حساب جديد ادعمنا

القانون الدولي الخاص - Private International Law

من الثابت أن الأفراد تتوزع على شكل وحدات سياسية قانونية يطلق عليها الدول، وبسبب تعدد الدول فبالتالي تتعدد الأنظمة القانونية، وهذه الأنظمة تتوزع على أسس قانونية وهي الأنظمة القانونية، وبسبب تعدد الأنظمة القانونية فتختلف بذلك أنظمة كل مجموعة عن المجموعات الأخرى، وإذا افترضنا بقاء أفراد كل دولة ضمن محيطها الإقليمي فإن كل دولة ستستأثر بحكم هؤلاء الأفراد عن طريق قوانينها الداخلية دون أن تحتاج إلى قوانين تنظم أوضاع الأجانب فيها.

ولكن هذا الافتراض لا يستقيم أمام ضرورات الحياة المعاصرة الذي تفترضه حركة وانتقال الأشخاص والأموال عبر الحدود الدولية، ما يطرح اختلاف الحالة القانونية بفعل تغير المكان -الموطن- الأمر الذي يؤدي لظهور ما يُسمى مركز الأجانب بالنسبة لأهل البلد الأساسيين، وكذلك ظهور علاقات وعقود بأثر ذلك بين أطراف تابعين لدول مختلفة أو لدولة واحدة -الجنسية ويقع موضوع في دولة أخرى أو بين أطراف تابعين لدولة واحدة تكونت بينهما علاقة تعاقدية عن موضوع في نفس الدولة ولكن إبرام العقد تم في الخارج، ما يؤدي لما يُسمى تنازع القوانين، إن مثل تلك العلاقات في مختلف الفروض أعلاه لا يمكن أن تعامل بنفس معاملة العلاقات الوطنية أو أن تخضع للقوانين الداخلية، وهذا يعني أنها علاقة غير وطنية يصطلح عليها حديثاً بالعلاقات ذات الأبعاد الدولية الخاصة.

فاختلاف المعاملة بين العلاقتين أعلاه يفترض اختلاف القوانين الحاكمة لكل منها واختلاف المحاكم التي تنظر في المنازعات الناشئة عنها (تنازع الاختصاص القضائي)، فالعلاقات الوطنية التي تحدث بين الأفراد التابعين لدولة واحدة على موضوع كائن فيها وعن سبب نشأ على أراضيها تخضع بدون خلاف للقانون الوطني لتلك الدولة، ولكن العلاقات ذات الأبعاد الدولية المتصلة بعنصر أو أكثر من عناصرها (الأشخاص، الموضوع، السبب) بدولة أو أكثر تخضع لقواعد قانون آخر يصطلح عليه بالقانون الدولي الخاص.

ويعتبر القانون الدولي الخاص موضوعاً حديثاً نسبياً مقارنة مع باقي فروع القوانين الأخرى، وهو متميز عن باقي القوانين، حيث لا يسري إلا على مسائل الأشخاص الخاصة في العلاقات ذات الطابع الدولي.

ولتوضيح ماهية ومفهوم القانون الدولي الخاص يجب التطرق للمواضيع التالية:

  1. تعريف القانون الدولي الخاص.
  2. موضوعات القانون الدولي الخاص.
  3. مصادر القانون الدولي الخاص.

أولاً: تعريف القانون الدولي الخاص

نظراً لاختلاف طبيعة المواضيع التي يتضمنها القانون الدولي الخاص، وكذلك اختلاف نطاق كل منها، فضلاً عن اختلاف المصادر التي يستقي منها أحكامه، فلم يكن هناك اتفاق على تعريف القانون الدولي الخاص، وبأثر ذلك ظهرت ثلاثة اتجاهات قانونية لتعريف القانون الدولي الخاص:

- الاتجاه الأول: يضيق من تعريف القانون الدولي الخاص فيقصره على تنازع القوانين بمعناه الضيق، لذا يعرف القانون الدولي الخاص وفقاً لهذا الاتجاه "بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان القانون الواجب التطبيق في العلاقات القانونية ذات الأبعاد الدولية الخاصة"، أي أنه هو القانون الذي يحدد أي قانون يجب أن يطبق في قضية ما بها عنصر أجنبي، ويمثل هذا الاتجاه إيطاليا وألمانيا.

- والاتجاه الثاني: فيذهب إلى ضم تنازع الاختصاص القضائي إلى جانب تنازع القوانين، أي أنه يجعل القانون الدولي الخاص قائماً على تنازع القوانين بمعناه الواسع، ويعرفه "بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان القانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة في العلاقات ذات الأبعاد الدولية الخاصة، ويمثل هذا الاتجاه الفقه الأنجلوسكسوني.

- أما الاتجاه الثالث: فهو يعرف القانون الدولي الخاص بمعنى أوسع من الاتجاهين الأول والثاني فيلحق بتنازع القوانين (تنازع الاختصاص التشريعي، وتنازع المحاكم، وتنازع الاختصاص القضائي) كل من الجنسية والموطن ومركز الأجانب، ويعرفه "بـأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان جنسية الأشخاص بالنسبة للدول وموطنهم وحالتهم القانونية عبر الحدود -التمتع بالحقوق- مع بيان القانون الواجب التطبيق -استعمال الحقوق- والمحكمة المختصة -حماية الحقوق- في العلاقات الدولية الخاصة التي يكونون أطرافاً فيها"، ويمثل هذا الاتجاه الفقه اللاتيني.

ثانياً: موضوعات القانون الدولي الخاص

تتمثل موضوعات القانون الدولي الخاص في أربع موضوعات كما يلي:

1- الجنسية.

2- مركز الأجانب.

3- تنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية.

4- تنازع القوانين.

أولاً: الجنسية

بما أن الدولة تتكون من شعب وإقليم وسلطة سياسية، وركن الشعب أبرز أركان الدولة، فلا حديث عن إقليم دولة دون شعب يسكنه، ولا محل لسلطة حاكمة دون شعب تحكمه، لذا فلا مناص من وضع معيار توزيع الأفراد توزيعاً دولياً بين مختلف الدول، وتحديد شعب كل دولة.

وكانت الجنسية هي المعيار الضابط لشعب الدولة والمحدد له، وتعتبر الجنسية من أهم مواضيع القانون الدولي الخاص، وتُعرّف الجنسية بصفة عامة بأنها الرابطة السياسية والقانونية التي تربط الفرد بدولته، ومن خلال الجنسية يتحدد من هو المواطن ومن هو الأجنبي، وتحرص كل دولة على وضع قوانين للجنسية بكل حرية، مراعيةً في ذلك ظروفها وإن كانت حريتها مقيدة بعض الشيء بما تمليه الاتفاقيات الدولية في هذا المجال.

ثانياً: مركز الأجانب

وبما أنه قد سلف ذكر أهمية الجنسية فإن هناك موضوعاً آخر يدخل ضمن نطاق القانون الدولي الخاص وهو مركز الأجانب، إذ من المعلوم أن مركز هؤلاء يختلف كثيراً عن مركز المواطن وبالتالي يأتي موضوع مركز الأجانب ليبين حقوق هؤلاء وواجباتهم.

ولا تقف أهمية الجنسية عند تحديد ركن الشعب، لكن السير بها إلى منتهاها وترتيب آثارها، يقتضي القول إنها أداة معرفة الوطني من الأجنبي، ويتمتع الوطنيون بحقوق أوسع من الأجانب، بيد أنهم -وفي ذات الوقت- ومقابل ذلك يتحملون أعباء أشد.

وواقع الحال أن الحقوق السياسية قاصرة -دوماً- على الوطنيين دون الأجانب، كما أن نصيب الوطني من الحقوق العامة أوفر، فلا يجوز إبعاده عن إقليم الدولة، وله الحق في التمتع بالحماية الدبلوماسية التي تضفيها دولته عليه عندما يكون خارجها، ومن جانب آخر، عليه أداء الخدمة العسكرية فيها.

أما بالنسبة للحقوق الخاصة، فكثيراً ما يتمتع الوطنيون بنصيب أوفر، وإن كانت هناك بعض الدول تميل إلى المساواة بين الأجانب والوطنيين في المعاملة.

ثالثاً: تنازع القوانين

ويقصد بهذا الموضوع الحالة التي ترتبط فيها العلاقة القانونية بقوانين عدة دول، فمثلاً زواج مصري بفرنسية يطرح التساؤل التالي: أي قانون يخضع له عقد الزواج؟ هل هو القانون المصري كون الزوج مصرياً؟ أم القانون الفرنسي لأن الزوجة فرنسية؟

وبمعنى آخر هناك تنازع بين القانونين المصري والفرنسي، والسؤال المطروح هو: كيف يتم حل هذا النزاع؟ 

لم تظهر قواعد تنازع القوانين مرة واحدة وبصورة فجائية، بل ظهرت بصورة تدريجية ولها أصل تاريخي، ويمكننا أن نلتمس هذا التدرج في العرض الآتي:

في زمن الدولة الرومانية تم إصدار قانونين: القانون المدني المختص بالتطبيق على الرومانيين أبناء البلد، وقانون خاص للتطبيق على الأجانب سُمّي قانون الشعوب، فلا مجال للقول هنا إنه من الممكن أن ينشأ تنازع بين القوانين، حيث إن كلا القانونين قوانين داخلية، ولكي يكون هناك نزاع يجب أن يكون التنازع بين القوانين تنازعاً بين قوانين دول مختلفة.

وبعد فترة تم السماح في روما للأجانب بأن يخضعوا لقوانين بلادهم بالنسبة للعلاقات العائلية ومسائل الميراث، وهنا فُتح باب التنازع بين القانون الروماني وقوانين الأجانب، وظهرت فكرة شخصية القوانين.

واستمر نظام شخصية القوانين سائداً حتى العصور الوسطى، حيث ظهر ما يقابله ويغايره وهو الإقليمية المطلقة، حيث تمسّك كل حاكم بإقليمه وفرض سلطته وقوانينه عليه، ما منع تطبيق أي قوانين أجنبية حتى على الأجانب في تلك الدولة.

وظهرت عدة مدارس ناقشت وطورت من موضوع تنازع القوانين حتى وصل إلينا في وقتنا الحالي وقد مرّت نظرية تنازع القوانين بطورين من التطور، إذ كانت هناك مدارس قديمة ومدارس حديثة، وظهرت المدارس القديمة في إيطاليا وفرنسا وهولندا كالاتي:

أولاً: نظرية الأحوال الإيطالية

يرجع الفضل إلى فقهاء شمال إيطاليا، منذ نهاية القرن الثاني عشر في تكوين فكرة واضحة ودقيقة عن تنازع القوانين، ووضع حلول لها.

فكانت مدرسة الأحوال الإيطالية أول من وضع قاعدة خضوع شكل التصرف لقانون محل إجرائه. وأخضعوا العقد لقانون بلد إبرامه معللين ذلك بأن المتعاقدين يعتبران قد رضيا ضمناً بهذا القانون، غير أنهم قد جعلوا تلك القاعدة إلزامية ولا يمكن للمتعاقدين أن يتفقا على غيرها.

وتوسع فقهاء تلك المدرسة في تلك القاعدة فجعلوها لا تقتصر على الناحية الشكلية للعقد فقط، بل أخضعوا الشروط الشكلية والموضوعية للعقد لقانون البلد التي تم إبرام العقد فيه.

وظلت هذه النظرية يُعمل بها لمدة طويلة وقد أثرت في المدرسة التي لحقتها في فرنسا بشكل ملحوظ.

ثانياً: نظرية الأحوال الفرنسية

انتهجت نظرية الأحوال الفرنسية الطريقة التي سارت بها المدرسة الإيطالية، ولم تظهر ملامح المدرسة الفرنسية إلا في القرن السادس عشر، وقد قسّم فقهاء هذه المدرسة القوانين إلى نوعين: قوانين شخصية وقوانين عينية.

- فالقوانين الشخصية كالعلاقات العائلية والشخصية مثل: الاسم والموطن والزواج والأهلية العامة، فأي نزاع في تلك الحقوق يخضع لقانون الدولة التي يوجد بها السكن الحالي لصاحب النزاع، ويرجع السبب في تفضيل قانون السكن وترجيحه على القانون الوطني للشخص انتشار فكرة الإقطاع حينذاك والتي تعير أهمية كبرى للصلة المكانية التي تربط الشخص بالأرض والتي تتحقق بسكن شخص ما في إقليم معين.

- أما القوانين العينية كأي تصرف يتعلق بالأرض كالعقد والوصية وسائر التصرفات الأخرى، وكل نزاع يتعلق بها يكون محكوماً بقانون الإقليم أي قانون البلد الواقعة فيه هذه العقارات.

ثالثاً: النظرية الهولندية وفكرة المجاملة الدولية

تقوم النظرية الهولندية على مبدأين وهما: مبدأ الإقليمية المطلقة، ومبدأ المجاملة الدولية.

- مبدأ الإقليمية المطلقة: بموجب هذا القانون تسري قوانين الإقليم وحدها دون غيرها ضمن هذا الإقليم؛ لأنه لا سيادة للقوانين إلا داخل حدود إقليم الدولة التي أصدرتها، وبالتالي فإن أي تطبيق لأي قانون أجنبي داخل إقليم معين يعد تعدياً على هذا الإقليم.
وقد كان الهولنديون متأثرين في هذا المبدأ بالأوضاع السياسية التي كانت تمر بها بلادهم في مواجهة الاحتلال الإسباني.

- مبدأ المجاملة الدولية: بعد أن أدرك الفقهاء الهولنديون بقسوة مبدأ الإقليمية المطلقة وتأثيره على مصالح الأشخاص وكذلك المصلحة والمنفعة المشتركة والمتبادلة بين الدول، لجأوا لمبدأ المجاملة الدولية وهو قائم على اعتبارين هما:

1-  تحقيق المنفعة المتبادلة بين الدول وبعضها، ويكون ذلك بشكل ينسجم مع اعتبارات السيادة الوطنية، وكان تطبيق القانون الأجنبي لديهم نابعاً من متطلبات السيادة الوطنية واعتباراتها الأساسية، ويجب أن يسري مفهوم المجاملة بالمقابلة بالمثل.

2- اقتصرت فكرة المجاملة الدولية على المسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم والأموال المنقولة والتصرفات الإدراية فقط.

وبعد انتهاء حقبة المدارس القديمة، ظهرت مدارس حديثة منذ القرن التاسع عشر، وهي: المدرسة الإيطالية الحديثة، والمدرسة الألمانية، والمدرسة الفرنسية الحديثة:

أولاً: النظرية الإيطالية الحديثة (نظرية شخصية القوانين النسبية)

أخذ فقهاء تلك المدرسة بمبدأ شخصية القوانين، أي أنه لا يؤخذ بقانون غير القانون الشخصي إلا في حالات استثنائية، وهذا ما جعل اسمها "شخصية القوانين النسبية".

وفي تلك النظرية لا يتعين القانون الشخصي بقانون الموطن، كما ذهبت إلى ذلك بعض النظريات السابقة، بل يتحدد بالقانون الوطني للشخص الذي يخضعه موضوع النزاع؛ لأن القانون الوطني أكثر تكيفاً مع تقاليد الشعب وأخلاقه وحاجته من ناحية، وأكثر استقراراً وثباتاً من قانون الموطن الذي ينقصه الثبات من ناحية أخرى.

وإذا كان القانون الشخصي مختصاً بحل تنازع القوانين بصورة اعتيادية فلا يعني أن اختصاص هذا القانون شامل لا استثناء فيه، بل على العكس من ذلك هناك استثناءات على القاعدة فرضتها ضرورة الدفاع عن مصلحة المجتمع وحاجات التجارة، فيستثنى من تطبيق القانون الشخصي المسائل الآتية: القوانين التي تعبر عن النظام العام والتي يتفق أطراف العلاقة على اختيارها. 

ثانياً: النظرية الألمانية

كان للنظرية الألمانية دور فعّال في طرح حلول حقيقية وفعالة لتنازع القوانين، حيث إنها لا تعول على تقسيم القوانين إلى عينية وشخصية ولا على نظرية الأحوال نفسها.

فقد ذهب سافيني، وهو مؤسس تلك النظرية، إلى أن كل الدول تهدف لتحقيق العدالة ولا يمكن تحقيقها إلا في التعاون فيما بينها، وقد طرح سافيني معياراً جديداً كلياً يعتمد فيه على ثلاثة عوامل هي: القانون الطبيعي، والمركز القانوني للعلاقة القانونية، والخضوع الإرادي.

- فالقواعد التي تحكم الشخص يعطي فيها الاختصاص إلى المركز القانوني للشخص، وهو قانون موطنه، فقانون الموطن هو الذي يحدد حالة الشخص هل هو رشيد أم قاصر؟

- أما العلاقات التي يرتبط بها الشخص فإن تركيزها يتم بمقتضى طبيعة العلاقات القانونية، فالالتزامات التعاقدية تخضع لمكان تنفيذها، والالتزامات الناشئة عن الأفعال تخضع لمكان وقوع الفعل، والعلاقة التي يكون موضوعها شيئاً منقولاً أو عقاراً فتخضع لمكان موقع الشيء.

- وأخيراً فإن في مقدور أطراف العلاقة اختيار مركز العلاقة القانونية بإرادتهم واختيارهم.

ثالثاً: المدرسة الفرنسية الحديثة

تأسست هذه المدرسة في فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، وقد أنشأها الفقيه بيليه، وهو يرفض أن يجعل من شخصية أو من إقليمية القوانين قاعدة لحل التنازع.

ويرى بيليه أن حل التنازع يكون عن طريق الكشف عن الغرض الاجتماعي الذي يسعى إليه القانون. فلكل قانون غرض اجتماعي يرمي إلى تحقيقه. وهو حماية الفرد أو المجتمع.

وبيليه يرى أنه إذا كان الهدف من القانون هو الحماية الفردية أو العائلية فينبغي تطبيق القانون الشخصي، أما إذا كان الهدف من القانون حماية المجتمع فيتم بذلك تطبيق القانون المحلي على جميع العلاقات القانونية داخل الدولة.

وقد لا يكون من السهل معرفة وتحديد مَن أراد القانون حمايته مباشرة، فنلجأ عندئذ لوسيلة تقوم على معرفة من يضره عدم تطبيق القانون أكثر من غيره.

نهايةً فبعد التطور الكبير الذي لحق بتنازع القوانين وتعدد المناهج في هذا الوضع، يبقى أهم منهج والمتبع حالياً هو ما يُعرف بقواعد التنازع أو قواعد الإسناد، وهي قواعد تنفرد كل دولة بوضعها بكل حرية، حيث تختص كل دولة بالحكم في القضايا على أرضها بنفسها، أو تستند في ذلك إلى قانون دولة أخرى، وسيأتي ذكر ذلك في النقطة القادمة.

 

رابعاً: تنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية

الغرض من قواعد الاختصاص القضائي هو تحديد أي المحاكم مختصة دولياً وأي قانون سيتم تطبيقه في قضية ما، فمثلاً لو رفع شخصان فرنسيان في دولة مصر دعوى طلاق أمام القضاء المصري فإن التساؤل الذي يُطرح هنا هو: هل سيكون هذا القضاء مختصاً بالنظر في هذه الدعوى أم عليه أن يمتنع باعتبار أن الأطراف هم أجانب؟ وما على هؤلاء إلا اللجوء إلى القضاء الفرنسي باعتبارهم فرنسيين؟

وفي سياق منفصل فإنه قد يحدث أن يصدر حكم في دولة ويُراد تنفيذه في دولة أخرى فتُثار مسألة كيفية تنفيذ هذا الحكم، إذ من غير المستساغ أن ينفذ الأعوان المكلفون بتنفيذ الأحكام في دولة مصر حكماً صادراً عن القضاء الفرنسي مثلاً؛ إذ لا شك أن في ذلك مساس بسيادة الدولة، ويبقى السؤال المطروح حينها هو: كيف يمكن تنفيذ حكم أجنبي دون المساس بالسيادة؟

لذلك فهناك مبدأ أساسي في القانون الدولي الخاص يسمى مبدأ قاعدة الإسناد، ويرتكز هذا المبدأ إلى حل مشكلة التنازع التي تحدث بين قوانين عدة دول، ويتم تعريف قاعدة الإسناد بأنها "القاعدة التي ترشد القاضي إلى القانون الواجب التطبيق على المراكز القانونية ذات العنصر الأجنبي"، وهذا يعني أنه حتى نكون أمام تنازع حقيقي يجب أن تكون القوانين صادرة عن دول سواء كانت ذات سيادة كاملة أو ناقصة.

ولكن لا يمكن للقاضي طبقاً لقاعدة الإسناد أن يطبق قانون دولة أخرى لا تعترف بها دولته؛ لأنه بذلك سيكون في موقف مناقض لموقف دولته، وقد لاقى هذا الاتجاه تأييداً من قبل القضاء الفرنسي في إحدى قضاياه الشهيرة المعروفة بقضية "فيتنام الشمالية" التي فصلت فيها محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 2 نوفمبر 1972، حيث اعتبرت هذه المحكمة أن الوجود الفعلي للدولة لا يعني تطبيق قوانينها، بل يجب إضافةً إلى هذا الوجود الفعلي أن تكون هناك علاقة بين فرنسا وهذه الدولة الأجنبية، أياً كان نوع هذه العلاقة، وليس بالضرورة أن تصل تلك العلاقة إلى مستوى العلاقات السياسية، ولكن يجب أن يكون هناك اعتراف بتلك الدولة وعلاقة بين الدولتين.

 

ثالثاً: مصادر القانون الدولي الخاص

المصادر هي المناهل التي يستمد منها القانون الدولي الخاص أحكامه ويتفاوت تأثيرها بين موضوعات القانون الدولي الخاص، فبعض المصادر تكون درجة تأثيرها عالية في بعض المواضيع دون البعض الآخر، والراجح فقهاً أن تلك المصادر تنقسم إلى نوعين: مصادر داخلية أو وطنية: تتمثل في التشريع والعرف الوطني والقضاء الوطني. ومصادر دولية: تتمثل في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، القضاء الدولي، والعرف الدولي أو قواعد القانون الدولي الخاص غير المكتوبة.

 

أولاً: المصادر الداخلية أو الوطنية

1- التشريع: يُعرف التشريع بأنه مجموعة القواعد القانونية المكتوبة والموضوعة من قبل السلطة المختصة بالتشريع والمتضمنة معنى الانعدام، وهذا المصدر حديث بالنـسبة لباقي المصادر، لذلك نجد ظهوراً أضعف لباقي المصادر في موضوعات القانون الدولي الخاص، ويلعب هذا المصدر دوراً حيوياً ورئيساً في موضوع الجنـسية؛ ذلـك لأنها تحدد ركناً من أركان الدولة ألا وهو الشعب، فهي مسألة تتعلق بسيادة الدولة، لذا نجد أن جميع دول العالم نظمت أحكام الجنسية عن طريق التشريع سـواء في الدستور أو قانون الجنسية مثل إسبانيا في دستور عام 1876، والبيرو في دستور عام 1919.
ويأتي دور التشريع حديثاً نسبياً في موضوع الموطن ومركز الأجانب وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي، فهو يمثل مـصدراً مـساعداً للمـصادر الأخرى، فبعد أن وجد العرف والقـضاء القواعـد المتعلقـة بالموضوعات أعلاه، جاء التشريع مساعدة لهما على تسجيل تلـك القواعـد.

2- العرف: من المتفق عليه فقهياً أن العرف هو أقدم المصادر، ويعرف بأنه مجموعة القواعد التـي استقر العمل بها باستمرار، وشاع الاعتقاد بإلزامها من قبل الناس، وقد ضعُف وتضاءل دور العرف في الوقت الحاضر بفعل تعاظم دور التشريع والمعاهدات.
ودور العرف منعدم في مجال الجنسية، ولكن في المقابل كان له دور رئيس ودور مؤثر في بعض موضوعات القانون الدولي الخـاص، خاصـة تنـازع القـوانين، وتنـازع الاختصاص القضائي الدولي، وكان للعرف دور مكمّل للتشريع في موضـوع المـوطن ومركـز الأجانب.
ويذهب البعض إلى أن هناك أعرافاً دولية تتعلق بالقانون الدولي الخاص، ومنهـا الحد الأدنى لحقوق الأجنبي، وضرورة وجود علاقة جدية وحقيقية ما بـين الفـرد والدولة المانحة للجنسية، وحرية الدولة في مسائل الجنسية.

3- القضاء: مجموعة الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الوطني والدولي التي استقر 

العمل بها في التعامل مع مسائل القانون الدولي الخاص، وينعدم تأثير هذا المصدر في إطار الجنسية، ويكون له تأثير مساعد واحتيـاطي في باقي موضوعات القانون الدولي الخاص.
ويعد القضاء مصدراً تفسيرياً وطنياً، ولكن رغم ذلك يعد هذا المصدر في بريطانيا من المـصادر الرسمية والرئيسية للقانون، ومن الجدير بالذكر لعب القضاء وعلى مر التـاريخ دوراً متميزاً في تطوير أحكام القانون الدولي الخاص.
وإذا رجعنا إلى أحكام محكمة العدل الدولية ومحاكم التحكيم المختلط سنجد العديد من الأحكام التي كانت تعد بمثابة إضافة لأحكام القانون الدولي الخاص في مختلف موضوعاته، فحكم محكمة العـدل الدولية عام 1955 في قضية نوتبوم كان له تأثير في موضوع الجنسية عن طريـق التشريع، وكذلك حكم محكمة العدل الدولية الدائمة في عـام 1923 حـول مراسـيم الجنسية في تونس ومراكش فكان له انعكاس في آليات منح الجنسية، وكذلك فإن حكم محكمة العدل الدولية الدائمة في عام 1926 ضد بوليفيا بشأن نزع ملكيـة أجنبـي بـدون تعويض كان له تأثير في موضوع مركز الأجانب.

 

أما بالنسبة إلى المصادر الدولية للقانون الدولي الخاص:

1- المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية: تُعرف المعاهدة بأنها اتفاق بين دولتين أو أكثر من أجل إيجاد حل لمسألة معينة، وتعتبر المعاهدات أهم مصدر للقانون الدولي الخاص ويظهر دورها في كونها تهدف إلى وضع حلٍّ للصعوبات الناتجة عن اختلاف القوانين بين الدول، وإذا كان الأصل أن تقسم المعاهدات إلى معاهدات جماعية وثنائية فإنه يمكن في مجال القانون الدولي الخاص وبالنظر إلى موضوع المعاهدة إيجاد تقسيم آخر وهو: معاهدات موحدة لقواعد التنازع، ومعاهدات موحدة للقواعد الموضوعية.
ففي النوع الأول هدف المعاهدة يقتصر فقط على توحيد ضوابط الإسناد في القانون الداخلي بين الدول المتعاهدة، أما في النوع الثاني فلا يقتصر فيه واضعو المعاهدة على توحيد ضوابط الإسناد بل اللجوء إلى توحيد القواعد الموضوعية التي تحكم النزاع مباشرة.
وتمتاز المعاهدات بأن لها دوراً متساوياً في جميع موضوعات القـانون الـدولي الخاص؛ نظراً لأن الدولة تحتاج للمعاهدات لتنظيم شؤون موضوعات القـانون الدولي الخاص ولكن تأثير المعاهدات يكون مباشراً في بعض الموضوعات مثل: تنازع القوانين، وتنازع الاختصاص القضائي الدولي، والموطن، ومركز الأجانب، في حين يكون تأثيرهـا غير مباشر على الجنسية.
أي أن الاتفاقيات الدولية تؤثر بالفعل في أحكام الجنسية ولكـن عـن طريق التشريع، فالتشريع يسجل أحكام الاتفاقية المتعلقة بالجنسية، مثال ذلـك اتفاقيـة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 المعروفة باتفاقية "سيدو"، وقد كان لها تأثير فـي أحكام الجنسية المتعلقة بالمرأة في عديد من الدول العربية.

2- القضاء الدولي: عندما نتكلم عن القضاء الدولي فعادة ما نشير إلى أحكام محكمة العدل الدائمة في إطار عصبة الأمم سابقاً، ومحكمة العدل الدولية حالياً في إطار منظمة الأمم المتحدة، والحقيقة أن أحكام هاتين المحكمتين والمتعلقة بمواضيع القانون الدولي الخاص محدودة ونادرة لسببين:
أولهما أن محكمة العدل الدولية لا تنظر إلا في القضايا التي تكون بين الدول ولا شأن لها بنزاعات الأفراد، وإن كان يمكن لها بصفة استثنائية وبطريقة غير مباشرة أن تفصل في بعض القضايا المتعلقة بالأفراد وذلك في حالة "الحماية الدبلوماسية".
أما السبب الثاني فيرجع إلى طريقة اللجوء إلى محكمة العدل، إذ لا يمكن لهذه الأخيرة أن تنظر في النزاعات من تلقاء نفسها، وبالتالي لا يتقرر اختصاصها إلا إذا تم رفع النزاع من طرف الدول.
غير أن هذين السببين لم يمنعا محكمة العدل الدولية من إصدار بعض الأحكام التي تندرج ضمن مسائل القانون الدولي الخاص، ففي مجال الجنسية قررت المحكمة في عام 1923 أن للدول الحرية التامة والكاملة في مادة الجنسية، ولا يقيّد هذه الحرية سوى ما تقضي به المعاهدات الدولية، وفي مجال مركز الأجانب قررت المحكمة في عام 1926 أنه ليس للدول أن تنزع الملكية دون تعويض ولو تعلق الأمر بأجانب.

3- العرف الدولي أو قواعد القانون الدولي الخاص غير المكتوبة: يقصد بهذا المصدر تلك القواعد التي سارت الدول على اتباعها والعمل بها، وقد كان للعرف دور كبير فيما مضى خاصةً في مجال تنازع القوانين، فقاعدة خضوع القرار لقانون موقعه مستقر عليها منذ وقت طويل، ونفس الشيء بالنسبة لقاعدة خضوع الفعل الضار لقانون المكان الذي نشأ فيه الفعل، هذا ويلاحظ أنه وإن كان للعرف دور كبير في مجال تنازع القوانين فإنه بالمقابل يتضاءل دوره كثيراً في باقي المواضيع الأخرى:كالجنسية ومركز الأجانب لارتباط هذه المواضيع بسيادة الدولة، والحقيقة أن العرف الدولي فقد الكثير من أهميته حالياً أمام تزايد حركة التقنين والتشريع.

أخيراً فإن القانون الدولي الخاص المسؤول عن الفضّ في نزاعات الأفراد التي يكون بها عنصر أجنبي، يتمحور حول أربعة موضوعات وهي: جنسية المواطنين وهو ركن أساسي من سيادة الدولة، ومركز الأجانب الذي يحدد ماهية حقوق كل من المواطنين والأجانب، وتنازع القوانين وقد مر هذا الموضوع بطورين من التطوير سواء في المدارس القديمة أو الحديثة، وآخر موضوعات القانون الدولي الخاص هو موضوع تنازع المحاكم وتنفيذ القانون الأجنبي الذي يُستند فيه إلى قاعدة الإسناد.

وتتمثل مصادر القانون الدولي الخاص في المصادر الداخلية كالقضاء والعرف والتشريع، وأيضاً فهنالك مصادر دولية كالعرف الدولي والقضاء الدولي، وأهمها وهي المعاهدات الدولية.

 

المصادر والمراجع:

د.أحمد عبدالحميد عشوش، القانون الدولي الخاص، كلية الحقوق، جامعة بنها.

د.كريم مزعل شبي، مفهوم قاعدة الإسناد وخصائصها (دراسة مقارنة في تنازع القوانين)، كلية القانون، جامعة كربلاء.

د.أحلام بيضون، المختصر في القانون الدولي الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، الجامعة اللبنانية، 2011/2012.

د.حسن الهداوي، القانون الدولي الخاص تنازع القوانين، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1997.

د. بن عصمان جمال، مقياس القانون الدولي الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، تلمسان، 2014/2015.

د.فؤاد ديب، القانون الدولي الخاص 2، الجامعة الافتراضية السورية، 2018.

د.مهند وليد حداد وخالد وليد حداد، المدخل لدراسة علم القانون، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع 2008.

د. إيهاب عيد، محاضرات في القانون الدولي الخاص، كلية الدراسات التطبيقية وخدمة المجتمع، جامعة آل سعود.

د.فراس كريم شيعان البيضاني،محاضرة بعنوان مصادر القانون الدولي الخاص، جامعة بابل 2017.

د.عبدالرسول عبدالرضا جابر شوكة، محاضرة بعنوان التطور التاريخي لقواعد تنازع القوانين، جامعة بابل 2013.

إقرأ أيضاً
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia