حساب جديد

مؤتمر بريتون وودز - Bretton Woods Conference

شَهِدَ الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية اضطرابات عنيفة في نظامه النقدي، ومعدلات منخفضة لحركة التجارة العالمية. مما دعى الديمقراطيات الغربية بعد صدمة الكساد العظيم للبحث عن مجموعتين من أولويات ما بعد الحرب. الأولوية الأولى وهي تحقيق النمو الاقتصادي والعمالة الكاملة، فخطة بفريج (the beveridge plan)  في بريطانيا العظمى، وتأسيس فرنسا للجنة التخطيط، وإصدار الولايات المتحدة قانون العمالة لعام 1946 كانت كلها رموزاً لتدخل الدولة في الاقتصاد في محاولة لإيجاد دولة الرفاه. فيما كانت الأولوية الثانية هي تأسيس نظام اقتصادي دولي مستقر يمنع الارتداد إلى القومية الاقتصادية المدمرة التي حدثت في ثلاثينيات القرن العشرين.

ولهذا السبب؛ نظَّمت الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مؤتمر بريتون وودز - Bretton Woods Conference للتفكير في خلق نظام نقدي جديد يكون أساساً لعلاقات نقدية دولية للعالم لفترة ما بعد الحرب.

التعريف بالمؤتمر

انعقد المؤتمر من 1 يوليو إلى 22 يوليو 1944 باجتماع 730 موفد لـ 44 دولة في فندق في في غابات بريتون وودز - Bretton Woods في نيوهامبشر - New Hampshire بالولايات المتحدة الأمريكية.

ويُعد كلاً من الاقتصادي الامريكي هينري وايت - Harry Dexter White والاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز - John Maynard Keynes مهندسا مؤتمر بريتون وودز، فلم يكن المؤتمر وليد الصدفة إنَّما كان نتيجة لمباحثات امتدت لأكثر من سنتين هما من رسم معالم اتفاقية بريتون وودز. شملت هذه المباحثات أهدافاً عدَّة، كان من بينها ضرورة ايجاد نظام نقدي دولي لا يجبر الدول المدينة على اتباع سياسات نقدية انكماشية لحل مشاكلها، خصوصاً عند عجز ميزان المدفوعات، فضلاً عن تآمين القروض للدول التي تعاني من عجز في ميزان المدفوعات، ومراقبة السياسات النقدية للدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية.

بريطانيا بقيادة ممثلها الاقتصادي جون مينارد كينز - John Maynard Keynes كانت تحاول الدفع بإنشاء بنك دولي يقوم بطرح عملة دولية اسماها "Bancor"، بحيث تقوم دول العالم بربط عملتها المحلية بها، وتكون إدارة البنك مستقلة عن أي دولة. والدول التي لديها فائض تجاري، يتوجب عليها زيادة واردتها والدول ذات العجز التجاري يتوجب عليها زيادة صادرتها. تتم المقاصة بين الدول إذا لم يتحقق ذلك تلقائياً، بهدف الوصول لتوازن تجاري بين كل الدول. في حال كان هنالك حاجه لزيادة معروض النقد في الاقتصاد العالمي يتم ذلك من خلال طباعة بانكورات جديدة. إذا لايوجد أي دور للذهب، فالمقترخ كان إيجاد عملة عالمية جديدة تطرح و يديرها البنك الدولي محدداً المعروض من النقود على مستوى العالم.

فيما كان للولايات المتحدة الامريكية وجهة نظر مختلفة تماماً، فبقيادة ممثلها الاقتصادي هينري وايت - Harry Dexter White طرحت الولايات المتحدة الامريكية الدولار كعملة احتياطية مربوطة بالذهب، بحيث يلتزم الفدرالي الامريكي بتحويل الدولارات لذهب لأيَّ بنك مركزي في أيَّ وقت. بحكم تفوق الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً على جميع الدول خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالفعل نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في إقرار مشروعها الذي يعرف باسم اتفاقية بريتون وودز، وهو شكل مقارب لمعيار الذهب ولكن اعطى للدولار الامريكي ثقل عالمي، حيث من الممكن لأي دولة تحويل الدولار إلى ذهب بحسب الاتفاقية. وقد نصَّت الاتفاقية على التالي:

- يمكن لأي بلد عضو في صندوق النقد الدولي أن يحدد سعر صرف العملة المحلية إما بالذهب أو بالدولار بحيث يكون 35 دولار لكل أونصة من الذهب.

- تلتزم الولايات المتحدةالأمريكية بقابلية تحويل الدولار الورقي إلى ذهب (كل دولار = 0.888671 من الذهب، أي ما يعادل 35 دولار للأوقية).

وقد حاول المؤتمر المذكور تكريس مجموعة من الأفكار وتحقيق أهداف هامة منها:

- ضمان حرية التحويل بين عملات الدول المختلفة، ووضع نظام لأسعار الصرف يمنع التقلبات العنيفة فيما بينها.

- النظر في موضوع الاحتياطات الدولية لتوفير السيولة الدولية.

- تحقيق التوازن في موازين المدفوعات .

- الإدارة الدولية للنظام النقدي العالمي الجديد .

كما أسفرت جهود هذا المؤتمر إلى تحقيق نتيجتين مهمتين هما:

الأولى: إنشاء صندوق النقد الدولي IMF والغرض منه تحقيق استقرار أسعار الصرف والإشراف على تنفيذ قواعد النظام النقدي الدولي الجديد. حيث قام هذا الصندوق بمباشرة مهامه بعد سنة 1947.

الثانية: إنشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRD والغرض منه هو مساعدة الدول الأوروبية التي دمرتها الحرب ثم مساعدة الدول الأخرى على التنمية الاقتصادية.

*وبالإضافة إلى المؤسستين السابقتين فقد انبثقت عن المؤتمر فكرة إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO ولكن لم تنفذ مباشرة وإنما ابتدأت بالاتفاقية متعددة الإطراف والمسماة بـ (الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة A General Agreement on Tariffs and Trade GATT) عام 1948 وبمشاركة 23 دولة وبجولاتها الثمان والتي تمخضت جولتها الثامنة – جولة الأوروغواي - عن إنشاء منظمة التجارة العالمية  WTO.

 

لعلَّ مؤتمر بريتون وودز جعل من الدولار عملة الاحتياط الدولية، وبالتالي أداة في تحقيق ثبات أسعار الصرف بين مختلف العملات، واستهدف هذا النظام أساساً حرية التجارة الدولية وإلغاء القيود على المدفوعات الدولية. إلا أنَّ الفائض المستمر في موازين التجارة الذي تمتعت به الدول الأوربية مقابل الولايات المتحدة مع نهاية الخمسينات وطوال الستينات قد حدا بهذه الدول إلى طلب المقابل الذهبي وخاصة بعد الضغوط المستمرة على أسعار الذهب وظهور سعرين له، ونظراً لعدم رغبة الولايات المتحدة في فقدان احتياطياتها الذهبية، أعلن الرئيس نيكسون في خطاب شهير له عام 1971، وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. ومنذ تلك اللحظة أختفى الأساس الذي استند إليه هذا النظام (ثبات أسعار الصرف، تجنب القيود على المدفوعات الخارجية، القابلية للتحويل، التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب عند سعر ثابت). وتمثل هذه البداية الحقيقية لنظام التعويم.

المصادر والمراجع:

روبرت غيلين، الاقتصاد السياسي  للعلاقات الدولية، مركز الخليج للابحاث، الصبعة 1 الامارات العربية المتحدة، 2004

R. Glenn Hubbard, Money the Financial System and the Economy, Opcit

FRANK J. FABOZZI, STEVEN V. MANN, MOORAD CHOUDHRY, money markets, John Wiley & Sons, Inc. 2002

خالد المرزوك، محاضرات في الاقتصاد الدولي، كلية الإدارة والاقتصاد، قسم العلوم المالية والنقدية، جامعة بابل.

د. صالح العديني،  محاضرات في المالية الدولية. 

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2019 .Copyright © Political Encyclopedia