقدمة تتمسك بحجج انتهاك الدول النامیة المتزاید للقواعد الدولیة (كحقوق الإنسان، وعمالة الأطفال، والشروط الاجتماعیة للعمل) في سیاساتها الداخلیة كسبب لرفضها في السماح لمنتجات الدول النامیة من الدخول إلى أسواقها، وعلى الرّغم من أنّ المنافع الاقتصادیة المحققة من الدبلوماسیة متعددة الأطراف تدفع الدول إلى الانجراف فیها، إلّا أنّ المخاطر الاقتصادیة الناجمة عنها كبیرة جداً، وذلك نتیجة لربط الأسواق ببعضها البعض ممّا یفسح المجال أمام انتقال الأزمات إلى الدول الأخرى.

أدوات الدبلوماسية الاقتصادية 

یمكن القول إنّ النشاط الدبلوماسي الاقتصادي الذي تمارسه أیة دولة ضمن الإطار العام لسیاستها الخارجیة تكون الغایة منه دعم أهداف هذه السیاسة، سواء انصرفت هذه الأهداف إلى النواحي الاقتصادیة، أو العسكریة، أو الدعائیة.

احتلت الأدوات الاقتصاديّة كوسيلة للسياسة الخارجية مكانة هامّة في العلاقات الدولية المعاصرة، وهذه الأهمية للأدوات الاقتصادية جاءت من عاملين:

الأول: احتلال الرفاهية الاقتصادية لشعوب المجتمع الدولي مكانة بارزة في سلم أولويات الأهداف القومية للحكومات المعاصرة، ولقد أصبحت المشاكل الاقتصادية مثل البطالة، والتضخم، ونقص المواد الغذائية قضايا هامة تشغل بال الحكومات المعاصرة، إذ إنّ بقاءها في السلطة يعتمد على قدرتها في حل هذه المشاكل.

أمّا العامل الثاني: فهو زيادة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول وما يترتب على هذا الاعتماد من زيادة في أهمية وأولوية الأدوات الاقتصادية كوسيلة للسياسة الخارجية.

 تعتبر التعريفات الجمركية Tariffs من أهم وأقدم الأدوات الاقتصادية، وتفرض التعريفات الجمركية لأهداف مختلفة، فقد  تفرض كوسيلة للحصول على إيرادات ماليّة؛ إذ إنّ الدولة التي تعاني من مشاكل مالية تجد التعريفة وسيلة للحصول على إيرادات تساهم في دعم الميزانية العامة للدولة.

وقد تفرض التعريفة الجمركية كوسيلة لحماية المنتجات الوطنية، إذ إنّ فرض التعريفة الجمركية على السلع المستوردة سيزيد في سعرها ويحد من منافستها للمنتجات المحلية.

كما قد تفرض التعريفة الجمركية كوسيلة للانتقام ضد دولة؛ إذ إنّ فرض التعريفة الجمركية على الموادّ المستوردة من دولة معينة سيؤدي بطريقة غير مباشرة إلى الحدّ من الاستيراد منها ووضع العوائق أمام منتجاتها.

ثمّ هناك القيود النقدية Currency Regulations وتعني تولي الحكومة بنفسها الإشراف على ما يصرف من نقد في الخارج سواء لشراء سلع أو خدمات أو للسياحة والاستثمار.

وحينما تمارس الحكومة إجراء القيد النقدي فهي تتولى بنفسها الإشراف على منح التراخيص الخاصّة بتحويل العملات للخارج وشراء العملات الصعبة مثل الدولار والجنيه الإسترليني.

والحكومات تلجأ عادة لفرض القيود النقدية لحماية ميزان مدفوعاتها، وهو البيان الإجمالي السنوي الذي يصوّر إيرادات الدولة من الخارج ومدفوعات الدولة إلى الخارج.

وقد تستخدم الدولة الحظر الاقتصادي Embargo كأداة للسياسة الخارجية، والحظر يعني عدم تصدير سلعة معينة إلى دولة أو دول محددة لأسباب سياسية أو اقتصادية.

وقد يكون الحظر كلياً أي منعاً شاملاً لتصدير السلعة أو جزئياً أي منع تصدير السلعة بنسبة معينة مثال ذلك الحظر الجزئي الذي فرضته الدول العربية المنتجة للنفط على تصدير النفط لأمريكا وبعض الدول الغربية خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973.

وعلى خلاف الحظر قد يكون الإجراء الاقتصادي المتبع هو المقاطعة Boycott، والمقاطعة تعني رفض استيراد السلع التي تنتجها دولة أو شركة معينة.

وهي تفرض إمّا لاعتبارات اقتصادية أو سياسية لكنها كثيراً ما تفرض لاعتبارات سياسية مثل مقاطعة الدول العربية لإسرائيل والشركات الأجنبية التي تصنع فيها.

كذلك يعتبر الاندماج الاقتصادي Economic Integration  أداة من أدوات السياسة الخارجية؛ إذ إنّه عن طريق هذا الاندماج تحقق الدول بعض المكاسب الاقتصادية وتواجه به التحديات الاقتصادية التي ترفعها لها دول وتكتلات أجنبية.

كما أنّ الاندماج الاقتصادي قد يكون خطوة نحو اندماج سياسي كما كانت الفكرة عند قيام السوق الأوربية المشتركة؛ إذ  كان المؤسسون لها يتوقعون أن تؤدي الوحدة الاقتصادية إلى وحدة سياسية، لكنّ مبدأ السيادة القوميّة وتوسع دول السوق حال دون تحقيق هذه التوقعات وبقيت السوق مجرد وحدة اقتصادي.

وقد تستخدم الدولة تجميد الأرصدة أو تأميمها كإجراء اقتصادي لتحقيق هدف سياسي، وهذا الأجراء يعني تجميد أو تأميم الأرصدة والموجودات لدولة أجنبية داخل إقليم الدولة التي تلجأ إلى مثل هذا الشكل من الإجراءات الاقتصادية.

والتجميد يعني عدم السماح لدولة أجنبية باستخدام أرصدتها وموجوداتها داخل إقليم الدولة التي اتخذت إجراء التجميد حتى تستجيب الدولة الأجنبية للمطالب السياسية أو الاقتصادية المطلوب منها، مثال لذلك تجميد أمريكا للأرصدة والموجودات الإيرانية خلال أزمة الرهائن في السفارة الأمريكيّة في طهران عام 1979م.

وقد يكون الإجراء الاقتصاديّ المتبع هو تخفيض قيمة العملة المحلية، والتخفيض إجراء اقتصادي تلجأ إليه الدولة لتشجيع صادراتها إلى الدول؛ لأنّ التخفيض في قيمة العملة يؤدي إلى تقليل ثمن المنتجات المحلية في الخارج وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب عليها.

وهناك أداة اقتصادية أكثر فعالية في الساحة الخارجية ونعني بها المساعدات الخارجية Foreign Aid، والمساعدات الخارجية أول من استخدمها الدول الغنية والقوية في المجتمع الدولي وبالذات الدول الغربية؛ إذ وجدت هذه الدول أنّ المساعدات الخارجية وسيلة فعالة لاحتواء المدّ الشيوعي وبسط النفوذ الغربي في الدول النامية، لكن منذ منتصف الستينات بدأت الدول النامية الغنية تستخدم المساعدات الخارجية كوسيلة لتحقيق أهداف خارجية مختلفة.

أخيراً تلجأ، الدول ذات الموارد المالية المحدودة إلى المساعدات الفنية Technical Assistance كأداة للسياسة الخارجية؛ إذ تقوم الدولة المقدمة للمساعدات الفنية بتقديم الخبرات الفنية في مجالات فنية مختلفة مثل الزراعة، والصحة، والصناعة، والتعليم.

ونظراً لتوفر الخبرات والإمكانيات الفنية لدى إسرائيل ونتيجة لقلة مواردها المالية فهي كثيراً ما تلجأ إلى استخدام المساعدات الفنية كأداة لسياستها الخارجية خصوصاً في الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية.

أمثلة على الدبلوماسية الاقتصادية الناشطة

- البرازيل: شهدت البرازيل اهتمام كبير في إدخال الدبلوماسية الاقتصادية كعنصر ريادي للبرازيل واستطاعت من خلالها تحقيق موقع متميز وعلاقة قوية خصوصاً مع الدول النامية من خلال مشاركة المعلومات وإنشاء التجمعات الاقتصادية، ومن خلال سياسة المساعدات التي تنتهجها بطريقة تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.

- الصين: وهي من الدول التي استخدمت الدبلوماسية الاقتصادية بشكل فعّال للحصول على انطلاقه اقتصادية، فقد استخدمت الصين دبلوماسيتها الاقتصادية كأداة داعمة على مرّ الزمن وكمثال على ذلك فقد قامت الصين في سبتمبر 2010 بمنع شحن المعادن النادرة لليابان بسبب الأزمة الدبلوماسية بين البلدين الناجمة عن احتجاز سفينة صيد صينية من قبل السلطات اليابانية قرب جزر متنازع عليها بين البلدين، كما جمّدت الصين مفاوضاتها مع السويد لعقد اتفاقية تجارة حرة بسبب فوز معارض صيني بجائزة نوبل للسلام.

- الولايات المتحدة الأمريكية: لها تاريخ طويل في الدبلوماسية الاقتصادية تعود لأيام دبلوماسية الدولار كما أنّها كانت مركز لأهم حدث في الدبلوماسية الاقتصادية Bretton Woods  الذي أنشئ فيه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإعادة الإعمار، كما أنّها شاركت في واحدة من أكبر مشاريع الدبلوماسية الاقتصادية، وهو مشروع مارشال.

- فرنسا: في السنوات الأخيرة توجهت وزارة الخارجية الفرنسية لتفعيل أكبر لدبلوماسيتها الاقتصادية ووضعتها ضمن لوائح المهام الدائمة ذات الأولوية وعدلت في هيكلها باستحداث وحدة تعنى بالقضايا الاقتصادية وفي العام 2010 تم إقرار عدد من النقاط في مؤتمر السفراء لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية الفرنسية منها انفتاح وزارة الخارجية الفرنسية على المنشآت التجارية وخلق حوار مستمر معهم، وأيضا تقديم مواد تعليمية اقتصادية لأعضاء السلك الدبلوماسي الفرنسي.

 

 

 

المصادر والمراجع:

الطاهر القور، مقدمات حول مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية، أستاذ باحث بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة. 

بن ظاهر نائلة، الدبلوماسية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي اتجاه دول شمال افريقيا (الجزائر، تونس والمغرب)، مذكرة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة المسيلة، الجزائر، 2018-2019.

د محمود عبد ربه العجرمي، الدبلوماسية النظرية والممارسة، 2011.

فيروزمزياني ، الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية في ظل التحولات الإقليمية والدولية، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، المجلد 08، العدد 15، الجزائر، جويلية 2019.

أمال خالي، دروس التجربة الأندونيسية في توظيف الدبلوماسية من أجل تعزيز التنويع الاقتصادي، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد 17، الجزائر، جانفي 2018 .

د. عماد حبيب دويلات، الدبلوماسية الاقتصادية، ، الطبعة الأولى، دار المرساة، اللاذقية ، سورية، 1996.

لؤي يحي الإرياني، الدبلوماسية الاقتصادية، 19-11-2014 

سهى شويحنة، الدبلوماسية الاقتصادية، مذكرة لنيل درجة الماجيستار في القانون الدولي، كلية الحقوق، جامعة حلب، سورية، 2013.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia