حساب جديد ادعمنا

الديماغوجية - Demagogy

لطالما استخدم الناس على مر التاريخ كلمة ديماغوجية بلا مبالاة، باعتبارها "كلمة هجوم" لتحطيم أي زعيم يعتقد المتحدث أنه متلاعب أو خبيث أو متعصب. في حين أنه لا يمكن أن يكون هناك فاصل دقيق بين الديماغوجيين وغير الديماغوجيين، نظراً لأن الديماجوجية تقوم على أسس ديمقراطية أي رأي الأغلبية.

وعلى ذلك؛ فخداع الجماهير وتضليلهم جوهر الديماجوجية، وهو السلاح الذي يلجا إليه كثير من الساسة لاكتساب الثقة الشعبية والتأیید، عبر التملق ومخاطبة الغرائز ومسايرة الأحلام والأوهام الكاذبة التي لا تنهض على أساس. ويتوافق نجاح هذا المنهج مع تراجع الوعي ومحدودية الثقافة والعجز عن التقييم المنطقي للرسالة التي يتم تقديمها بمعرفة هؤلاء الزعماء.

حدد المؤرخ راينهارد لوثين - Reinhard Luthin الديماجوجية على هذا النحو: ”ما هو الديماغوجي؟ إنه سياسي ماهر في الخطابة، والتملق؛ مراوغ في مناقشة القضايا الحيوية؛ واعادة كل شيء للجميع؛ مناشدة للعواطف بدلاً من أعطاء اسباب منطقية للجمهور؛ وإثارة التحيزات العنصرية والدينية والطبقية، رجل يقود شهوته للسلطة دون اللجوء إلى المنطق ساعياً ليصبح سيدًا للجماهي. وقد مارس مهنته منذ قرون كرجل الشعب، الديماغوجية هي تقليد سياسي قديم قدم الحضارة الغربية نفسها“. ولكن قبل الخوض في التفاصيل ما هي الديماجوجية ؟

الديماجوجية: هي كلمة يونانية δημαγωγός قديمة مكونة من مقطعين ديما - δῆμος من ديموس وتعني الشعب. و غوجيا - ἀγωγός وتعني القيادة؛ وبذلك تكون الديماغوجية إستراتيجية لإقناع الأخرين بشيئ ما بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم  المسبقة. عن طريق  الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهير. أما وفقا للتعريف السائد اليوم فهي تدل على مجموعه من الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة وذلك ظاهريا من أجل مصلحة الشعب، وعلمياً من أجل الوصول للحكم.

ومما سبق فالديماغوجية كلمة يونانية ترجمتها الحرفية قيادة الشعب. قوام تلك الإستراتيجية التركيز على المخاوف والأفكار المسبقة. وبذلك يكون التغلغل في أعماق الكتلة الشعبية من منطلق الخطاب الدعائي الحماسي مستغلا النبرة العاطفية وبعيدا كل البعد عن الأسس المنطقية والعقلانية. 

تم صياغة كلمة ديماغوجية لأول مرة في اليونان القديمة دون دلالة سلبية، ولكن في النهاية أصبحت تعني نوعاً مزعجاً من القادة الذين نشأوا في بعض الأحيان في عموم المواطنيين. على الرغم من أن الديمقراطية أعطت القوة لعامة الناس، إلا أنَّ الانتخابات ظلت تميل إلى تفضيل الطبقة الأرستقراطية التي فَضَّلت المداولات واللياقة. كان الديماغوجيون نوعاً جديداً من القادة الذين خرجوا من الطبقات الدنيا. لجأ فيه الديماغوجيون مباشرة إلى عواطف الفقراء وغير المطلعين، سعياً وراء السلطة، وتلفيق الأكاذيب لإثارة الهستيريا، واستغلال الأزمات لتكثيف الدعم الشعبي لدعواتهم إلى العمل الفوري وزيادة السلطة، واتهام المعارضين المعتدلين بالضعف أو عدم الولاء للأمة.

ومن السمات الأصيلة عند الساسة الديماغوجيين أن الوصول إلى السلطة يمثل هدفاً رئيسيا لهم دون النظر إلى المصلحة العامة والآثار المترتبة في المدى البعيد. وفي سبيل ذلك لا يتورعون عن التبشير بأفكار غير مجدية وبعيدة عن معطيات الواقع وهم يفعلون ذلك من خلال إثارة عواطف الطبقات الدنيا والأشخاص الأقل تعليما في الديمقراطية نحو الثورات والعمل العنيف، وكسر المؤسسات الديمقراطية القائمة مثل سيادة القانون حدد جيمس فينيمور كوبر - James Fenimore Cooper  في عام 1838 أربع خصائص أساسية للديماغوجيين: 

 • يقدمون أنفسهم كرجل أو امرأة من عامة الناس، معارضين للحكومة. 

• تعتمد سياساتهم على علاقة حشدية مع الناس، وهو ما يتجاوز بشكل كبير الشعبية السياسية العادية. 

• إنهم يتلاعبون بهذا الاتصال، والشعبية الهائلة التي يتيحها، لمصلحتهم وطموحهم. 

• إنهم يهددون أو يخرقوا قواعد السلوك والمؤسسات القائمة وحتى القانون.

لذلك  المنطقي أن تكون الخطابة هي الأداة الأهم عند أبرز رموز المدرسة الديماغوجية، حيث يجب أن يكون الديماغوجي خطيباً مفوهاً ذا جاذبية تضفي عليه ملامح الصدق والثقة، بما يدفع الشعب إلى التعلق به ومسايرته وتأییده بلا حدود. ومع تطور أساليب الدعاية ووسائل الاتصال الجماهيري، لم تعد الخطابة التقليدية هي الأداة الوحيدة، فالبدائل تتمثل فيما تتضمن الوسائل الإعلامية المستحدثة.

من أمثال الديماغوجيين على مر التاريخ كليون الأثيني - Cleon ، أدولف هتلر - Adolf Hitler ، بينيتو موسوليني - Benito Mussolini، هيوي لونج - Huey Long ، الأب كوغلين، وجوزيف مكارثي - Joseph McCarthy، وجميعهم قاموا ببناء متابعين جماعيين بنفس الطريقة التي قام بها كليون: من خلال إثارة عواطف العامه ضد العادات المقررة من قبل للنخبة الأرستقراطية في عصرهم .وهم يستخدمون للقيام بذلك عدة أساليب وهي: 

1- كبش فداء: أكثر التقنيات الديماغوجيين الاساسية هي كبش الفداء:  وهي إلقاء اللوم على مشاكل المجموعة داخل مجموعة خارجية ، وعادة ما تكون من عرق أو دين أو طبقة  اجتماعية مختلفة. على سبيل المثال، زعم مكارثي أن جميع مشاكل الولايات المتحدة نتجت عن "التخريب الشيوعي". كما ألقى دنيس كيرني - Denis Kearney باللوم في جميع مشاكل العمال في كاليفورنيا على المهاجرين الصينيين . وذلك بغض النظر عن أختلاف كبش الفداء في كل مرة أو طبيعة الأزمة التي يتم إستغلالها . 

2- الخوف: لقد صعد العديد من الديماغوجيين إلى السلطة من خلال إثارة الخوف في جمهورهم، لتحريكهم على العمل ومنع المداولات. الخوف من الاغتصاب ، الخوف من القتل، الخوف من فقدان موارد الدولة وما إلى ذلك . 

3- الكذب: في حين يحتاج أي سياسي إلى الإشارة إلى الأخطار التي ستحيط بالناس وانتقاد سياسات الخصوم ، يختار الديماغوجيون كلماتهم لتأثيرها على عواطف جمهورهم ، عادةً دون اعتبار للحقيقة الواقعة أو خطورتها فبعض الديماغوجيين انتهازيين ، يراقبون الناس ويقولون كل ما سيقوله حاليا هو الحقيقة المطلقة.  قد يكون الديماغوجيون أنفسهم جاهلين أو متحيزين لدرجة أنهم يعتقدون بصدق الأكاذيب التي يخبرونها. وعندما لا تنجح كذبة واحدة، ينتقل الديماغوجي بسرعة إلى المزيد من الأكاذيب لتدعيم فكرته. 

4- الخطابة العاطفية والكاريزما الشخصية : أظهر العديد من الديماغوجيين مهارة ملحوظة في السيطرة على عاطفة الجماهير من خلال الخطاب. في بعض الأحيان يكون هذا بسبب بلاغة لفظية استثنائية ، أو كاريزما شخصية ، وأحيانًا الإثنان على حد سواء. مكّنت الكاريزما والخطابة العاطفية للديماغوجيين مرات عديدة من الفوز في الانتخابات على الرغم من معارضة الصحافة.

5- اتهام الخصوم بالضعف وعدم الولاء 

6- يعد بالمستحيل: هناك تقنية ديماغوجية أساسية أخرى وهي تقديم الوعود فقط لتأثيرها العاطفي على الجماهير ، بغض النظر عن الكيفية التي يمكن أن تتحقق بها أو دون نية لتنفيذها بمجرد توليهم المنصب يعبر الديماغوجيون عن هذه الوعود الفارغة ببساطة ومسرحية ، لكنهم يظلون ضبابيين للغاية حول كيفية تحقيقهم لأنها عادة ما تكون مستحيلة.

7- العنف والترهيب البدني: غالبًا ما شجع الديماجوجيون مؤيديهم على تخويف المعارضين بعنف ، لترسيخ الولاء بين مؤيديهم ولتثبيط أو منع الناس جسديًا من التحدث علنًا أو التصويت ضدهم . 

8- الإهانات الشخصية والسخرية: لقد وجد العديد من الديماجوجيين أن السخرية أو إهانة المعارضين هي طريقة بسيطة لإيقاف التداول المنطقي للأفكار المتنافسة ، خاصة مع جمهور غير معقد. ومن الأساليب الديماجوجية الشائعة تثبيت صفة مهينة للخصم ، من خلال قولها بشكل متكرر، في الكلام بعد الكلام ، عند قول اسم الخصم أو مكانه .

9- الابتذال والسلوك الفظيع: عادة ما يكون لدى الهيئات التشريعية قوانين لفرض الواقعيه والذوق العام. ينتهك العديد من الديماغوجيين تلك القوانين بشكل فاضح  ليوضحوا إنهم لا يمتثلون لأوامر الطبقة العليا، أو ببساطة لأنهم يستمتعون بالاهتمام الذي يجلبه. قد يجد الطبقات الأرستقراطية الديماغوجيين مثيرًين للاشمئزاز، لكن الديماغوجي يمكن أن يستخدم احتقار الطبقة العليا لإظهار أنه لن يخجل أو يخيف من قبل ذوي السلطة.

10- الاستعراض: قدم معظم الديماغوجيين عرضًا يظهرون وكأنهم متواضعون ، مواطنون عاديون تمامًا مثل الأشخاص الذين سعوا للحصول على أصواتهم. وذلك من خلال اظهار أصولهم المتواضعه أو لهجتهم أو انتماءاتهم. 

11- التبسيط الإجمالي للمشاكل: عادة ما يعالج الديماغوجيون المشاكل المعقدة، والتي تتطلب تفكير كثير وتحليل إلى إنها ناتجة عن سبب واحد بسيط أو يمكن حلها عن طريق علاج واحد بسيط.

12- مهاجمة وسائل الإعلام الإخبارية: بما أن المعلومات الواردة من الصحافة يمكن أن تقوض خطابات الديماجوجية على أتباعه، فإن الديماغوجيين المعاصرين غالبا ما هاجموا الصحافة بشدة، داعين إلى العنف ضد الصحف التي عارضتهم، مدعين أن الصحافة كانت تعمل سراً لخدمة المصالح المالية للطبقة الحاكمة أو القوى الأجنبية. 

ولكن ما الاثار الناتجة عن إيصال الديماجوجية للسلطة . 

1- تأسيس حكم الرجل الواحد، إيقاف حكم القانون : بمجرد انتخاب الديماغوجي للمنصب التنفيذي ، تحرك معظمهم بسرعة لتوسيع سلطتهم ، سواء القانونية أو الواقعية : عن طريق تمرير التشريعات لتوسيع سلطتهم رسميًا ، وبناء شبكات الفساد والضغط غير الرسمي لضمان اتباع قراراتهم بغض النظر عن السلطة الدستورية. 

2- تعيين تابعيين غير مؤهلين لشغل مناصب عليا ؛ الفساد : كما يتضح بأعلاه ، فإن الديماغوجيين عادة ما يعينون الأشخاص في المناصب العليا على أساس الولاء الشخصي بغض النظر عن الكفاءة في المنصب وبذلك فتح طرق استثنائية للمحسوبية والفساد . 

المصادر والمراجع:

مصطفى بيومي، إعرف، الطبعة الأولى، كنوز للنشر والتوزيع ، 2013.

عصام عبد الفتاح، السجل الأسود لأمريكا، المنهل ، 2015 .

 

The German Right, 1860-1920 , James N. Retallack, and James Retallack , university of toronto ,2006

American Demagogues. Luthin, Reinhard H. Beacon Press. (1954).

We Must Not Be Enemies: Restoring America's Civic Tradition. Michael Austin. Rowman & Littlefield,2019.

"On Demagogues". The American Democrat, or Hints on the Social and Civic Relations of the United States of America. , James Fenimore Cooper. Cooperstown: H. & E. Phinney.1838

"Demagoguery and Political Rhetoric . Gustainis, J. Justin.: A Review of the Literature. JSTOR.1990

Formation and Transformation in Britain, France, Germany, and the United States: The Ethics of Modernity. Richard Münch, Richard Munch,. Rowman & Littlefield. 2001.

Contemporary Africa trends and issues. American Academy of Political and Social Science.1995.

American Demagogues. Luthin, Reinhard H. Beacon Press. (1954).

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia