حساب جديد ادعمنا

العرف الدستوري - Constitutional Custom

يعتبر العرف المصدر الأول بل وأقدم مصدر للقواعد القانونية بصفة عامة ولقواعد القانون الدستوري بصفة خاصة.

وقد كان للعرف دور كبير فيما مضى قبل أن تنتشر ظاهرة الدساتير المدونة أو المكتوبة حاليا، إلا انه لا زالت الدساتير الغير مكتوبة موجودة وعلى رأسها دستور المملكة المتحدة ويسمى دستورها بالدستور العرفي، بل وحتى في الدول ذات الدساتير المكتوبة أو المدونة فإن للعرف دورًا لا يستهان به في مجال القانون الدستوري إلى جانب التشريع والدستور المكتوب.

وعليه فيتفرع من ذلك تقسيم الدول إلى دول ذات دساتير عرفية ودول ذات دساتير مكتوبة، فإذا كانت القواعد العرفية تمثل الجانب الأكبر من الدستور فإنه يدعى دستورا عرفيا، وإذا كان العكس أي أن القواعد المدونة أو المكتوبة هي التي تمثل الجانب الأكبر كالدستور مكتوبا أو مدونا.

ومن هنا يجب التفرقة بين ما يسمى بالدستور العرفي والعرف الدستوري.

١- الدستور العرفي: حتى قيام الثورتين الأمريكية والفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر كانت القواعد الخاصة بنظام الحكم في مجموعها تقريبا قواعد عرفية، أي قواعد غير مدونة أو غير مكتوبة في وثيقة رسيمة بواسطة جهة أو سلطة مختصة.

فقد كانت هذه القواعد تستمد من مجموعة العادات والتقاليد والسوابق التي كانت تتبعها السطات المختصة في المجتمع بشكل متكرر حتى نشأ الإعتقاد بإلزاميتها كقواعد دستورية.

وقد كان من الطبيعي أن تنشأ القواعد الدستورية في الدولة عن طريق العرف حيث كان ذلك هو ما يتلاءم مع النمو التدريجي والبطئ لعناصر قيام الدولة في المجتمعات القديمة.

ويعد دستور المملكة المتحدة النموذج المثالي بل وقد يكون النموذج الأوحد لهذا النوع من الدساتير في عالمنا المعاصر.

وإذا كان العرف يعد المصدر الأساسي أو الرئيسي لدستور المملكة المتحدة، إلا انه ليس المصدر الوحيد لهذا الدستور، حيث توجد إلى جواره بعض الوثائق الدستورية المكتوبة ومن أمثلتها الوثيقة العظمى - Magna Carta الصادر عام 1215 والذي تضمن بعض التنازلات من جانب الملك للشعب الإنجليزي، وكذلك وثيقة الحقوق - The Bill of Rights التي انتزعها الشعب الإنجليزي عام 1688 من وليام الثالث.

وكذلك قانون Habeas Corpus Act الصادر في عام 1679 لإقرار الضمانات اللازمة لحماية الحريات الفردية.

وعلى الرغم من أهمية تلك الوثائق الدستورية المدونة إلا أنها لا تشكل في حقيقة الأمر سوى مصدرا ثانويا للدستور الإنجليزي الذي يعتمد بصفة أساسية على العرف الدستوري، حيث تنظم قواعد العرف الدستوري كيفية قيام البرلمان، واختصاصات مجلس البرلمان، وتحدد سلطات الملك والقيود المفروضة عليه.

وكما هو واضح فإن قواعد العرف الدستوري هي التي تلعب دورا أساسيا في بناء الدستوري الإنجليزي حتى وإن كانت هناك وثائق مدونة أو مكتوبة إلى جوارها، إذ لا تشكل هذه الوثائق سوى استثناء يرد على هذه القواعد، الأمر الذي يوضح وصف الدستور الإنجليزي بالدستور العرفي.

٢- العرف الدستوري: أما فيما يتعلق ببيان موضوع العرف الدستوري فهو يتكون من عدة نقاط كالتالي:

أولا: تعريف العرف الدستوري: ينشأ حين تجري الهيئات الحاكمة على عادة معينة، في موضوع من موضوعات القانون الدستوري، ويقوم في ضمير الجماعة بوجوب احترام هذه العادة ويستقر في ذهن أفرادها أنها أصبحت قاعدة قانونية ملزمة.

 

ثانيا: أركان العرف الدستوري: تتمثل أركان العرف الدستوري في ركنيين: الركن المادي الركن المعنوي. 

١- الركن المادي للعرف: يتمثل في اعتياد سلطة من السلطات العامة على سلوك معين، وهذا الركن يتمثل في العادة التي تنشأ من اتجاه السلطة الحاكمة نحو سلوك بعينه تجاه مشكلة دستورية معينة ويجب أن تستقر في اتجاهه ناحية هذا السلوك لمدة زمنية معقولة.

وعلى ذلك يجب أن يتوافر في هذه العادة أي الركن المادي للعرف عدة شروط تتمثل في عمومية السلوك، وقدمه، واطراده، ومشروعيته.

- عمومية السلوك تعني ضرورة درج أغلب السلطات الحاكمة على هذا السلوك وعدم مخالفته، ومن ثم إذا كانت هذه العادة من صنع أقلية فإنها لا تكون الركن المادي للعرف الدستوري.

- وبالنسبة للقدم. فيجب أن تتبع السلطات الحاكمة هذه العادة لمدة معقولة يتحقق من خلالها الشعور بإلزامية هذه العادة.

- أما عن الاطراد فهو يعني التعدد. ذلك أن واقعة واحدة لا يمكن أن تشكل الركن المادي للعرف. فإطراد واستمرارية الفعل يكون الركن المادي.

- أما بالنسبة لمشروعية العادة فذاك أمر لا خلاف عليه فالعادة التي تتشكل بطريق المخالفة للدستور المكتوب أمر لا يمكن أن يتحقق به الركن المادى للعرف.

٢- الركن المعنوي للعرف: لا يكفي لقيام العرف الدستوري أن تعتاد سلطات الحاكم على سلوك معين، أو أن تحقق الركن المادي فقط. بل يلزم علاوة على ذلك، تحقق العنصر المعنوي  وهو الشعور بضرورة وجود هذه القاعدة وإلزامها. فذاك العنصر هو ما يحول السلوك  من مجرد كونه عادة إلى عرف أي قاعدة قانونية مكتملة الأركان. ومن مقتضيات توافر هذ الركن للعرف هو تطبيق الجزاء عند مخالفة هذا السلوك.

والركن المعنوي للعرف هو الذي يميز بينه وبين العادات والتقاليد. ذلك أن العادات والتقاليد لا يكون لها ثمة إلزام من الناحية القانونية. أما القاعدة العرفية إذا ما اكتملت أركانها على الوجه المتقدم أصبحت قاعدة قانونية ملزمة.

 

ثالثاً أنواع العرف الدستوري: في الدول التي لا يكون لها دستور مكتوب أو مدون وهي الدول صاحبة الدساتير العرفية وأبرز مثال عليها المملكة المتحدة، تعتمد في تحديد القواعد المتعلقة بالتنظيم السياسي للدولة على العادات والأعراف والتقاليد والسوابق التاريخية التي اكتسبت مع الزمن القوة الدستورية الملزمة. وعليه فيتضح جليا بدون أي شك أهمية العرف في هذه الدول بإعتباره هو المصدر الرئيسي للقواعد الدستورية. أما حيث يكون للدولة دستور مكتوب أو مدون فإن أهمية العرف تتضاءل إذا ما قورنت بالدور الذي يلعبه العرف في الدول ذات الدساتير غير المدونة، غير أن ذلك لا يعني بتاتا غياب دور وأهمية العرف في مثل هذه الدول ذات الدساتير المكتوبة.

وتعليل ذلك أنه مهما بلغت درجة العناية بصياغة الدستور المكتوب فإنه لا يكون شاملا لجميع القواعد المتعلقة بنظام الحكم وسير السلطات العامة في الدولة ولابد أن ينكشف في العمل قصور الدستور عن استيعاب الحلول الملائمة لجميع المشاكل، فالحياة السياسية الواقعية للدولة تظهر ما في الدستور من ثغرات.

وعليه فالعرف لا يعد مصدرا من مصادر النظام الدستوري في بلاد الدساتير العرفية فقط بل وفي بلاد الدساتير المكتوبة أيضا. فالنظام الدستوري لا يستمد مصادره من القواعد المكتوبة فقط بل ومن القواعد العرفية أيضا.

وقد اتفق رجال الفقه الدستوري على تقسيم العرف الدستوري إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي:

١- العرف المفسر Interpretative Custom: في هذه الصورة يقوم العرف بدوره المفسر لغموض النص الدستوري. ولكي ينهض بهذا الدور يفترض بداية وجود نص دستوري غامض. ومن ثم وضوح النص الدستوري يعتمد على العرف ليفسره. والعرف المفسر يبين طريقة تطبيق النصوص وشروطها إن هي لم تستطع تبيان ذلك. كأن يعمم نطاق تطبيقها أو يخصصه. ولكن يتم استخدام العرف المفسر داخل المعنى الأساسي للنص الدستوري ولا يجوز الخروج عليه.

ومن أمثلة العرف المفسر ما جرى عليه العمل في ظل دستور 1875 من الإعتراف لرئيس الدولة بسلطة وضع اللوائح التكميلية على الرغم من خلو الدستور من نص صريح بذلك. حيث أنه كان تفسيرًا لنص الدستور الذي أعطى لرئيس الجمهورية سلطة تنفيذ القوانين، وهو ما لا يكون إلا بإصدار مثل هذه اللوائح.

والعرف الدستوري المفسر لا يثير مشكلة في الفقه إذ الإجماع مستقر على قبوله والاعتراف به كمصدر للقاعدة الدستورية. إذ أنه في حقيقته يلتمس وجوده من وجود النص الدستوري ذاته.

٢- العرف المكمل La Coutume Complementare: إذا كان العرف المفسر يقتصر دوره على تفسير غموض النص الدستوري فإن العرف المكمل يتعدى ذلك ليلعب دورًا مؤثرًا بجوار هذا النص المكتوب يتمثل في إنشاء حكم جديد. وكما يتضح من تسميته فالعرف المكمل ينشأ لكي يعالج مشكلة قصور النص الدستوري المكتوب. فهو يفترض - بداية - أن الدستور أغفل تنظيم مسألة معينة. فهنا يأتي العرف المكمل بالقاعدة القانونية التي تكمل هذا النقص.

فالعرف المكمل على خلاف العرف المفسر يتميز بأنه لا يستند إلى نص دستوري موجود كما أنه ينشئ قاعدة دستورية جديدة.

ومن أمثلة العرف المكمل:

- في ظل دستور 1875 في فرنسا نص على أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، وكمل العرف هذا النص بأن حعل الانتخاب مباشرًا وعلى درجة واحدة. كما أن هذا الدستور لم ينص على منصب رئيس مجلس الوزراء وكمل العرف ذلك.

- كما جرى العرف في ظل دستور 1923 في مصر على منح السلطة التنفيذية صلاحية إصدار لوائح الضبط. كما أجاز أن يرأس الملك الحكومة. وهو أمر لم ينص عليه الدستور صراحة.

والرأي الراجح في الفقه يرى أن العرف المكمل يعد مصدرا للقواعد الدستورية ولا شك أن هذا النوع من العرف إنما يتعاظم دوره في ظل الدساتير الموجزة التي تقتصر في تنظيمها للمسائل الدستورية على المسائل العامة والمبادئ الأساسية. ومن ذلك مثل الدساتير المؤقتة أو تلك التي تصدر بعد ثورات أو تغييرات سياسية جذرية في المجتمع.

على أن هذا لا ينفي نشوء العرف المكمل في ظل الدساتير المطولة أيضًا

٣- العرف المعدل La Coutume Modificative: يتضمن العرف المعدل مخالفة لنصوص الدستور. حيث أنه كما يتضح من تسميته يعمل على تعديل النص الدستوري. فهو لا يقتصر على تفسير غموضه كالعرف المفسر. أو إكمال ما يعتريه من نقص مثل العرف المكمل وإنما يهدف إلى تعديل النص الدستوري وإلغاء حكمه. وإضافة حكم جديد أو حذف حكم النص القائم.

ويميز الفقه بين نوعين من العرف المعدل: التعديل بالإضافة والتعديل بالحذف.

- فالعرف المعدل بالإضافة: يهدف إلى إضافة أحكام جديدة قد تتضمن إضافة سلطات واختصاصات جديدة إلى هيئة من الهيئات الحاكمة. لم تقرها نصوص الدستور. ويجب أن تكون الاختصاصات التي أضافها العرف المعدل جديدة تماما حتى لا تكون مثل العرف المفسر.

ويفرق بعض الفقه بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المكمل ففي حين أن كلًا منهما يتضمن في حقيقة الأمر إضافة حكم جديد إلى نصوص الدستور.

إلا أن العرف المكمل يفترض سكوت المشرع الدستوري عن تنظيم المسألة التي تدخل فيها. أما العرف المعدل بالإضافة فيفترض إضافة أحكام جديدة إلى جوار الأحكام التي حددها النص الدستوري.

على أن الرأي الغالب في الفقه يلحق هذا النوع من العرف المعدل بالعرف المكمل ومن ثم يأخذ حكمه.

- أما العرف المعدل بالحذف: يعني أن يجري العرف على إسقاط اختصاص من اختصاصات هيئة معينة نص عليها الدستور، أو اسقاط العمل بنص من نصوص الدستور نتيجة لعدم استعماله.

ومن ذلك ما نص عليه الدستور الفرنسي سنة  1875 على حق رئيس الجمهورية في حل مجلس النواب ولم يتم استخدام هذا الحق إلا في سنة 1877 وسبب أزمة سياسية وترتب عليها عدم استخدامه فيما بعد حتى صدور دستور 1958 المعمول به في فرنسا حتى الان.

ومثل اخر في ظل دستور 1875 في فرنسا، يتعلق بعدم استعمال رئيس الجمهورية لسلطته في الاعتراض على إصدار القوانين. مما أدى إلى القول بسقوط هذا الحق وعدم استعماله.

وإذا كان الرأي الراجح في الفقه يسلم بالعرف بالإضافة بحسبانه قريب الشبه بالعرف المكمل، فإن هذا الاتجاه يذهب إلى عدم التسليم بالعرف المعدل بالحذف.

فالنصوص الدستورية لا يمكن أن تسقط بعدم الاستعمال فترة من الزمن وإن طالت. فمثل هذا العرف يصعب التسليم بوجوده في دستور مكتوب جامد ينص على إجراءات معينة لتعديله. ومن ثم لا يجوز تعديله أو إلغاء أحكامه إلا عن طريق هذه الإجراءات. وعدم تطبيق النص لا يعد دليلا على إلغاء حكمه فليس من المبادئ القانونية أو من المنطق القانوني ما يقضي بذلك.

 

القيمة القانونية للعرف الدستوري:

اختلف الفقة في تحديد القيمة القانونية للعرف. هل يأخذ مرتبة النصوص الدستورية أم يعولها  في البناء القانوني في الدولة. أم أنه مساو للقانون العادي في القيمة القانونية. ذهب البعض إلى أن العرف الدستوري له قيمة تعلو على قيمة النصوص الدستورية Supra- Constitutionnelle  ويستوي ذلك أن ينشأ في ظل دستور مرن أو دستور جامد. والأخذ بهذا الرأي يترتب عليه نتائج  شاذة منها: أن القواعد العرفية تستطيع تعديل النصوص الدستورية المكتوبة والعكس غير صحيح. إذ أن السلطة التاسيسية لا تستطيع تعديل القواعد العرفية. كما أنه يؤدي من الناحية السياسية إلى تحجير الأوضاع السياسية والدستورية للجماعة لأنها تغل يد أي سلطة في  الدولة عن مراجعة وتعديل العرف الدستوري. مادامت له قوة قانونية أعلى من قوة كل ما يصدر عن السلطة التأسيسية من نصوص. وعلى خلاف الرأي السابق، يذهب البعض إلى أن العرف الدستوري المفسر يأخذ مرتبة النص الدستوري المكتوب الذي نشأ في ظله. أما أنواع العرف الأخرى فتأخذ مرتبة القانون العادي. وسبب هذه التفرقة أن العرف الدستوري المفسر لا ينشئ قاعدة دستورية جديدة على خلاف الأنواع الأخرى.

المصادر والمراجع:

د.رمضان محمد بطيخ، النظرية العامة للقانون الدستوري، الدار المحمدية للطباعة، مصر، 2015.

د. طعيمة الجرف، نظرية الدولة والمبادئ العامة للأنظمة السياسية ونظم الحكم، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، 1987.

د. رمزي طه الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، دار النهضة العريبية، مصر، 1983.

د. ثروت بدوي، القانون الدستوري وتطور الأنظمة الدستورية في مصر،دار النهضة العربية، القاهرة، 1969.

د.جابر جاد نصار، الوسيط في القانون الدستوري، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، 1998.

د.رمزي الشاعر، الوجيز في القانون الدستوري، جامعة عين شمس، مصر، 1983.

د. حسن مصطفى البحيري ، القانون الدستوري النظرية العامة، الطبعة الأولى، الجامعة الإفتراضية، الجمهورية العربية السورية، 2009.

عبد الحميد كمال حشيش ، الوجيز فى القانون الدستورى، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1979.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia