حساب جديد

دولة الرفاهية - Welfare State

بحلول نهاية القرن التاسع عشر لم يعد واضعوا النظريات الاقتصادية من ذوي الاتجاه السائد ينظرون إلى حقلهم هذا في المعرفة على أنَّه متعلق بالثروة المادية، فهم بدلاً من ذلك قاموا بتركيز إهتمامهم على الحس الذاتي وغير الموضوعي بالرفاه حيث تأمل المخلوقات البشرية أن تستخرجه وتتوصل إليه من ثرواتها وأنشطتها الاقتصادية، وهو الأمر الذي أدى بهم (وخصوصاً في انكلترا) إلى النظر إلى علم الاقتصاد وكأنَّه يتعلق بشكل أساسي بالرفاه، ثم قاموا في وقت قريب جداً بالحديث عن علم اقتصاد الرفاه. وبدأت الدول تلعب الدولة الدور الرئيسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها ومع ظهور هذا الدور ظهر مصطلح دولة الرفاهية.

مفهوم دولة الرفاهبة 

تعريف الدولة: الدولة هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية  تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها، وينقسم العالم إلى مجموعة كبيرة من الدول, وإن اختلفت اشكالها وأنظمتها السياسية. (للتعمق أكثر يمكنكم قراءة مقال مفهوم الدولة)

تعريف الرفاهية: تعريف و معنى رفاهية في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي- و في شمس العلوم. الرَّفاهِيَةُ : رغد العيش يعيش حياة الرَّفاهيَّة. الكلمة: الرّفاهية. الجذر: رفه. الوزن: فَعَالِيَة. الرّفاهية: الرَّفاهة، وهي رخاء العيش

تعريف دولة الرفاهية: وهي مايفترضه المجتمع في الدولة التي تتحمل مسؤولية رسمية وواضحة نحو تحقيق الرفاهية الأساسية لمواطنيها، وتوفير الخدمات الاجتماعية المتنوعة حتى يتسنى زيادة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع ويظهر مثل هذه الحالة إذا أصبح المجتمع أو الذين يتولون أمورهم مقتنعين بأن رفاهية الفرد بجانب حفظ النظام والأمن القومي من الأهمية بمكان، حتى أنَّه لا يمكن تركها للتقاليد أو التنظيمات غير الرسمية والمشروعات الخاصة، بل هي مسؤولية الحكومة. وينطلق التزام دولة الرفاهية بتحقيق الرفاهية الأساسية لأعضاء المجتمع من قناعة الدولة أو الشعب بالحقيقة التي تؤكد على الدور الهام لرفاهية الفرد في حفظ النظام والأمن القومي.

وهناك تعريف آخر يطلق على دولة الرفاهية اسم الدولة الرعوية وهي: " هيئة تسلطية تدَّعي الحق في إخضاع الفرد وحقوقه إخضاعاً كاملاً لمصلحتها، وتزعم بأنَّها المقاول أو رب العمل الرئيسي ومزود المجتمع بالخدمات التي يحتاجها في آنٍ وبكلمات أُخرى، فإنَّ الدولة الرعوية تستحوذ على مهمات اقتصادية شاملة وتسهر على مصلحة المواطنين بتزويدهم بالخدمات الأساسية كالصحية منها والتربوية والإسكانية ”.

التعريف المتقدم يصف دولة الرفاهية بالدولة التي تقدم إلى افراد المجتمع خدمات وتأمينات ومعونات، وذلك إما لتحقيق ارتفاع مستوى المعيشة أو لضمان حد أدنى للمعيشة، وينطلق التزام دولة الرفاهية بتقديم تلك الخدمات والتأمينات والمعونات من حق كل إنسان في الحياة الكريمة، ومن نظرة اجتماعية وإنسانية تقوم على أساس وجود علاقة قوية بين رفاهية الأفراد والمجتمع.

قد تتقاسم جميع دول الرفاهية بعدد من المميزات والقواسم الضرورية المشتركة نذكر منها. 

- دولة صناعية، متطورة وغنية نسبياً (لأنَّها تحتاج إلى موارد لتغطية تكاليف نظم الرفاه التي تطبّقها وتفعّلها). 

- دولة رأسمالية ذات اقتصاد متطور.

- دولة ذات نظام حكم ديمقراطي، يعترف بالحقوق المدنية (الأساسية)، وبالحقوق السياسية والاجتماعية لسكان الدولة. بالإضافة إلى الاعتراف بحقوق الفرد في الحصول على خدمات رفاه من الدولة كجزء لا يتجزأ من حقوقه الأساسية كأحد سكان الدولة. 

العوامل التي ساعدت على تطور دولة الرفاهية:

لقد اعتبر قانون (حقوق الفقراء) الذي سُنَّ في بريطانيا عام 1601م بمثابة القانون الرائد في هذا المجال لأنَّه حدد لأول مرة التزامات سلطات الدولة تجاه رفاهية مواطنيها، غير أنَّ هذا القانون والقوانين التي تلته في بريطانيا وفي دول أخرى ركزت مسؤولية الدولة في الناس الذين لم تكن لديهم أيَّة إمكانية للحد الأدنى من البقاء بدون مساعدة المجموع لهم.

كانت بدايات دولة الرفاه الاجتماعي على شكل عقود اجتماعية مع قادة العمال والنقابات في بلدانهم والتأمين على العمال ضد البطالة والتقاعد المعاشي والسكن، تحول بذلك دون اتجاههم نحو الشيوعية وتبني عقيدتها.

أزمة الكساد الكبير التي حدثت في العام 1929م، حيث تم تسريح ملايين العمال عن العمل دفعة واحدة ”تشكلت مشكلة البطالة الحادة“، أحدثت أزمة كبيرة فكرية وأجتماعية واقتصادية عميقة للغاية، حيث دفعت هذه الأزمة الكثير من العمال إلى تبني أفكار الاشتراكية والشيوعية.

أعلن الاشتراكيون الديمقراطيين السويديون في العام 1932 السلم الأهلي والوفاق الطبقي وقاموا بتسوية تاريخية ومتجددة بين قوة العمل وقوة رأس المال، قوة العاملين وقوة الدولة الرأسمالية بشركاتها ومصارفها ومؤسساتها المالية، وفي هذا المناخ أعلن الاشتراكيون الديمقراطيين في دولة السويد مبارتهم التاريخية إلى تحويل سياسات التسوية والتصالح والتعاون بين العمال وأرباب العمل، تلخصت تلك المبادرة بإعلان دولة الازدهار والرفاه الاجتماعي على أساس التوافق الطبقي والمنهج التفاوضي.

يرتبط النموذج الاصلي لدولة الرفاه باسم بريطانيين هما: جون مينارد كينز - John Maynard Keynes ووليم بفريدج - William Beveridge. ذهب عالم الاقتصاد كينز في مؤلفاته في نهاية الثلاثينات إلى أنَّ الطريق الوحيد التي تستطيع الدولة الرأسمالية بواسطتها البقاء هي من خلال التدخل الحكومي من أجل استقرار السوق الحرة، لقد زعم كينز أنَّه ينبغي على الحكومة بواسطة ميزانيتها أن توجه وتساعد السوق في نشاطها وأن تضمن التشغيل التام وأنَّه يمكن التوصل إلى استقرار السوق والتشغيل التام من خلال النمو الاقتصادي المتواصل الذي يمكن ضمانه بواسطة الاستثمارات الحكومية، والمدفوعات التحويلية للمواطنين بواسطة جهاز الرفاه والاستعداد لخلق عجز في الميزانية أثناء فترات الركود الاقتصادي.

ارتبط اسم وليم بفريدج - William Beveridge بدولة الرفاه بشكل أساسي بفضل وثيقة قدمها للحكومة البريطانية عام 1924م تتناول تنظيم خدمات الرفاه في الدولة وأطلق عليها اسم ”خطة بفريدج“. كانت هذه الخطة في الحقيقة خطة عمل من أجل تكوين دولة الرفاه, ذهب بفريدج في الوثيقة إلى أنَّه يمكن مكافحة العوز والقضاء على الفقر بواسطة خلق تشغيل تام وإقامة جهاز شمولي للضمان الاجتماعي يكفل لكل إنسان الحق الأدنى من أجل البقاء وحرية الحصول على خدمات الرفاه، التربية والصحة بغض النظر عن دخله. 

نماذج دولة الرفاهية 

هناك ثلاثة نماذج لدولة الرفاهية وهي:

أولا: النموذج الليبرالي  الذي تتميز به بريطانيا والذي تكتفي فيه الدولة بتأمين الحد الأدنى من الأحتياجات الاجتماعية تاركة إلى القطاعات الأخرى – المؤسسة الإنتاجية والشركات الخاصة مهمة تأمين مايزيد على ذلك الحد الأدنى. وبالرغم مما قيل عن خطة لورد بيفريدج - Lord Beveridge، يبقى أنَّ هذه الأخيرة تشكل أساس ذلك النموذج لأنَّه بفرض تغطية للمجتمع بأسره لكنها متوقفة على الضروريات، وأهمها النظام الصحي.

ثانيا: النموذج التعاوني الشائع في فرنسا وألمانيا الذي يعتمد على مؤسسات تديرها وتمولها أطراف العلاقة ألإنتاجية ممثلة بالنقابات العمالية وبنقابات أرباب العمل، وتعتمد على الدخل الذي يحققه الأجراء داخل المؤسسة الإنتاجية. ولا تتدخل فيه الدولة مباشرة سوى في تأمين الاحتياجات غير المرتبطة بالعمل والإنتاج مثل إعانة الأُسر بحسب عدد الأولاد، وإعانة الشرائح الأكثر فقراٌ.

 

ثالثا: النموذج الاجتماعي - الديمقراطي الذي تلعب فيه الدولة دوراً محورياً مباشراٌ في تأمين المخاطر الاجتماعية، من خلال سياسة ضريبية فعالة (اعتماد الضريبة التصاعدية)، ومن خلال إعادة توزيع الثروة من أجل تأمين حد أقصى من تغطية الحاجات الاجتماعية الناجمة عن البطالة والمرض والشيخوخة وحالات العسر والفقر المختلفة. وتنتمي الدول الأسكندنافية إلى هذا النمط.

المصادر والمراجع:

جورج نايمهانز، تاريخ النظرية الاقتصادية، الاسهامات الكلاسيكية، ترجمة أ.د، صقر احمد صقر، المكتبة الاكاديميةن 1997 

عبد الرزاق محمد صالح الساعدي، الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية – الواقع والآفاق الدنمارك نموذجا، بحث مقدم لنيل شهادة الدكتوراة، قسم الاقتصاد، الاكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، 2012

عامر رشيد مبيض، موسوعة الثقافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، مصطلحات ومفاهيم.

أمين سمير، في مواجهة أزمة عصرنا. مؤسسة النشر العربي. بيروت 1997.

حبيب مطانيوس، قراءة في القطاع الخاص، بحث مقدم لندوة الثلاثاء الاقتصادي، جمعية العلوم الاقتصادية. دمشق, 29\3\2005 

Pierson,C., The New politics of the Welfare State. Oxford: Oxford  University Press, 2001.

Espin-Andersen, G, Welfare States hn Transition, London: Sage, 1996.

Gosta Espihg Andersen, Social class, Social Democracy, and state policy, party policy and party Decomposition in Denmark and Sweden, New Social Science Monograph, E8(Copenhagen, New Social Science Monographs. 1980

 

  

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2019 .Copyright © Political Encyclopedia