حساب جديد ادعمنا

السلوك الإجرامي - Crime behavior

من المعروف أنَّ الجريمة لا تقوم إلّا في حالة توافر عناصرها الثلاثة، هذه العناصر تضُم الرّكن القانوني، الركن المادي، الركن المعنوي. إنَّ الركن القانوني يفترض وجود نصّ عقاب للفعل المُجرم ويعتبر وجوده إلزامياً إلى جانب كلّ جريمة. وبالنسبة للركن المعنوي يرمي إلى نية الفاعل بالقيام بالسلوك الجرمي قصدًا. أمّا عن الركن المادي يتالف من ثلاثة عناصر، وهي السلوك الإجرامي والنتيجة الجرمية، والعلاقة السببية التي تربط بين السلوك الإجرامي والنتيجة الجرمية. هذا المقال سوف يسلط الضوء حول مفهوم السلوك الإجرامي، أسبابه ودوافعه، والنظريات المفسرة حوله، وأخيرًا آليات مكافحة السلوك الإجرامي ووسائل الوقاية منه. 

أولاً: مفهوم السلوك الإجرامي

يعرف السلوك الإجرامي بأنَّه المظهر الخارجي للركن المادي للجريمة، و هو يأتي في صلب كل جريمة لأن المشرع لا يجرم على مجرد التفكير في الجريمة أو على مجرد الدوافع والنزاعات النفسية وإنما يستلزم أن تظهر تلك النزاعات والعوامل الدفينة في صورة واقعة مادية هي الواقعة الإجرامية، فالمُشرِّع لا يستطيع الدخول إلى نفوس البشر ويفتش في تفكيرهم المجرد ليعاقبهم على ذلك. دون أن يتخذ هذا التفكير، وتلك العوامل النفسية مظهرا مادياً.

لذلك يمتاز الركن المادي بعناصر وهي:

- السلوك الإيجابي: ويتمثل في حركة عضوية يقوم بها الجاني كأن يمد يده ليستولي على المال أو يحرك اليد لضرب شخص آخر والضغط على زناد السلاح لقتل آخر.

- السلوك السلبي: يكون بالامتناع عن القيام بفعل قد فرضه القانون تحت طائلة العقاب، كالامتناع عن تبليغ السلطات عن الجرائم والمجرمين أو الامتناع عن إسعاف أو إطعام شخص يشرف على الهلاك بقصد قتله وتركه يموت.

كما يُعرف بأنه سلوك منافٍ للقواعد الأخلاقية، وينتهك فيه صاحبه القوانين المعروفة، ويتصرف بطريقة سلبية مخالفة للقواعد والمبادئ السائدة في المجتمع، ويتضمن هذا السلوك أفعالاً تسبب الضرر للمجتمع. ما صاحب هذا السلوك فهو مجرم يفعل أفعالاً جنائية وعن سبق الإصرار والترصد. إن السلوك الاجرامي يصف نوعين من الاشخاص. النوع الأول هم الأشخاص المجرمين الذين يتحملون كامل المسؤولية عن أفعالهم الإجرامية. أمَّا النوع الثاني هم الأشخاص الذين يفعلون الجرائم دون إدراكٍ منهم، لأنهم مصابين باضطرابات نفسية وعقلية.

ثانياً: أسباب السلوك الإجرامي

بعد تبيان مفهوم السلوك الاجرامي لا بد لنا أن نذكر الاسباب والدوافع من وراء هذا السلوك. فالسلوك الإجرامي لا يأتي من فراغ، بل هُناك العديد من العوامل التي تؤدي إليه، وقد أشار الخبراء وعلماء الاجتماع إلى العوامل التي تكون محددة في السلوك الاجرامي، ومن هذه العوامل:

1- ان يكون الولد منتمياً إلى عائلة يمارس اصحابها السلوكيات الاجرامية فيتعود عليها وبالتالي تصبح أمراً عاديا بالنسبة له وكانه لا يخالف القانون ولا عادات المجتمع.

2- مُصادقة رفقاء السوء والاقتداء بأثرهم.

3- حب الانتقام والثأر من الآخرين.

4- التهرّب من الواقع والتخلّص منه، كالمشاكل المادية والعيوب والندم.

5- البطالة وقلة العمل يخلق فراغ كبير لدى الأشخاص مما يجعلهم مُهيئين لارتكاب الجرائم.

6- التأثر بالبيئة الاجتماعية الفاسدة

7-  الرغبة في تحقيق كسب سريع بدون بذل أي مجهود.

 

ثالثا: نظريات ودوافع السلوك الإجرامي

لقد أدلى فقهاء القانون وعلماء النفس بدلائهم في غمار هذا العلم وأسسوا النظريات في عوامل السلوك الاجرامي لدى الإنسان.و من منطلق ذلك هناك نوعان من النظريات التي قيلت في تفسير ظاهرة السلوك الاجرامي وهي النظريات النفسية والنظريات الاجتماعية، ومن هذه النظريات:

نظرية لومبروزو - Lombroso

يعتبر الطبيب سيزار لومبروزو - أستاذ الطب الشرعي والعقلي في الجامعات الايطالية - الرائد في النظريات الفردية، وبحكم امتلاك لومبروزو الروح التأملية فقد ساعده ذلك كثيراً في تفسير ما يدور حوله من الظواهر وخصوصاً السلوك الاجرامي لدى الأفراد. وقد لاحظ لومبروزو بأنَّ (الجنود الأشرار يتميزون بعدة مميزات جسدية لم تكن موجودة في الجنود الأخيار). وذلك خلال عمله في مجال الطب الشرعي في الجيش الايطالي لبعض الوقت.

فمن المميزات التي لاحظها لومبروزو في الجنود الأشرار (الوشمات والرسوم القبيحة التي كانوا يحدثونها على أجسادهم.

هذا ما كان قد لاحظه مما يبدو للعيان على أجساد المجرمين، أما من خلال تشريح جثث الكثيرين من هؤلاء المجرمين فقد تبين له (وجود عيوب في تكوينهم الجسماني وشذوذ في الجمجمة... وإنتهى لومبروزو من ذلك إلى أن المجرم نمط من البشر يتميز بملامح عضوية خاصة، ومظاهر جسمانية شاذة يرتد بها إلى عصور ما قبل التاريخ أو أن الإنسان المجرم وحش بدائي يحتفظ عن طريق الوراثة بالصفات البيولوجية والخصائص الخلقية الخاصة بإنسان ما قبل التاريخ ومن بين هذه الخصائص صغر الجمجمة، وعدم انتظامها، وطول الذراعين، وكثرة غضون الوجه، واستعمال اليد اليسرى وضخامة الكفين والشذوذ في تركيب الأسنان إلى جانب عدم الحساسية في الشعور بالألم.

وبالإضافة إلى تلك الصفات العامة وقف لومبروزو على بعض الملامح العضوية التي تميز بين المجرمين. فالمجرم القاتل يتميز بضيق الجبهة، وبالنظرة العابسة الباردة، وطول الفكين وبروز الوجنتين، بينما يتميز المجرم السارق بحركة غير عادية لعينيه، وصغر غير عادي لحجمهما مع انخفاض الحاجبين وكثافة شعرهما وضخامة الأنف وغالباً ما يكون أشولا

 

نظرية دي تيليو - Di Tulio (نظرية التكوين الإجرامي): 

وهي نظرية جاء بها العالم الايطالي دي توليو عام 1945 وقد عمل فيها إلى تقسيم المجرمين إلى فئات ذات سمات تكوينية معينة، وذلك بوجود عوامل تكوينية داخلية ذات علاقة بالسلوك الاجرامي. وقسم المجرمين إلى صنفين هما المجرم العرضي: وعادة ما ينتمي هذا النوع إلى الطبقة الوسطى، وأن المجرمين من هذا النوع يبدون متوافقين ولديهم القدرة على حفظ الاتزان بين مطالبهم والذاتية والمتطلبات الاجتماعية، وتؤدي العوامل الداخلية إلى الإخلال باتزان الفرد واضطرابه وعدم قدرته على التكيف، الأمر الذي يجعله يقدم على ارتكاب الفعل الإجرامي، وأن هناك دوافع نفسية واجتماعية وتؤثر عليه مثل الحاجات النفسية ومطالب الحياة اليومية.

المجرم التكويني: وهؤلاء ذو استعداد لارتكاب الفعل الإجرامي، ولهم خصائص جسمية ونفسية معينة، مثل الضعف العقلي، وعدم الاتزان واضطراب القدرات العقلية فيما يتعلق بالتفكير المجرد واستخدام المنطق يرى الفقيه الإيطالي دي توليو أن تفسير السلوك الإجرامي يرتبط تماما بنمو الشخصية الإنسانية في علاقاتهما الجدلية بالعوامل البيولوجية والنفسية والوظيفية والتي تنمو تدريجيا منذ ميلاد الفرد ثم تتأمل في مرحلة النضج، فالإنسان يمر نمو شخصيته بمراحل متتابعة يتحرر في نهايتها من الترهات الفطرية واحتياجات الطفولة ويكتسب قدرات ووظائف جديدة تميز الإنسان البالغ.

جاءت نظرية دي تيليو كرد فعل على نظرية لومبروزو التي ركزت على وجود (المجرم بالتكوين) وإن اتفق دي تيليو  مع لومبروزو على وجود المجرم بالتكوين إلا انه أنكر كونه عاملاً وحيداً للسلوك الإجرامي، وإنما يشكل مع غيره من العوامل الاجتماعية عاملاً مركباً للسلوك الإجرامي.

لقد اتفق دي تيليو مع لومبروزو من حيث المبدأ بادئ ذي بدء إلا أنَّه بدأ يتحول تدريجياً ورويداً رويداً (من فكرة المجرم الحتمي بالتكوين إلى فكرة المجرم الاحتمالي).

وتتخلص نظرية دي تيليو باعتقاده بوجود ميل واستعداد للاجرام لدى الشخص المجرم وذلك إثر تكوين خاص للشخصية الفردية، واتسامها بصفات عضوية ووظيفية وراثية أو طبيعية أو مكتسبة من البيئة لقد فرق دي تيليو بين صورتين رئيسيتين للاستعداد الإجرامي: الأولى عرضية والثانية ثابتة.

فالأولى: هي عوامل فردية واجتماعية اقوى من قدرة الجاني على ضبط مشاعره فتحرك عوامل الجريمة ليديه ومن أنواعها الحقد والغيرة.

والثانية: متجسدة في تكوين الإنسان وتتركز في ناحيتي التكوين العضوي والنفسي للشخصية الفردية وهذا ما يسميه أيضا دي تيليو الاستعداد الأصيل للاجرام المنبعث عن شخصية الجاني والذي يمثل مصدراً للجرائم الخطيرة

لقد اعتبر دي تيليو بأنَّ لإفرازات الغدد أثرها الكبير على سير أجهزة الجسم، والتي لها انعكاساتها في الوقت ذاته على مظاهر الحياة النفسية للإنسان، وبالتالي على معالم شخصيته، وقد خلص دي تيليو في النهاية إلى وجود (نموذج بشري غددي إجرامي)

اهتم المفكرون والفلاسفة العرب والمسلمون بالعوامل المؤثرة في سلوك الأفراد والمحددة لأنماط هذا السلوك وأهدافه ويمكن إيجاز آرائهم في أربعة أنماط من التفاسير وهي:

- النظرية الجغرافية في دوافع الجريمة: تعتمد هذه النظرية على فرضية أن للبيئة الجغرافية تأثيراً في النشاط البشري والسلوك الإنساني وأنَّ البيئة الجغرافية هي التي تحدد سلوك الإنسان بما فيه السلوك السوي والسلوك الاجرامى، ومن الفلاسفة الذين تبنوا هذه النظرية مونتسكيو.

- النظرية الأنثروبولوجية لدوافع الجريمة: ارتكزت هذه النظرية على فرضية أن هناك علاقة بين خصائص الجسم وملامح الشكل (الهيئة) وبين طبيعة خُلق الفرد وسلوكه وقد اهتم الكثيرون من علماء المسلمين بذلك إلاّ أن أكثرهم اهتماماً بهذا الأمر كان الفقيه المؤرخ (أبو الفرج بن الجوزي) من أبناء القرن السادس الهجري. 

- النظرية الوراثية لدوافع الجريمة: تنطلق من فرضيه أن السلوك (السوي والإجرامي) ينتقل من الآباء إلى الأبناء وتقويم هذه النظرية ركزت على العوامل الوراثية للسلوك الإجرامي، ولكنها تجاهل دور العوامل المكتسية “كالبيئة والتربية…“ كما أن العوامل الوراثية توجد فقط الاستعداد الإجرامي، إلى يتوقف تحوله إلى سلوك إجرامى على عوامل مكتسبه كالبيئة.

- النظرية البيئية: تنطلق من فرضيه أن البيئة هي التي تحدد السلوك الإنساني ”السوي والإجرامي” مرتكزة على دور العوامل الموضوعية ”كالبيئة“، في حين تتجاهل دور العوامل الذاتية الاراده.

رابعاً: آليات مكافحه السلوك الإجرامي

إنَّ اهم آليات مكافحة السلوك الإجرامي التي وضعها العلماء والخبراء هي:

- وضع السلطات والهيئات المختصة، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، الخطط والبرامج الشاملة، التي من شأنها القضاء على العوامل المؤدية إلى الإجرام أو الظروف المهيئة له.

- العمل على حل المشاكل الاجتماعية كالتفكك الاسري.

- تعزيز دور الاسرة في مكافحة السلوك الإجرامي من خلال التربية السليمة ووضع تشريعات التي توفر الحماية الاجتماعية و الاقتصادية للأسره.

- القيام بندوات ومحاضرات في المدارس والجامعات بهدف التوعية من مخاطر السلوك الإجرامي.

- وضع عقوبات رادعه على الجرائم ذات خطورة الأكبر على المجتمع.

- العمل على تقليص نسبة الفقر والبطالة و الجهل.

خامسا: وسائل الوقاية من السلوك الإجرامي

يمكننا الوقاية من السلوك الاجرامي عبر الوعظ والارشاد والنصح وذكر الامور السلبية  والمخاطر وهذا التوجيه يكون مباشر ليتعلم الطفل كيف يسلك طريق معين يتناغم مع عمره ومرحلة نموه ومتطلبات حياته اليومية دون انحراف عن القواعد والأعراف الاجتماعية. والطـريقـة غيـر المباشـرة هي طريقة الإيحاء. كأن يلقن الأطفال أحسن الشعر في الحكم وأحسن النصائح والأخبار ويمنعوا النظر في الشعر السخيف وقد ثبت في علم النفس ما للطريقتين من أثر كبير في تربية الطفل. 

 ايضا من اساليب الوقاية, المــحـاكـاة والقدوة الصالحة فللمحاكاة أثراً  كبيراً في التربية الخلقية والعقلية وذلك لأن التقليد عامل رئيسي في المرحلة الأولى لتكوين العادة، فالطفل يرى الشيء يفعل أمامه فيحاكيه ويكرره حتى يصير عادة له، لهذا أوصى ابن سينا بما ينادي به علم النفس اليوم بأن المقلد يجب أن يكون قدوة طيبة ونموذجاً حسناً، حتى لا يترك أثراً سيئاً في نفس الطفل المقلد حيث ثبت في علم النفس أن القدوة تبني الطفل إن كانت خيرة صالحة، وتهدمه إن كانت فاسدة لأنَّه بطبيعته يحاكي ما يحدث في المجتمع الذي يحيط به، حسناً كان أو قبيحاً فهو يحاكي من يعيشون معه أو يتصلون به من حيث لا يشعر أو يشعرون.

المصادر والمراجع:

د.صبري محمد خليل، مقال بعنوان: الجريمة والسلوك الاجرامى: التعريف والأسباب والنظريات المفسرة واليات المكافحة، صحيفة سودانايل، 2018/02/08.

محمد عطية الأبراشي، التربية الإسلامية وفلاسفتها، الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي، القاهرة.

د. محمود الحاج قاسم محمد، مقال بعنوان: نظريات ودوافع السلوك الإجرامي في التراث العربي الإسلامي  ووسائل الوقاية منه، موقع بيت الموصل، 2014/02/01.  

عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو يزيد، مقدمة ابن خلدون، المطبعة البهية المصرية، القاهرة.

د. محمد خلف، مبادئ علم الاجرام، الجماهيرية الليبية، دار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلام، 1986.

حيدر البصري، مقال بعنوان: عوامل السلوك الإجرامي بين الشريعة والقانون، مجلة  النبأ، كانون الاول 2000، العدد 52.

كتّاب سطور، مقال بعنوان: مفهوم السلوك الإجرامي،  منشور عبر موقع سطور بتاريخ 2020/02/06.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia