حساب جديد

القانون الطبيعي - Natural Law

إن كشف جذور النظم القانونية في العالم القديم، وتقصّي مصادر القانون المطبق في تلك الحضارات القديمة، ينير الطريق إلى فهم الأنظمة القانونية المعاصرة، وقد كان للقانون الطبيعي دور كبير في نشأة التشريعات القديمة، فقد تألقت تلك الفكرة في حضارات العالم القديم، خاصة لدى الإغريق والرومان، ولذا فهي تعتبر من أشهر وأقدم النظريات القانونية ذات الصفة الفلسفية، ولكن قبل الخوض في مدرسة القانون الطبيعي يجب أن نتطرق أولاً إلى تعريف القانون بصفة عامة.

تعريف القانون:

لكلمة القانون معنيان: أحدهما معنى لغوي، والآخر معنى اصطلاحي

المعنى اللغوي لكلمة القانون: القانون يعني في اللغة مقياس كل شيء وطريقه، وكلمة قانون مفرد قوانين وتعني الأصول ولفظ القانون يفيد النظام، والمقصود به تكرار أمر معين على وتيرة واحدة بحيث يعتبر خاضعاً لنظام ثابت. 

أما القانون اصطلاحاً: فهو مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم علاقات الأفراد في المجتمع، أو النظام الذي تجري وفقاً له علاقات الأشخاص في المجتمع. 

وتعني كلمة القانون مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، فإن وصف القانون بأنه قانون وضعي أو قانون طبيعي تخصص بمعنى معين، وسيكون القانون الطبيعي هو موضوع هذا المقال.

ويقصد بالقانون الطبيعي: مجموعة القواعد  الدائمة التى لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، وتعتبر القواعد المثالية التى توجه القانون الوضعى، والتى يجب أن يتجه إلى الأخذ بها المشرعون فى مختلف البلاد. 

وفكرة القانون الطبيعي قديمة وراسخة في بلاد اليونان حتى في فلسفة ما قبل سقراط، ويعد هيراقليطس Heraclitus وهو أحد فلاسفة تيار ما قبل سقراط، هو أول من ذهب إلى أن أصل القوانين الإنسانية سماوي وأنها مرتبطة بقوانين الإلهة، ومن ثم لا ينبغي للناس أن يبدلوها أو يغيروها، وأن الحكيم الحقيقي هو الذي يدرك أن القانون الذي يحكم جميع الأشياء، وقد فضل هيراقليطس عمل القانون في جميع النواحي لأن القوانين الطبيعية والإنسانية مستمدة من القانون الإلهي. 

وعلى الرغم من أن هيراقلطيس هو أول من ذهب إلى أن أصل القوانين الإنسانية سماوي وثابت، ولكن تعد نشأة القانون الطبيعي مردودها إلى السوفسطائيين sophist في القرن الخامس قبل الميلاد وترجع جذور القانون الطبيعي لدى السوفسطائيين إلى أنطوفين -Antiphon، ويرى أنطوفين أن القوانين الوضعية تُفرض بشكل مصطنع، لكن قوانين الطبيعة إلزامية، ويتم التوصل إلى القوانين الوضعية بعد طرحها والموافقة عليها، وهذا معناه أنها ليست طبيعية أو حقيقية، في حين أن قوانين الطبيعة لا تحتاج إلى موافقة. 

وقد قدم بعض الفلاسفة اليونانين مثل أفلاطون، وأرسطو على التمييز بين "الطبيعة" و"القانون"، "العرف"، و"الاتفاقية"، ووجود تنوع في ما أمر به القانون من مكان إلى آخر، لكن ما كان "بطبيعته" ينبغي أن يكون هو نفسه في كل مكان.

أما بالنسبة لأفلاطون - Plato  فإن فلسفته الأخلاقية هي في الأساس تعد شكلاً من أشكال نظرية القانون الطبيعي، حيث إنها نظرية تقوم على أن الأخلاق تُستمد من الوجود، وتجد قواعدها في الطبيعة وتستمد الخير للإنسان من فهم الطبيعة البشرية، ومن ثم فتلك القوانين عالمية المعايير صالحة لجميع الشعوب.

وقد قام أفلاطون باستبدال الطبيعة الواقعية بالطبيعة المثالية وتبعاً لهذا كان هناك قانون مثالي موجوداً في هذا العالم المثالي، فالمثالية عند أفلاطون هي الوجود الحقيقي، ويعد منهج أفلاطون منهجاً معيارياً فلسفياً، أي أنَّه يهتم في سياسته المثلى بما يجب أن يكون، وليس بما هو كائن بالفعل.

لذا فأفلاطون قد طرح فكرة أن مثل هذه المبادئ (أي القوانين الطبيعية) موجودة، وأن لديهم مراسيها وأدلتها في الطبيعة نفسها، وقام أرسطو بتقطير وتطوير هذه الفكرة القائلة بأن مثل هذه القوانين مدرجة بطبيعتها وتوضح أول نظرية منهجية "للقانون الطبيعي".

ويُعتبر أرسطو من قِبل الكثيرين أنه الأب "للقانون الطبيعي"، ويوضح أرسطو بأنه بصرف النظر عن القوانين "الخاصة" التي وضعها كل شخص لنفسه، هناك "قانون عام" أو "القانون الأعلى" وفقاً للطبيعة.

وقدم أرسطو عرضاً للعدالة السياسية وهي العدالة التي تقوم بين أناس أحرار متساوين مشتركين في الدولة الواحدة وهي تتجلى في القوانين العادلة التي يضعها المشرع، وهي قسمان: العدالة الطبيعية وهي واحدة ولا تتوقف على اعتقاد الناس، والعدالة الوضعية وهي تختلف باختلاف البلدان وتتوقف على العرف.

وهنا نصبح بإزاء ما يسميه أرسطو مفهوم العدالة القانونية التي هي ليست جزءاً من فضيلة وإنما هي الفضيلة بذاتها، إنها الفضيلة الكاملة وهذا يعني أنها فضيلة اجتماعية.  وفي حين كانت الغاية الأساسية من نشوء الدولة عند أفلاطون هي تحقيق العدالة فإنها عند أرسطو هي تحقيق السعادة والخير بين أفراد المجتمع من خلال العدالة والصداقة، ويرى أرسطو أن كل فرد يجب أن ينال ما يستحق وما يستحق بمقابل ما يعطي، كما أنه يجب أن تكون العدالة هي هدف تلك القوانين. ويعمد إلى العدالة فيحللها تحليلاً عميقاً، فيقول إن العدالة تعني مطابقة القانون الخلقي أو الإلهي، وعندئذ تكون العدالة مرادفة للفضيلة. 

وبعد فلسفة أرسطو وأفلاطون حول القانون الطبيعي، فإن التاريخ اللاحق للقانون الطبيعي مدين بالكثير للفلسفة الرواقية Stoicism philosophy، حيث ذهبت الفلسفة الرواقية إلى تأكيد فكرة عالمية الطبيعية البشرية وأخوة الإنسان، وكان من ميزات هذا المذهب البارزة تشديده على العقل باعتباره الميزة الأساسية للإنسانية، ويتبين لنا أنه بالنسبة للرواقيين كان يوجد قانون طبيعي عالمي يمكن تحقيقه بالعقل الذي يمكن بواسطته اختبار عدالة القانون الوضعي، لذلك فليس هناك حاجة لرفض القانون الوضعي لصالح القانون الطبيعي، بل من الأولى جعل القانون الوضعي مستمد من قواعد القانون الطبيعي.

وتزامن مجيء المذهب الرواقي المتأخر مع انتشار السلطة الرومانية على عالم البحر الأبيض المتوسط وأسهمت الأفكار الرواقية في هذا التوسع، حيث كانت الأساس في ظهور التشريع الروماني المعروف باسم قانون الشعوب Jus Gentium، وهو القانون الذي كان يطبق على الرومانيين والأجانب في الدولة الرومانية.

وعلى الرغم من وجود هذا التأثير للفلسفة الرواقية في تشريعات الرومان، فإن الفقهاء الرومانيين استخدموا القانون الطبيعي لماماً في كتابتهم، وكان ذلك حتى قام شيشرون Cicero  (106 –43 BC) بنقل تلك الفكرة إلى الرومان بشكل كبير، وكان ذلك بمثابة نقلة لمرحلة جديدة في تاريخ القانون الطبيعي، فبعد مروره بمرحلة نشأة فلسفته على يد أفلاطون وأرسطو والرواقيين، انتقل شيشرون بالقانون الطبيعي لمرحلة جديدة وهي مرحلة القانون والدين وتبعه بعدها بعدة قرون توما الأكويني.

ويعرف شيشرون القانون الطبيعي بأنه مجموعة القواعد السرمدية التي لا تتغير وتهدف للارتقاء بالقانون الوضعي باعتبارها المثل الأعلى الثابت المشترك بين جميع البشر.

وقد لخّص شيشرون فكرة القانون الطبيعي في مؤلفه DE REPUBLICA بأنها قانون موافق للطبيعة، معروف للجميع، خالد، أبدي، يدعونا إلى اتباع ما يأمر به، وينهانا عن ارتكاب ما يحرمه ولسنا بحاجة إلى شرحه أو تفسيره.

فهو لا يختلف في روما عنه في أثينا ولا يختلف في يومه عن غده، فهو قانون واحد خالد على مر الزمان ثابت لا يتغير؛ لأن هذا القانون لم يصنعه بشر بل الله خالق الكون وهو الذي خلقه وهو الذي أمر بتطبيقه، وهو قانون عام لا يختص به شعب دون الآخر وأحكامه ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وكلها مستمدة من الطبيعة ذاتها والعقل السليم هو الذي يكشف عنها لأنها مطابقة للعدل والخير. 

ويعد القانون الطبيعي عند شيشرون بمثابة العقل الذي تحكم الآلهة العالم من خلاله، فقانون الطبيعة هو قانون العقل الذي يشترك فيه البشر مع الآلهة ليسود الحق والعدل ولتحقيق التوازن في المدينة على غرار التوازن في الكون ككل وكذلك باعتباره أساساً لكل فروع القوانين الأخرى الواجب اتخاذه معياراً لها، وترجع أهمية القانون الطبيعي لدى شيشرون باعتباره المرجع الذي بناءً عليه يتم التحسين والتقبيح ويتحدد العدل والظلم فجوهر فكرة القانون الطبيعي لديه يعود لكونه معياراً تقاس عليه التصرفات والأشياء.

ورغم أن فكرة القانون الطبيعي هي نتاج التقليد الإغريقي- الروماني، فإن هذه الفكرة لم يتم رفضها من جانب مفكري المسيحية، ولقد انتقلت فكرة القانون الطبيعي إلى فقهاء الكنسية وإلى الباحثين في القرون الوسطى، وتطورت على يد القديس توما الإكويني، وعلى الرغم من تطورها فإن العناصر الأساسية للفكر الإغريقي لم تختفِ من القانون الطبيعي  على الرغم من التحول الذي أحدثته المسيحية، بل اكتسب الفكر الإغريقي من التعاليم المسيحية حياة جديدة.

ويلاحظ أن آباء الكنيسة، بالرغم من أنهم استنتجوا من الوصايا العشر ومن الإنجيل المبادئ العليا للقانون الطبيعي، فقد أضافوا إليها إلى حد كبير نظريات فقهاء الرومان، الذين تأثروا بالفلاسفة الإغريق وسلموا أيضاً بوجود قانون طبيعي تفرضه القوانين الوضعية.

ويعتبر القديس توما الأكويني - Thomas Aquinas هو الممثل الأول للعصر المدرسي أو عصر الفلاسفة اللاهوتين، وكان منهج القديس توما يقوم على إعادة اكتشاف كتابات أرسطو ومحاولة إظهار وتماثل نسجها مع النسيج اللاهوتي المسيحي بإحداث توازن جديد بين العقل والوحي، وقد ساعد توما الأكويني معاصرته لفترة كانت تمر فيها الدولة بمرحلة بناء، كما أنه لعب الدوران السياسي والديني معاً.

وللقانون الطبيعي عند توما وجهان، فهو من جهة نظام وضعي للعالم، ومن جهة ثانية يكشف عنه عقل الإنسان، فهو قانون طبيعي وشعور أخلاقي.

وعلى الرغم من أن القانون الطبيعي لدى توما الإكويني كان يمكن الوصول إليه عن طريق العقل فإن مصدره ديني أو إلهي باعتباره جزءاً من القانون الأبدي الذي يعبر عن العقل الإلهي.

وقد قسم القديس توما الإكويني القوانين إلى 3 أنواع وهي:

- القانون الإلهي: يعبر عن إرادة الخالق ويتم إدراكه عن طريق الوحي والشعور كما يمكن إدراكه عن طريق العقل البشري.

- القانون الطبيعي: هو انعكاس لبعض قواعد القانون الإلهي في الحياة الإنسانية.

- القانون الوضعي: ويتضمن القواعد التي يصنعها الإنسان ويتعين أن تتفق مع القانون الطبيعي؛ لأن القانون الوضعي يستمد شرعيته وقوته الملزمة من تطابق قواعده مع قواعد القانون الطبيعي الخالدة.

وبذلك جعل القديس توما الأكويني القانون الطبيعي يمثل انعكاساً للقانون الإلهي والأساس الوحيد للقانون الوضعي، وخاصة من حيث شرعيته وقوته الملزمة.

وبعد تطوير القديس توما الإكويني للقانون الطبيعي، كانت الفترة من 14 إلى 16 قرون فترة انتقالية من العصور الوسطى إلى الحداثة، وكانت هناك تطورات أخرى جديدة في تاريخ تفكير القانون الطبيعي وأهم تلك التطورات أنه:

أولاً: في هذه الفترة، ركّز كُتاب القانون الطبيعي بشكل أكبر على حقوق الفرد، لا سيما حقوق الملكية والحرية.

ثانياً: تم استخدام مذاهب القانون الطبيعي لترسيخ مبادئ الحرية والمساواة، وأن استخلاص شرعية القانون والحكومة يتم عن طريق موافقة الشعب، وتم استخدام القانون الطبيعي لتقييد الحكومات وأحياناً بتهديد ضمني أو صريح بسحب تلك الموافقة في حالات إساءة استخدام السلطة.

وكان من أوائل الشخصيات في تطوير مثل هذه النظريات في القرن الرابع عشر هو عالم اللاهوت ويليام أوف أوكهام - Ockham، وقد كان طرح أوكهام ينص على أن إرادة الله السيادية للسلوك الإنساني قد تم الكشف عنها من خلال التصميم العقلاني لخلقه، وأن العقل البشري يستطيع التوصل لمبادئ القانون الطبيعي.

وفي مطلع العصور الحديثة واجهت نظرية القانون الطبيعي بعض المصاعب نتيجة لتبلور فكر نظريات السيادة والمذهب الإرادي، ولكن رغم هذا فقد اعتنقها فقهاء كثيرون وجعلوها تصمد في إطار الفكر القانون الحديث، وقد كان من ضمن هؤلاء الفقهاء المفكر الإسباني فيتوريا - Vitoria حيث قرر بأنه "يوجد قانون سرمدي يولد مع البشر ويخاطب ضمير الإنسان ويلزمه كما يلزم الأمم، ولا يمكن تعديل أحكامه التي يشترك في احترامها جميع البشر وهذا القانون الطبيعي هو الذي يجعل من سيادة الدولة غير مطلقة بل مقيدة بأحكامه"، وقد طرح فيتوريا هذه النظرية في وقت كان فيه النهب والسلب والغزو شائع في المناطق التي اكتشفتها إسبانيا حديثاً واحتلتها، وقد حاول فيتوريا أن يعلن من لاهوت الأخلاق عن نظام عالمي للقوانين التي تحكم البشرية جمعاء.

ويشرح فيتوريا في محاضرته De Indis أن كل السلطة تأتي من الله، والقانون الطبيعي يحترم ممارسة السلطة المدنية، ولا يمكن لأي مجتمع موجود من أجل الصالح العام، أن يدعي السلطة على مجتمع آخر، ثم يستنتج أنه لا يوجد سيادة للإمبراطور الإسباني على العالم أجمع، لأن السيادة لا يمكن أن توجد إلا بموجب القانون الطبيعي أو القانون الإلهي أو القانون الإنساني، والإمبراطور ليس سيد العالم من قبل أي من هذه القوانين.

ثم وفي بداية العصور الحديثة خرج علينا توماس هوبز - Thomas Hobbes بنظرية العقد الاجتماعي وبتطويرات جديدة للقانون الطبيعي، ويعتقد هوبز أن أول أمر يصدر عن القانون الطبيعي هو "البحث عن السلام والسعي إليه"، وبمقتضى هذا القانون يجب على الناس أن يسعوا إلى السلام ولتحقيق هذا الهدف عليهم جميعاً إبرام عقد فيما بينهم وأن يتنازلوا بموجبه عن الحق في عمل كل شيء، وبهذا التنازل المتبادل ينشأ المجتمع السياسي.

وعلى الرغم من التنازل من أجل إبرام هذا العقد أو تحقيق السلام، فإنه لا يجوز بمقتضى هذا العقد التنازل عن الحقوق الأساسية للإنسان، ويقول هوبز "إن موضوع التصرفات الإرادية لكل شخص هو شيء حسن لهذا الشخص، ولهذا السبب فإن هناك بعض الحقوق التي لا  يتصور أن رجلاً يتنازل عنها أو يتصرف فيها بأي كلمات أو إشارات"، وتلك الحقوق التي يتحدث عنها هوبز هي الحقوق التي أُطلق عليها فيما بعد حقوق الإنسان، وهي الحقوق الطبيعية التي تستمد وجودها من القانون الطبيعي ذاته ولا يجوز المساس بها عن طريق أي تصرف إرادي سواء كان هذا التصرف قانوناً أو عقد.

وهكذا فإن العقد الاجتماعي عند هوبز يستمد أسباب وجوده ويستمد شروطه من القانون الطبيعي وليس من الإرادة، فالعقد الاجتماعي عقد غير إرادي، ومع هذا فهوبز قد انحرف بنظرية القانون الطبيعي انحرافاً يبرر طغيان القانون الوضعي.

وبعد توماس هوبز جاء جون لوك - John Locke، ويعد جون لوك من فلاسفة القانون الطبيعي الصادقين، حيث احتج على أخطاء هوبز التي أدت إلى الطغيان والتحكم، حيث أشار إلى أن "القانون الطبيعي هو القاعدة الخالدة للناس جميعاً وللمشرعين كما لغيرهم"، وأن "القانون الطبيعي هو قانون العقل، والعقل هو قاعدة القياس المشتركة التي أعطاها الله للجنس الإنساني"، والتي لا يستطيع أحد الخروج عليها فلا إرادة للأفراد أو للمشرّع تستطيع أن تخالف القانون العقلي؛ لأن الإرادة دائماً خاضعة له.

لذلك فإن المجتمع السياسي لدى جون لوك لا يمكن أن يُخلق بواسطة القوة والقهر، وأساس الدولة ليس هو العقد الاجتماعي بل هو العقل الطبيعي، وكذلك الله خالق هذا العقل "فإن الله كما يقول لوك قد أنشأ السلطة السياسية ليقمع تحيز الناس وعنفهم".

لذلك فالعقد الاجتماعي عند لوك هو مجرد وسيلة فنية ولازمة لتحقيق هذا الأمر الإلهي، وينبغي أن يكون موافقاً لهذا الأمر أيضاً، لأنه ليس لأي عقد كان أن يضع نهاية لحالة الطبيعة بين الناس، بل ينبغي أن يؤدي هذا العقد إلى المحافظة على الحياة المشتركة بين كل الناس وحماية حرياتهم وممتلكاتهم، كذلك فقد رسخ لوك فكرة أن المجتمع عبارة عن مخلوقات عاقلة قامت بتكوين جماعة لمصلحتها المشتركة.

وعليه فإن طرح لوك لفكرة العقد الاجتماعي يعتبر أنه وسيلة يتم استخدامها لتنفيذ مبادئ القانون الطبيعي، وهذا العقد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخطى حريات الأشخاص أو أن يجور على ممتلكاتهم.

وجاء التطوير الأكثر ثورية على يد الفيلسوف جان جاك روسو - Jean-Jacques Rousseau ويقول جان جاك روسو إن الإرادة الإنسانية ليست هي مصدر العدل "فالشيء الحسن والمطابق للنظام هو كذلك  بحسب طبيعة  الأشياء ذاتها وبصفة مستقلة عن الاتفاقات الإنسانية ، فكل عدل يأتي من عند الله الذي هو وحده مصدره".

ونظراً لأن إرادة الأفراد قد تنحرف فإن روسو يؤكد ضرورة "إلزام هؤلاء الأفراد بإخضاع إرادتهم لعقلهم"، والقانون هو الذي يقوم بذلك بشرط أن يكون القانون هو نفسه معبراً عن حكم العقل.

وبعد كل هذه التأكيدات من روسو وغيره من الفلاسفة، يتضح أن المقصود بالعقد الاجتماعي هو العقد العقلي العادل، وليس العقد الإرادي، وأن مصدر هذا العقد هو القانون الطبيعي وليس الإنسان.

وبعد تطويرات الفلاسفة حتى القرن الثامن عشر، فقد شهد القرن التاسع عشر انحدار مدرسة القانون الطبيعي إلى الحضيض، وقد حلت محلها الوضعية القانونية التي كانت مرتبطة بنهوض الوضعية العلمية، ويعد أحد أهم الأسباب هي المبالغة في العقلانية التي سادت في هذا الوقت لدى فلاسفة الاستنارة والشعور بأن القانون الطبيعي يخلو من أي أساس علمي، وأنه تجاهل الدور الحيوي للعوامل التاريخية في تطوير القانون، ولكن على الرغم من ذلك ظهر القانون الطبيعي مرة أخرى على الساحة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب ظهور الديكتاتورية الفاشية والنازية، والإنكار الصريح المتعمد من جانب أمم جبارة لكل المعايير الأخلاقية والثقافية التي كانت تعتبر العناصر التي لا غنى عنها في الحضارة الإنسانية أدت إلى إعادة البحث والفحص في مبادئ القانون الوضعي والحكومة.

ويتضح لنا أن تطور القانون الطبيعي قد مرّ بثلاث مراحل يمكن تقسيمهم كالتالي:

المرحلة الأولى: هي مرحلة الفلسفة، حيث نشأت فلسفة القانون الطبيعي ورُسمت أول علاماته على يد الفلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو والرواقيون.

المرحلة الثانية: هي مرحلة ربط القانون الطبيعي بالدين عن طريق تمثيل القانون الطبيعي أنه استخلاص للقانون الإلهي وكان للقديس توما الأكويني دور كبير في ذلك، وإن كانت لفلسفته تلك دور مؤثرة في البلدان التي لا يزال للكنيسة الكاثولكية فيها دور سلطوي.

ويطرح كلا نوعي النظرية السابقين صورة مثالين للقانون الطبيعي، ويعاملان الطبيعة كشيء يفرض معايراً مثالياً.

أما المرحلة الثالثة: المرحلة الاجتماعية عن القانون الطبيعي تتبنى معالجة أكثر واقعية، حيث اهتمت أكثر بتطبيق القانون الطبيعي بشكل عملي، وتجلى ذلك في نظرية العقد الاجتماعي.

وعلى مر تاريخ تطور القانون الطبيعي فقد وضع الفقهاء من أنصار هذه المدرسة سمات للقانون الطبيعي تميزه عن القوانين الوضعية، ويمكن تقسيم تلك السمات كالتالي: 

أولاً العقلانية: إن للعقل البشري دوراً كبيراً في إنتاج القانون الطبيعي من الروابط الاجتماعية يكون بداية لصياغة القانون الوضعي على غراره، وكلما قرب القانون الوضعي من القانون الطبيعي كان أقرب إلى الكمال.

ثانياً الموضوعية: إن من سمات القانون الطبيعي أن يكون موضوعياً، وهو يكون كذلك حينما يحكم الناس على وجه سواء، دون النظر إلى آرائهم الخاصة ومصالحهم الذاتية، فالطبيعة وحدها هي التي تنأى بالقانون عن القسوة والضيق والنقص والتغيير وعن هوى الفرد وتحكّم المشرع، فالقانون هو العقل المجرد من العاطفة، أو هو القائد الذي ينبغي الاهتداء بحكمه، على حد تعبير أرسطو.

ثالثاً الخضوع: إن القانون الطبيعي يقتضي من الأفراد طاعة القانون الوضعي ولو كان مخالفاً لبعض مقتضيات القانون الطبيعي، وبهذا المعنى يقول أرسطو إن الخضوع للقوانين هو الأمر الأولى بالاتباع، وكذلك فكان رأي هوبز "أن نزول الأفراد عن حقوقهم الطبيعية للحاكم هو نزول كامل غير مشروط ولا رجوع فيه، والحاكم لا يلتزم في مواجهة الأفراد إلا بالتزام وحيد وهو الالتزام بممارسة الحكم والمحافظة على النظام".

رابعاً: الإطلاقية والتعميم
إن من أهم خصائص القانون الطبيعي أن قواعده تتميز بالتجريد والعمومية، ومن هنا جاءت تسمية القانون الطبيعي بـ"المطلق"، فهي تسري على الكل وتخلو من الشروط أو الصفات الخاصة التي قد تؤدي إلى تطبيقه على طرف أو شيء معين بذاته أو على واقعة محددة بذاتها، وأن هذا القانون ينظم الكون كله، وهو قانون ثابت لا يتغير لا في الزمان ولا في المكان، وهو كامن في طبيعة الأشياء يهيمن على سلوكها.

خامساً المثالية
يقصد بالمثالية الأفكار التي تؤمن بأن هناك مبادئ وأصولاً تسمو على القانون المنطبق في جماعة معينة، وتشكل نموذجاً للعدل يبغي السير على نهجه في كافة القوانين الوضعية، وتكاد تنحصر فكرة المثالية في مذهب القانون الطبيعي، وهذا نتاج الطرح الأفلاطوني للقانون الطبيعي، حيث طرح فكرة أنه هو القانون الكلي الشامل المختبئ وراء الموجودات والمتموضع في الأشياء.

وكما أشرنا سابقاً إلى أن القرن التاسع عشر كان بداية انحدار نظرية القانون الطبيعي وانحسارها من الاستخدام، فكان هناك أيضاً العديد من الانتقادات الموجهة للقانون الطبيعي.

الانتقادات التي وُجّهت إلى نظرية القانون الطبيعي

أولاً: المصادر المتضاربة: يعد ذلك النقد من أهم الانتقادات التي وُجهت للقانون الطبيعي، حيث إن أنصار القانون الطبيعي قد اختلفوا في تحديد مصدره، كما تباينت آراؤهم في تحديد مضمون قواعده، فبعضهم ذهب إلى أن القانون الطبيعي من صنع الله، والبعض الآخر ذهب إلى أنها مستنبطة من الطبيعة ذاتها ولا دخل لإرادة الله في صنعها.

ثانياً: استخدامات القانون الطبيعي: حيث إن بعض أنصار القانون الطبيعي قد استخدموا مضمونه في تدعيم سلطات الحاكم وتقليص حرية الشعوب وحرمان الأفراد من حق معارضته حتى ولو كان ظالما كما أشار توماس هوبز إلى "أن نزول الأفراد عن حقوقهم الطبيعية للحاكم هو نزول كامل غير مشروط ولا رجوع فيه، والحاكم لا يلتزم في مواجهة الأفراد إلا بالتزام وحيد وهو الالتزام بممارسة الحكم والمحافظة على النظام"، وكذلك حرمانهم من حق الاعتراض على أي قوانين يضعها الحاكم بنفسه أو عن طريق حكومته، كما أشار جروسيوس إلى أن "على الأفراد واجب الطاعة لقانون الدولة حتى ولو كان مجافياً للعدل، وذلك طالما أن هذا القانون يستمد سلطته وشرعيته من القانون الطبيعي".

ثالثاً: طغيان الجانب الفلسفي: نظر أصحاب نظرية القانون الطبيعي لها على أنها قانون مثالي ونموذجي، ما يجعلها فكرة فلسفية، ويخرج النظرية من نطاق الدراسات القانونية إلى نطاق الدراسات الفلسفية، وهذا ما نادى به بعض نقاد النظرية إلى أن القانون الطبيعي يخرج من حيز القانون بالمعنى الدقيق.

رابعاً: الخلط بين القانون والأخلاق: عرض نظرية القانون الطبيعي على أنها عبارة عن مبادئ أخلاقية يعرّيها من صفة الإلزام، حيث إن الأخلاق ليس لها صفة إلزامية، ويترتب على ذلك أن القانون الطبيعي غير مُلزم وبالتالي فالقانون المتفرع من القانون الطبيعي يكون غير ملزم.

في النهاية فإن نظرية القانون الطبيعي بدأ تناولها في حقبة ما قبل التاريخ، وظلت متصدرة للمدارس القانونية طيلة ثمانية عشر قرناً من الزمان، ومرّت النظرية بثلاث مراحل: المرحلة الفلسفية، المرحلة الدينية، والمرحلة الاجتماعية، وانحدر القانون الطبيعي في القرن التاسع عشر أمام تيار العقلانية وفلاسفة الاستنارة، ولكن سريعاً ما طرح على الساحة مرة أخرى كنوع من التشكيك في القوانين الوضعية بعد الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من النقد الذي طال نظرية القانون الطبيعي خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرون، فإنه كان لها دور كبير في ترسيخ العديد من التشريعات، وفي بناء بعض الدول على مر التاريخ.

 

المصادر والمراجع:

المعجم الوسيط 1985.

المدخل للعلوم القانونية نظرية القانون د/ أحمد محمد الرفاعي جامعة بنها نسخة 2007-2008.

دراسة بحثية لفلسفة القانون بين سقراط والسوفسطائيين الباحث/ محمد ممدوح عبدالمجيد مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

فلسفة القانون عند أرسطو مصطفى فاضل كريم الخفاجي جامعة بابل / مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية.

مجلة رسالة الحقوق الدكتور نزار عبدالأمير تركي السنة السابعة العدد الأول 2015.

أثر النهضة العلمية الحديثة على الفكر القانوني: دراسة في فلسفة القانون فيصل محمد البحيري، مركز الدراسات العربية الطبعة الأولى 2015.

المبادئ العامة لتاريخ وفلسفة نظم وقوانين حضارات العالم القديم د/ سمير عبدالمنعم أبو العينين 2004.

كمال سعدي مصطفى، دار دجلة، عمان، الطبعة الأولى 2010‎ حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية.

النظرية العامة للقانون د/ سمير عبدالسيد تناغو منشأة المعارف، الإسكندرية 1974.

فكرة القانون، تأليف: د. دينيس لويد، العدد رقم 47 من سلسلة عالم المعرفة.

المعجم الفلسفي، تأليف مراد وهبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2016.

Late Medieval Transformations Paul E. Sigmund, Professor Emeritus, Princeton University

Walter Kauffman - Philosophic Classics

International encyclopedia of philosophy

Carolina Kenny, Department of Defense and Strategic Studies, Missouri State University

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia