حساب جديد ادعمنا

مؤتمر ستوكهولم للبيئة 1972 - Stockholm Conference

تشكل البيئة المحيط الحيوي والطبيعي الذي يعيش فيه الانسان، لكن مع ارتفاع مستويات النمو الاقتصادي العالمي وتزايد مستويات التصنيع، أصبحت تشكل هذه الأخيرة تهديد للوسط البيئي الإنساني خاصة مع تفاقم المشاكل البيئية، الأمر الذي أدى إلى بروز وعي دولي يدعو للاهتمام بالبيئة في إطار مايسمى بعولمة القضايا البيئية، ويحذر من تدهور الوضع الإيكولوجي العالمي، ولعل من أهم المحطات في هذا الشأن هو مؤتمر ستوكهولم للبيئة سنة 1972.

1- مؤتمر ستوكهولم و بداية عولمة القضايا البيئية 

هو مؤتمر دولي لحماية البيئة عقد في العاصمة السويدية "ستوكهولم"، لمناقشة مشاكل الإنسان و البيئة بدعوة من منظمة الأمم المتحدة، وذلك في الفترة الممتدة من 5 الى 16 جوان 1972. 

وقد اتخذ هذا المؤتمر لنفسه شعارا هو " أرض واحدة one earth"، في إشارة الى أن البيئة هي كل واحد لا يتجزأ ، وأنه مهما تباعدت مواقع البشر فإنهم يعيشون في عالم واحد على نفس الأرض ويعانون من نفس المشاكل. وللإشارة فقد تم تعريف البيئة في هذا المؤتمر بأنها:  »رصيد الموارد المادية والاجتماعية المتاحة في وقت ما وفي مكان ما لإشباع حاجات الانسان وتطلعاته« .

ارتبط السياق العام لانعقاد مؤتمر ستوكهولم ببروز العديد من المشكلات البيئية الخطيرة في مختلف بلدان العالم، والتي كان لها أثرا كبيرا في نمو الوعي البيئي عل المستوى الدولي. خاصة  بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الأمم المتحدة من خلال ميثاقها الذي تضّمن في المادة (55) منه إشارات إلى البيئة. وتبعه بعد ذلك سنة 1948 الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والذي أشار هو الآخر في المادة (25) الفقرة (01) إلى البيئة. ضف إلى ذلك جهود الأمم المتحدة سنة 1969 في إطار الإعلان حول التّقدم والإنماء في المجال الاجتماعي، من خلال المادة (13) تحت عنوان: حماية البيئة البشرية وتحسينها.

أما الجهود الأكاديمية فقد ارتبطت بإسهامات "راشيل كارسون" في كتابها " الربيع الصامت "، و هي عالمة بيئية شددت على ضرورة احترام النظام الإيكولوجي، وكل هاته الجهود ترجمت الرؤية البيئية كظاهرة عالمية والتي تجسدت بصفة رسمية في مؤتمر ستوكهولم 1972.

وبالتالي فتطور الحركة الإيكولوجية الناتجة عن التطور المتزايد للإعلام البیئي بسبب كثرة المشكلات البيئية ، وكذا تزايد الوعي الدولي بالأزمات البیئیة والآثار التي یمكن أن تنتج عنها، كلها عوامل دفعت المجتمع الدولي لعقد هذا المؤتمر، لكن الملاحظ أنه عقد في فترة تميزت بالتوتر السائد في العلاقات الدولية بسبب الحرب الباردة.

2- تحليل مضمون إعلان ستوكهولم 1972

تضمن إعلان ستوكهولم حول البيئة ديباجة و 26 مبدأ، و فيما يلي تحليل ذلك: 

- ديباجة إعلان ستوكهولم: 

يبدأ الإعلان بشأن البيئة البشرية بديباجة تفيد بأن الإنسان هو الذي يصنع ويشكل بيئته التي تعطيه القوة، وتمنحه الفرصة لتحقيق النمو الفكري والخلقي والاجتماعي والروحي، وجاء أيضا: " في عصرنا هذا يمكن لقدرة الانسان على تحويل المحيط الذي يعيش فيه اذا ما استخدمت بحكمة أن تعود على جميع الشعوب بفوائد التنمية، وأن تتيح له فرصة تحسين نوعية العيش ". مما يعني التوفيق بين البيئة والتنمية ومتطلباتها، حيث جاء في المبدأ 8 من الديباجة: " للتنمية الإقتصادية و الإجتماعية أهمية أساسية لضمان بيئة مواتية لعيش الانسان وعمله، وإيجاد ظروف على الأرض ضرورية لتحسين نوعية العيش ".

     وقد أقر المؤتمرون أن أسباب تدهور البيئة في الدول النامية تعود إلى التخلف، فما زال هناك ملايين البشر يعيشون تحت مستوى الفقر، ومن ثمة وجب على البلدان النامية أن توجه جهودها نحو التنمية واضعة في الاعتبار أولوياتها والحفاظ على البيئة وتحسينها، كما ينبغي على الدول الصناعية أن تبذل جهودا للتقليل من الفجوة القائمة بينها وبين البلدان النامية .

- مبادئ اعلان ستوكهولم 1972

يحتوي إعلان ستوكهولم على 26 مبدأ، حيث ينصبّ المبدأ 1 و2 على تأكيد حق الإنسان في الحرية والمساواة في ظروف عيش مناسبة، وفي بيئة تسمح نوعيتها بالحياة في ظل الكرامة وتحقيق الرفاه وهو يتحمل مسؤولية رسمية تتمثل في حماية البيئة والنهوض بها من أجل الجيل الحاضر والأجيال المستقبلية.

وتشكل المبادئ 2 إلى 7 جوهر الإعلان والتي تنادي بأن الموارد الطبيعية للكون لا تقتصر على النفط والمعادن، بل تشمل الهواء والماء والأرض والنبات والحيوانات، والتي لا بد من الحفاظ عليها لمصلحة الأجيال الحالية والمقبلة .

أما المبادئ 8 إلى 28، فقد ركزت على مسألة تطوير قواعد القانون الدولي خاصة المادة 21 التي نصت صراحة على مبدأ الوقاية للمحافظة على الموارد البيئية وتحقيق التنمية المستدامة .

وقد شكلت هذه المبادئ بداية الميلاد الحقيقي للاهتمام بالبيئة، ولازالت تشكل الأساس والسند الذي انطلقت منه كافة البحوث والقوانين والتدابير لحماية البيئة. 

- مخرجات مؤتمر ستوكهولم: بين التوصيات و التحديات

لقد كان لمؤتمر ستوكهولم دور في عولمة قضايا البيئة وطرح فكرة التنمية المستدامة، وعلى هذا الأساس قامت مبادرات إقليمية ووطنية لتنمية وعي أفضل للمشكلات البيئية، حيث قال المتابعون لقضايا البيئة بأن مؤتمر ستوكهولم يعتبر منعطفا تاريخيا أرسى دعائم فكر بيئي جديد، يدعو إلى التعايش مع البيئة والتوقف عن سوء استغلالها. وهو ما تبلور في إحداث برنامج الأمم المتحدة UNEP  الذي يتصدر الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لحماية البيئة العالمية .

أما عن توصيات هذا المؤتمر، فقد أصدر خطة للعمل الدولي تضمنت 109 توصية، تدعو الحكومات و وكالات الأمم المتحدة و المنظمات الدولية للتعاون في اتخاذ التدابير الملائمة لمواجهة المشكلات البيئية. ومن أبرز هذه التوصيات : 

- استغلال الموارد الطبيعية بشكل يمنع نفاذها.

- وقف إطلاق المواد السامة، وعدم إطلاق الحرارة بكثافة تتجاوز قدرة البيئة.

- التوفيق بين حماية البيئة و متطلبات التنمية.

- حق الدول في استغلال مواردها شريطة عدم الإضرار بالبيئة لدى الآخرين .

لكن ورغم هذه التوصيات، إلا أن المؤتمر قد اقتصر على بعض النتائج الخجولة وذلك بسبب الخلافات الناتجة عن الانقسام الدولي . حيث أن توتر العلاقات الدولية بسبب الحرب الباردة، وكذا الشرخ أو الهوة الموجودة بين الدول المتقدمة والمتخلفة، إذ كانت من أولوياته إقناع دول العالم بضرورة العمل من أجل تحقيق التوازن والتوافق بين البيئة والتنمية، لاسيما أن الدول النامية كانت ترى من القضايا البيئية على أنها مسائل ثانوية وأنها أقل تلويثا للبيئة لضعف القاعدة الصناعية لديها مقارنة بالدول المتقدمة.    

 وفي الأخير نستنتج أن مؤتمر ستوكهولم قد شكل منعطفا تاريخيا في إيجاد اهتمام دولي مشترك بالقضايا البيئية، وقد كان نتاج لتفاقم المشاكل البيئية على الصعيد العالمي، إذ عُدّ أول مؤتمر دولي يهتم بالمسائل البيئية حصرا لتصبح قضايا رئيسية وهامة في أجندة العلاقات الدولية، وقد شكل حجر الأساس لانعقاد مؤتمرات أخرى كمؤتمر ريودوجانيرو 1992 ومؤتمر جوهانسبورغ 2002...

 

المصادر والمراجع:

عبد القوي سامح، التدخلات الدولية لحماية البيئة و الدفاع عن الانسانية  مصر : مركز الدراسات العربية 2015. 

وليد زرقان، " محاضرات في القانون الدولي للبيئة ". قسم الحقوق جامعة محمد الأمين دباغين - سطيف 2 – السنة الجامعية 2016 /2017 .

محمد بلفضل، " القانون الدولي لحماية البيئة و التنمية المستدامة ". (مذكرة ماجستير في القانون العام القسم العام جامعة السانيا ـ وهران 2007).

فارس وكور، " حماية الحق في بيئة نظيفة بين التشريع و التطبيق " . (مذكرة ماجستير في حقوق الانسان قسم الحقوق جامعة 20 أوت 1955- سكيكدة 2014).

مراد سليماني، حمایة البیئة في إطار التنمیة المستدامة بین الآلیات الدولیة و في القانون الجزائري. (مذكرة ماجستير في القانون قسم الحقوق جامعة عبد الرحمن ميرة – بجاية 2016) .

عادل سعيدي، و سليم سهيلي، " الآليات الوقائية لتحقيق التنمية المستدامة في المجال البيئي ". (مذكرة ماستر في القانون العام قسم القانون العام جامعة عبد الرحمان ميرة – بجاية 2017).

الأمم المتحدة . القضايا العالمية – البيئة –.موقع الأمم المتحدة.

مصطـفى كرد الـواد، حماية البيئـة: دراسة على ضوء الجهود المؤسسة للمبادئ البيئية، موقع آفاق البيئة و التنمية.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclopedia