حساب جديد ادعمنا

النمور الآسيوية الأربعة - Four Asian Tigers

النمور الآسيوية مصطلح ظهر قبل ثلاثين عاما للإشارة للنمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده سنغافورة وتايوان وهونغ وكونغ وكوريا الجنوبية، فمن أمم فقيرة محطمة حققت هذه الدول - منذ الستينيات - قفزات صناعية واقتصادية مذهلة، ووصلت إلى دول مزدهرة، فكوريا الجنوبية مثلا نهضت من أمة منهارة (قتلت الحرب الأهلية فيها أربعة ملايين مواطن) إلى دولة صناعية رائدة تملك اليوم تاسع أكبر اقتصاد في العالم، أما تايوان فلم تكن أكثر من جزيرة صغيرة للصيادين حققت قفزات اقتصادية مدهشة رفعت دخل المواطن إلى 13 ألف دولار ووضعتها في المركز الـ 23 ضمن أكبر اقتصاديات العالم.

ومصطلح النمور الآسيوية مقتبس من مكانة «النمور» نفسها في الثقافات الآسيوية، فالنمر الآسيوي يتميز بسرعة حركته ومباغتته للخصوم، وهذا بالضبط ما فعلته الدول السابقة كونها باغتت العالم بسرعة نموها وانتقالها لمرحلة التصنيع بطريقة حيرت أساتذة الاقتصاد في الغرب.

ففي علم الاقتصاد الرأسمالي تعد الديمقراطية وتوفر الثروات الطبيعية مطلبا أساسيا للازدهار الاقتصادي غير أن ما حدث في الدول السابقة خالف تماما هذا المبدأ كون معظمها تقريبا يعاني من شح في الثروات المعدنية والطبيعية (بل ويعاني بعضها من شح في المياه العذبة مثل سنغافورة التي تستورد مياه الشرب    من ماليزيا)، وباستثناء هونغ كونغ (التي ازدهرت تحت الإدارة البريطانية) خضعت تايوان لفترة طويلة لحكم القائد الثوري شيانج كاي شك - ومازالت تُحكم من قبل الحزب الوطني الذي أسسه، غير أن شح الثروات الطبيعية جعل تلك الدول تستثمر في المواطن نفسه بحيث حققت أيضا أكبر نسبة نمو في التعليم والدخل على مستوى العالم.

النماذج التنموية للنمور الأسيوية

تايوان ونموذجها الاقتصادي

أول دول النمور الآسيوية هي تايوان، فيعد اقتصاد دولة تايوان خامس أضخم اقتصاد في قارة آسيا كما يعتبرها صندوق النقد الدولي واحدة من أضخم دول العالم اقتصادياً، ومن منظور المنتدى الاقتصادي العالمي يرى أن الاقتصاد التايواني يحتل المركز الخامس عشر من بين القوى التنافسية الاقتصادية العظمى على مستوى العالم وذلك طبقاً لتقرير التنافس العالمي الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي كل عام.

اتباع سياسة الخصخصة لعل أهم السياسات أو المناهج الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات التايوانية لتنقذ نفسها من أقوى الأزمات الاقتصادية التي حلت بها بعد انقضاء الحروب العالمية كانت سياسة الخصخصة؛ فقد قامت الحكومة التايوانية بعرض أكبر بنوك الدولة التي تمتلكها وكذلك أهم المنشآت الصناعية التي تمثل محور الاقتصاد التايواني للبيع حيث يتملكها الآن رجال أعمال وكيانات اقتصادية كبيرة بشكل رسمي. وعلى قدر ما تحمل سياسة الخصخصة تلك من تبعات اقتصادية سلبية بالأخص على المواطنين أكثر من السلطة نفسها لكنها في نفس الوقت تعطي الفرصة للكيانات الاقتصادية الضخمة والمدربة على النهوض بالمشاريع التجارية المختلفة في تولي أعمدة اقتصاد الدولة وبالتالي العمل على تحسين خدماتها بشكل سريع وكفئ وفي نفس الوقت بأقل التكاليف. 

كانت لسياسة الخصخصة في تايوان أثرها الإيجابي الواضح على الاقتصاد فقد بلغ معدل الإنتاج المحلي في تايوان حوالي 8% في عام 1987 وزادت نسبة الصادرات التايوانية بشكل ملحوظ مما زاد من فرص الاستثمار الصناعي والتجاري في تايوان.

 تواجه الصناعة التايوانية أخطاراً جسيمة قد تلحق ضرراً بالغاً بصناعتها المحلية؛ فوجود منافسين في السوق العالمي يقومون بعرض السلع ذاتها وبسعر أقل نسبياً عن السعر المتعارف عليه يجعل أنظار التجار تتجه إلى تلك الأسواق البديلة بدون حتى الالتفات إلى مدى جودة المنتج المعروض، ففي السنوات الأخيرة نجحت الصين في غزو العالم كله بمنتجات وسلع مختلفة ذات جودة متواضعة ولكن بتكلفة أقل بكثير عن منافسيها مما أضر بمعدلات التصدير عند الكثير من الدول الصناعية وعلى رأسهم تايوان. لذلك عملت الحكومة التايوانية على تطوير الاقتصاد بشكل يفتح للصادرات التايوانية أسواقاً جديدة لم تعمل بها من قبل؛ فبين عامي 1984 و2002 نجحت تايوان في التقليل من حجم صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية من 49% من نسبة الإنتاج إلى 20% فقط وقامت بالاتجاه عوضاً عن ذلك إلى دول جنوب شرق آسيا والأسواق الأوروبية كما خصصت مصانع عديدة لإنتاج المواد الخام اللازمة للصناعات الخفيفة وتصديرها للصين بأسعار زهيدة، وأخيراً فإن انضمام تايوان إلى منظمة التجارة العالمية وسعيها لأن تكون مركز التجارة في آسيا والمحيط الهادي يحفز حكوماتها على إحراز مزيد من النمو والتطور الاقتصادي.

 

هونج كونج ونموذجها الاقتصادي

ثاني دول النمور الآسيوية وواحدة من أهم مراكز الاقتصاد العالمي، وربما كان السبب في ذلك هو سياسة التحرر الاقتصادي الذي تتبعه هونج كونج الذي يلغي كافة الرسوم والضرائب المفروضة على حركة التجارة داخل وخارج الدولة؛ فطبقاً لمؤشر الحرية الاقتصادية الذي يصدر كل عام عن جريدة (وول ستريت) تعد هونج كونج أعلى الدول على الإطلاق في درجة التحرر الاقتصادي وذلك منذ عام 1995 أي العام الذي أطلق فيه ذلك المؤشر.

سياسة التحرر الاقتصادي من يقرأ في تاريخ الاقتصاد في دولة هونج كونج يعي جيداً أن الحكومة اتبعت أساليب اقتصادية قد تبدو محفوفة بالمخاطر وبها قدر عالي من المجازفة إلا أنه أتت بثمارها بشكل يفوق المتوقع، فكثير من حكومات العالم تحاول دائماً ضبط سوق العملة والاقتصاد المحليين لها خشية أن يستغل ذلك من قبل دولة أخرى مما قد يسبب انهيار الاقتصاد بها على الفور. أما هونج كونج فقد قامت بالعكس تماماً حيث عملت على تحرير سعر صرف عملتها المحلية (الدولار) – أي أن كل بنك أو مؤسسة مالية تحدد سعر العملة داخلها تبعاً لرصيدها الاحتياطي من العملات الأجنبية المختلفة- كما ألغت الضرائب التي عادة ما تفرض على الصادرات والواردات التجارية مما بث روح الحيوية في النشاط التجاري هناك ولا زالت تلك السياسة متبعة حتى ذلك الوقت حتى أن اقتصاد هونج كونج يوصف عالمياً بالاقتصاد الحر أو الاقتصاد خالي الضرائب. في هونج كونج أيضاً لا يوجد بنك مركزي تمتلكه الحكومة بل على النقيض تنتشر البنوك سواء المحلية والأجنبية في الدولة بدون فرض قيود مالية عليها مما ساهم في تسليط الضوء عالمياً على عملة هونج كونج المحلية وربطه دائماً بالدولار الأمريكي. ومن ضمن المنهج الاقتصادي الذي اتبعته حكومة هونج كونج أيضاً هو تحرير قيمة الفائدة على الودائع والقروض المالية للبنوك؛ فكل بنك يقوم بتحديد قيمة الفائدة الخاصة به مما يعمل على خلق روح التنافس بين الكيانات المالية هناك والذي يصب في النهاية في مصلحة الاقتصاد القومي لدولة هونج كونج، وعلى قدر اختلاف المناهج الاقتصادية المتبعة عالمياً إلا أن أفضلها على الإطلاق هو منهج التحرر الاقتصادي وفرض القيود المفروضة على الاستثمار لأن ذلك يشجع المستثمرين على الدخول     في مثل تلك الأسواق التي لا يحكمها سوى قانون التنافس وحسب، فلا يوجد مستثمر على وجه الأرض يرغب في التقيد بشروط وقوانين معينة قد تعصف بكيانه الاقتصادي في أي لحظة.

 

سنغافورة ونموذجها الاقتصادي

يعتبر اقتصاد سنغافورة واحداً من أكثر الكيانات الاقتصادية انفتاحاً على العالم ليس فقط من بين دول النمور الآسيوية الأخرى وإنما على مستوى دول العالم أجمع، حيث يتميز المنهج الاقتصادي الذي تتبعه سنغافورة بالمزج بين أهم العناصر الاقتصادية فعالية وتأثيراً في نظام واحد؛ فيعتبر الاقتصاد السنغافوري في المركز السابع ضمن أقل الأنظمة الاقتصادية العالمية فساداً وأكثرها توفيراً لمزايا العمل والاستثمار به حيث تمنح الحكومة للمستثمرين مزايا اقتصادية عديدة لعل أهمها هو تخفيض نسبة الضريبة العائدة للحكومة من الأنشطة التجارية المختلفة والتي تبلغ تقريباً حوالي 14% من إجمالي الوارد الاقتصادي، كما تعتبر سنغافورة أيضاً ثالث أعلى دول العالم من حيث الناتج المحلي ومعدلات الإقبال على استهلاك ذلك الناتج أما بالتجارة الداخلية أو الخارجية.

 

كوريا الجنوبية ونموذجها الاقتصادي

كثيراً ما توصف نهضة كوريا الجنوبية بالمعجز الحقيقة حيث انتقل الاقتصاد الكوري من واحد   من أفقر الكيانات عالمياً وأكثرها تأزماً إلى واحدة من أهم الدول الاقتصادية العالمية؛ فيعتبر اقتصاد كوريا الجنوبية رابع أهم اقتصاد في قارة آسيا بعد دول النمور الآسيوية الأخرى كما يقع في المركز الحادي عشر ضمن الكيانات الاقتصادية العالمية وذلك بالرغم من إتباعها لسياسة اقتصادية تختلف كلياً عن النمور الآسيوية الأخرى، فالنسبة الأكبر من حجم التجارة في كوريا الجنوبية تمتلكه عائلة واحدة فقط وتسيطر على كافة موارده مما يضع الاقتصاد الكوري في خطر محدق إذا ما فشلت تلك العائلة في الحفاظ على حجم التجارة الذي تديره في الأجيال القادمة.

 

كيف نجحت النمور الآسيوية؟

تضافرت مجموعة من العوامل لإنجاح التجارب الاقتصادية في دول النمور الآسيوية، ومنها عوامل داخلية وأخرى خارجية. 

اعتمدت دول النمور على استراتيجية إنمائية محددة في ظل عدم توفر الموارد الطبيعية، فحواها الاعتماد على مجموعة معينة من الصناعات التصديرية التي تقوم على استيراد المواد الأولية من الخارج وتصنيعها في الداخل معتمدة على ميزة الوفرة النسبية لعنصر العمل ( الوفرة النسبية في عنصر العمالة وتكدس أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل وارتفاع معدلات النمو السكاني)

حيث لجأت دول النمور لاستثمار هذه الميزة النسبية في الصناعات التصديرية كثيفة العمالة وذات الأجر الرخيص، بحيث كسبت ميزة تنافسية في دول العالم من خلال منتجاتها الرخيصة التي غزت كل دول العالم، وأرغمت بلدان العالم المتقدم إلى إحضار شركاتها الكبرى والاستثمار فيها لتصنيع منتجات أرخص ثمنا.  

وفي سبيل ضمان هذه الميزة عمدت حكومات دول النمو إلى مجموعة من الإجراءات لضمان استثمار هذه الميزة لفترة طويلة، ومن تلك الإجراءات: توفير الغذاء الضروري بأسعار رخيصة باعتباره معيار الدخل، ومنع قيام تنظيمات نقابية وسياسات تدافع عن حقوقهم، وهي إحدى السلبيات التي ميزت تجارب تلك الدول، لكن في نفس الوقت حرصت على الاستثمار في المواطن ورفع مستواه التعليمي والاقتصادي على وجه الخصوص. حيث أنفقت دول نمور آسيا على التعليم بشكل كبير كأحد مرتكزات النموذج الإنمائي.

ومن بين الإجراءات الداخلية أيضا، تطبيق سياسات مالية ونقدية صارمة لتحاشي الوقوع في التضخم، من أجل المحافظة على معدل الأجر الحقيقي، وعدم وجود قوانين للحد الأدنى للأجور بالإضافة إلى عدم التشدد في مراعاة ساعات العمل، وإحدى مفرزات هذه السياسات انخفاض مستوى متوسط الأجور في تلك الدول مقارنة مع الأجر في العالم، وهذا ما جعل تكاليف المنتجات التحويلية كثيفة العمالة منخفضة جدا، وجذابة لكثير من الشركات الأجنبية للقدوم والاستثمار، بالإضافة إلى إزالة العقبات التي تمنع استقطاب الاستثمارات الخارجية وتحقيق مركز متقدم في مفهوم الحرية الاقتصادية.

ويرى البعض أن خضوع بلدان النمور لحكم فردي يملك رؤية واضحة لمستقبل البلاد ومكانتها بين الدول ويسعى للتنمية الاقتصادية الحقيقية، كان عاملاً مهمًا في تحقيق النجاح في بداياتها الأولى.

يُذكر أيضا حرص النمور على تجنب الوقوع في فخ المديونية الخارجية بأن تقلل باستمرار وبأسرع وقت ممكن من حجم الفجوة بين معدل الاستثمار المنفذ والادخار المحلي، وذلك من خلال تشجيع المدخرات المحلية.

أما العوامل الخارجية التي أسهمت في نجاح تجارب دول النمور فمنها  الدور الذي لعبته الحرب الباردة بين قطبي العالم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ونتيجة تبعية أنظمة الحكم في دول النمور لأوروبا فقد حرص المعسكر الغربي على مساعدة هذه الدول بسخاء لتسريع نموها الاقتصادي وتحديثها كنموذج رأسمالي بديل للنموذج الاشتراكي المجاور لها.

كما ساهمت القواعد العسكرية التابعة لبعض الدول الأوروبية وأبرزها بريطانيا وتعاونها مع الولايات المتحدة، فإن ذلك خفف من عبء الإنفاق العسكري ومصاريف الدفاع، وتوجيه الإنفاق إلى قنوات استثمارية تصب في خانة تقدم الافتصاد المحلي والقضاء على البطالة والفقر وغيرها من آفات المجتمع.

ومن بين العوامل الخارجية التي يُحسب لتلك الدول نظام النقد الدولي الذي كان يعمل حتى بداية السبعينات، إذ حقق النظام استقرارا عالميا في أسعار صرف عملات مختلف بلدان العالم، وبالتالي فإن هذا النظام وفر لها الدخول في صفقات تصدير واستيراد طويلة الأجل وهي مطمئنة لعدم وجود تقلبات فجائية وحادة في أسعار الصرف، كما أن هذا النظام وفر لها موارد السيولة عند الحاجة بأسعار فائدة معقولة.

كما ساهم النظام العشري للتفضيلات الجمركية التي أقرته دول الجات في أوائل السبعينيات حيث استفادت دول النمور فائدة كبيرة من التخفيضات الجمركية في ضوء النظام الجمركي المعمول به آنذاك، فلولا إمكانات التصدير غير المعاق إلى البلدان الرأسمالية الصناعية الذي وفرته هذه التخفيضات ما كان من الممكن لتجربة النمور الآسيوية أن تشهد هذا النجاح الذي حققته.

ورغم كل هذه الإنجازات الضخمة إلا أن ذلك لا ينفي ما شاب التجربة من سلبيات وعيوب ونواقص وتناقضات من هذه العيوب.:

- الاستغلال الفادح الذي وقع على العمال والنساء والأطفال.

- التفاوت الصارخ الذي حدث في توزيع الدخل والثروة القوميين بين مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية.

- الضعف الشديد لمنظمات المجتمع المدني، وحرمان الناس من حقوقهم في التنظيم النقابي والسياسي وغياب كامل للديمقراطية.

- الإهمال الشديد للبيئة وما أدى ذلك إلى زيادة درجات تلوث الجو والمياه والأرض.

- الضعف الأساسي في هذه التجربة أنها اعتمدت بثقل كبير على فلسفة التصدير الذي يقود النمو، الأمر الذي جعل هذه الدول أكثر حساسية في تلقي الصدمات الخارجية.

 

المصادر والمراجع:

دون كاتب، مصطلح اقتصادي - النمور الآسيوية، مقال منشور عبر موقع مباشر بتاريخ 2012/01/08.

عامر نوري، بن دادة أمين، كيف حققت نمور آسيا المعجزة الاقتصادية لها، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة سطيف، الجزائر،2017-2018.

مناف يومان، هل تتكرر تجربة النمور الآسيوية في بقعة جديدة من العالم، مقال منشور عبر موقع نون بوست، 2017/06/28.

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia