حساب جديد ادعمنا

مسار برشلونة 1995 - Barcelona process 1995

انطلاقــا مـــن أهميـــة منطقـــة المتوســـط عمل الاتحــاد الأوروبي على تطوير سياسات التعاون بين ضفتي المتوسـط والتي شـهدت نمــوا تصــاعديا تحــت مســميات مختلفــة بهـدف إنشـاء منطقـة للسـلام والازدهـار والأمن وتحرير التجارة، من هنا جاءت عدة مؤتمرات و مشاريع من أجل تحقيق التعاون...

أولاً: تاريخ انعقاد مؤتمر برشلونة:

يعتبر مسار برشلونة الرؤية الجديدة للشراكة الأوروبية المتوسطية وليس هو نقطة الانطلاق للعلاقة بين الضفتين، فنجد مبادرة الحوار الأورو-عربي في أبريل/نيسان  1976 الذي فشل نتيجة عدم قيامه على أساس متباين في الإدراك والتصور، فكانت الدول العربية تستثمر الحوار لخدمة القضية الفلسطينية أما الدول الأوروبية فكانت تعمل على ضمان استقرار أسواقها والتزود بالطاقة، حيث تم إقرار مسار الشراكة الأورومتوسطية من خلال إعلان برشلونة سنة  1995 الذي يحّدد أهداف ومبادئ هذا المسار، وقد إنعقد في إطار المؤتمر الأوروبي المتوسطي لوزراء الخارجية المنعقد في برشلونة بتاريخ 27 و28 نوفمبر 1995 وفقا لمجموعة من الدوافع الجيوسياسية الدولية والاقتصادية، تأكيدا على بناء قطب جيوبوليتيكي هام بدمج كل الأطراف المتوسطية لمواجهة التحديات المتعددة للعولمة.

حيث أن فكرة الشراكة الأورو-متوسطية التي تجسدت في مؤتمر برشلونة لم تأت من فراغ، إنما كانت نتيجة لمتغيرات إقليمية ودولية هيأت المنـاخ لطرحهـا، أهمها: 

1- بروز بوادر نظام دولي أحادي القطبية بسقوط الاتحاد السـوفيتي.

2- حـرب الخليج الثانية 1991 وإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية وتهميشها للـدور الأوربي.

3- ظهور المنظمة العالمية للتجارة والتي حلت محل الاتفاقيـة العامـة للتعريفـات الجمركي. 

ما استدعى من دول الاتحاد الأوروبي طرح استراتيجية جديدة ترتكز على مبدأ الشراكة في مجالات متعددة: اقتصادية، سياسية، اجتماعية وثقافية مع الدول المتوسطية تقوم على توازن المصالح وتكفل للاتحاد الأوروبي الاستقرار والأمن على الضفة الجنوبية للمتوسط، وعلى ضوء هذه المتغيرات التي شهدتها فترة بداية التسعينيات أطلق الاتحاد الأوربي مبادرة الشراكة الأورو- متوسطیة، حيث أخذ المشروع المتوسطي شكلا مؤسسيا في اجتماع "برشلونة" لوزراء خارجية دول الشراكة الأورو–متوسطية في28 - 27 نوفمبر ،1995حيث شارك في المؤتمر 27.

وقد عكس إعلان مؤتمر برشلونة رؤية الاتحـاد الأوروبي لمــا يجــب أن تكــون عليــه علاقتــه بــدول حــوض المتوســط، خصوصا الدول المغاربية وهي رؤية حاولت إحداث نقله نوعية فـي نمـط العلاقـة السـابقة التـي كانـت تربطـه بهـذه الـدول مـن ثلاث زوايا:

- الزاوية الأولى: تحويل صيغة هذه العلاقـة مـن صـيغة قائمة على التعاون إلى صيغة قائمة على المشاركة.

- الزاويــة الثانيــة: وضــع إطــار قـانوني ومؤســس يحكــم ويحــدد توجهاتهــا الأساسية مــن حيــث الالتزامــات والحقــوق والواجبـات الملقـاة علـى عـاتق الطـرفين، الاتحـاد الأوروبي مـن جهة ككـتلة والآخر الدول المعنية منفردة.

- الزاوية الثالثة: تحويـل هـذه العلاقـة مـن اقتصـادية أو فنيـــة إلـــى علاقـــة شـــاملة تتضـــمن السياســـة والأمن الثقافـــة والاجتماع، إلى الأمور التقنية والفنية.

 

ثانياً: أهداف مؤتمر برشلونة:

تبدو أهمیة الاجتماع في خروجه بصیغة تحدد أهـداف وآلیـات الشـراكة الأورومتوسـطیة وهي:

- تقویة الحوار السیاسي واجرائه بشكل منتظم.

- العمــل طبقــا لمیثــاق الأمــم المتحــدة والإعــلان العــالمي لحقــوق الإنســان وغیرهــا مــن المواثیق الدولیة.

- تطـویر حكــم القــانون والدیمقراطیــة والــنظم السیاســیة والاعتــراف بحــق كــل دولــة فــي اختیار نظامها السیاسي، الاقتصادي، الاجتماعي والقضائي.

- عــدم التــدخل المباشــر وغیــر المباشــر فــي الشــؤون الداخلية وتنمیــة التعــاون فــي مجــال مكــافح الإرهاب.

- إحترام الخصوصیات الكائنة في كل مجتمع وتنمیة روح التسامح وكبح جماح التطرف والعنصریة.

- دعـم الأمـن الإقلیمـي بالتصـدي إلـى انتشـار الأسـلحة النوویـة، الكیمائیـة والبیولوجیـة من خلال الانضمام إلى المعاهدة الدولیة.

- الشــراكة الأورومتوســطیة فــي شــكلها العــام أسســت علــى أســاس الــربط بــین المقاربــة الأمنیة والمجالات السیاسیة، الأمنیة، الاقتصادیة، الاجتماعیة والثقافیة.

 

ثالثاً: ركائز مؤتمر برشلونة:

1- الشراكة الأمنية والسياسية:

من أجل تحقيق الأمن المشترك تتفق الدول المشاركة بدعم المشروع وتشجيعه بكل الوسائل والإمكانيات، وعليه تم الاتفاق على حوار سياسي منظم يحترم قواعد القانون الدولي حتى يحقق الأمن الداخلي والخارجي، من خلال العمل بمبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي، والعمل بالقوانين والمراسيم الصادرة عن التنظيمات الإقليمية والدولية المشاركين فيها، مع احتفاظ كل دولة بحق تشكيل نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الخاص بها مع دعم دولة القانون والمعاييـر الديمقراطيـة وارساء حقوق الإنسان، واحترام حرية التعبير وحرية المعتقد والتفكير والدين وعدم التمييز في العرق أو الجنس أو اللغة، والتأكيد على دعم التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، والمحاربة الجماعية لمكافحة مختلف المخاطر كالجريمة المنظمة وتجارة المخدرات عبر التصديق على اتفاقيات ومعاهدات دولية مشتركة، والتشجيع أيضا على العمل الإقليمي في السهر على منع انتشار الأسلحة النووية ومختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل، وذلك بالانضمام إلى إلى اتفاقيات مراقبة التسلح ونزع السلاح...

2- الشراكة الاقتصادية المالية:

تهدف الشراكة الاقتصادية إلى إقامة منطقة للتبادل الحر في حدود سنة  2010 لبناء منطقة رفاه اقتصادي مشترك في المتوسط، وذلك يمر بالضرورة عبر تنمية اقتصادية واجتماعية مستديمة ومتوازنة، عن طريق تحسين ظروف معيشة السكان ورفع مستوى التشغيل وترقية التعاون والاندماج الإقليمي.

3- الشراكة الثقافية الاجتماعية:

يراعي الاتحاد الأوروبي عبر الشراكة الثقافية والاجتماعية الأبعاد الثقافية لعلاقاته الخارجية مع دول حوض المتوسط الثالثة، وعلى الرغم من ضآلة رصيد المجالات الشائكة للتعاون كمكافحة الإرهاب أو احترام حقوق الإنسان فقد أمكن تحقيق بعض أوجه النجاح في مجال التعاون الثقافي، فقد عقد عدد كبير من المؤتمرات كما جرت العديد من النشاطات الثقافية وتم دعم والإعلان عن البرنامجين الإقليميين " التراث الأوروبي- المتوسطي " و " مشروع أوديوفيزيول الأوروبي- المتوسطي".

 

رابعاً: معيقات تنفيذ أهداف مؤتمر برشلونة:

- عمومية أفكاره فهو يمثل أفكار ومبادئ عامة أكثر من حلف أو مؤسسة إقليمية.

- إنه يبحث في هدف مستقبلي أوسع ولذلك فقد تجنب قدر الإمكان القضايا التي هي موضع الخلاف.

- تطرق إلى الأمن المتوسطي بشكل سطحي وبما يرضي الجميع.

- أن الشراكة السياسية والأمنية لم ينظر إليها على أنها مبدأ جماعي وإنما أدرجت ضمن إطار الأمن الداخلي للدولة.

- أن الإعلان لم يحدد أية التزامات على الدول الأعضاء واعتمد في تنفيذ بنود الاعلان على حسن النيات وهذا أضعف كثيرا فيما بعد الخطوات العلمية والتنظيمية لهذا الإعلان.

- أن الدول العربية وعلى الرغم من أن المؤتمر تناول أغلب القضايا التي تعاني منها هذه الدول إلا أنه بسبب غياب التنسيق العربي والقدرة السياسية والاقتصادية لم يستطع استثمار الفرص بشكل لم يضيف فيه هذا المؤتمر شيئا إلى الأمن القومي العربي أو التنمية الاقتصادية والسياسية العربية.

وعليه فإن مؤتمر برشلونة رغم أهميته لما يمثله من خطوة مهمة اتجاه الطموح الأوروبي والدول المتوسطية، إلا أنه لم يكن بمستوى ذلك الطموح ولذلك استمرت المبادرات والمشاريع لتطوير الشراكة الأورو متوسطية إلى نطاق أوسع وأدق.

 

المصادر والمراجع:

هيثم الكيلاني، "الشراكة الأورومتوسطية، تحليل لنتائج مؤتمر برشلونة". "مجلة شؤون المتوسط".ع49، 1996.

جعفر عدالة، " تطور سياسات دول الاتحاد الأوروبي بعد الحرب الباردة في منطقة المغرب العربي". "مجلة العلوم الاجتماعية". ع 19، ديسمبر 2014.

نذير بطاطاش، "التعاون الأوروبي الافريقي _ بين الشراكة والتبعية: الجزائر نموذجا". المركز الجامعي أكلي محند ولحاج_ بالبويرة، مرسة الدكتوراه للقانوني الأساسي والعلوم السياسية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون، تخصص قانون التعاون الدولي،2010.

جويدة حمزاوي، "التصور الأمني الأوروبي: نحو بنية أمنية شاملة وهوية استراتيجية في المتوسط". جامعة الحاج لخضر باتنة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، تخصص دراسات مغاربية ومتوسطية في التعاون والأمن.

أسماء صحراوي، "الاشكاليات الجديدة للأمن في المتوسط". جامعة محمد خيضر بسكرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مذكرة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص علاقات دولية واستراتيجية،2016.

زهية كتاب، "الشراكة الأورو مغاربية_ أبعادها ورهاناتها_". جامعة الحميد بن باديس مستغانم، كلية الحقوق والعلوم السياسية، أطروحة لنيل شهادة  دكتوراه في الحقوق تخصص القانون الدولي للأعمال، 2019.

سفيان نباشي، "التعاون الأمني بين شمال وجنوب المتوسط في مواجهة التهديدات الأمنية". جامعة العربي التبسي _ تبسة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، مذكرة تخرج لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية، تخصص دراسات استراتيجية، 2013.

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia