حساب جديد ادعمنا

مشروع مارشال - Marshall Plan

عمت الفوضى في أنحاء أوروبا وأصبح الملايين من الأوروبيين لاجئين بدون مأوى وسط الدمار الذي خلفته الحرب فتفشت الأمراض وظهرت المجاعات التي انتشرت بسرعة مذهلة في جميع أنحاء القارة الأوروبية. كان لهذه الظروف الصعبة واستمرار الأوضاع الاقتصادية المنهارة لأوروبا عامل كبير بتدعيم الحركات الشيوعية التي وَجَدَتْ في تلك الظروف المناخ الملائم لدعوتها، وللحد من التمدد الشيوعي أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية البرنامج الأوروبي عام 1947 الذي عرف بمشروع مارشال. فما هو مشروع مارشال ؟ وماهي أبعاده السياسية؟

من هو مارشال؟

جورج كاتليت مارشال - George Catlett Marshall من مواليد 31 ديسمبر/كانون الأول 1880 في يونيون تاون - Uniontown بولاية بنسلفانيا - Pennsylvania بالولايات المتحدة الأمريكية، هو جنرال بالجيش ورئيس أركان الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وكوزيراً للدفاع  بين عامي1950–1951. عُيِّن لاحقاً كوزيراً للخارجية بين عامي 1947–1949 وأصبح برنامج الانتعاش الأوروبي الذي اقترحه في عام 1947 يعرف باسم خطة مارشال. حصل على جائزة نوبل للسلام في عام 1953.

بداية الفكرة: 

كان لتطورات ثلاث حدثت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بالغ الأثر في الدعوة لإنشاء مشروع أمريكي جديد خاص لمساعدة أوروبا الغربية في ربيع العام 1947. ولعل التطور الأول كان الوضع الطبيعي على الأرض في القارة الأوروبية في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية بعد النكسات الناجمة عن موجة البرد القارس للعامين 1946-1947. والتطور الثاني هو فشل مبدأ ترومان - الخطة التي اقتضت مساعدة اليونان وتركيا لمواجهة الضغوط السوفياتية - في أن يُشير إلى طريق بناء يسير إلى الأمام بناءاً على الخطط الأمريكية. وكان التطور الثالث التجربة المرهقة لوزير الخارجية جورج مارشال في مؤتمر موسكو لوزراء الخارجية الذي كرس لبحث مستقبل ألمانيا، في شهر مارس/آذار وأبريل/نيسان من العام 1947.

تعريف المشروع:  

هو المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية ووزير الخارجية الأميريكي منذ يناير/كانون الثاني 1947 والذي أعلنه بنفسه في 5 يونيو/حزيران 1947 في خطاب في جامعة هارفارد.

امتدت فترة تنفيذ المشروع من 1948 إلى 1951 حيث قدمت الولايات المتحدة ما مجموعه 13 مليار دولار أمريكي (ما يعادل تقريبا 150 مليار في الوقت الحالي) كمعونات للدول الأوروبية المشتركة في البرنامج من أجل تنفيذ برامج اقتصادية وصناعية كبرى للنهوض باقتصاديات تلك الدول.

الدول المستفيدة: 

انجلترا 3.6 مليار دولار، فرنسا 3.1 مليار دولار، ايطاليا 1.6 مليار دولار، ألمانيا الغربية 1.4 مليار دولار، هولندا مليار دولار، اليونان 800 مليون دولار، النمسا 700 مليون دولار، بالإضافة إلى 2.4 مليار دولار أخرى تم توزيعها على مجموعة دول أوروبية أخرى: بلجيكا، الدنمارك، ايرلندا، ايسلندا، يوغوسلافيا، لوكسمبرغ، النرويج، البرتغال، السويد، سويسرا، تركيا.

النتائج:

خلال سنوات البرنامج، عايشت الدول المشاركة نسب نمو اقتصادي واضح تراوحت نسبته بين 15-25% وقد أدى ذلك إلى نتائج واضحة في تعافي الصناعة والزراعة مما ساهم في خلق فرصة ملائمة لهذه الدول لتطوير قطاعات الاقتصاد الأخرى المتمثلة في الطاقة والاستيراد والتصدير. 

ذهبت آراء أخرى إلى أن مشروع مارشال لم يكن سوى عامل مساعد على تحقيق النمو الاقتصادي إذ إن القدرات الأوربية الذاتية هي التي أدت إلى نجاح مشروع إعادة الإعمار وتنشيط النمو الاقتصادي. فالاستثمارات الأوربية المحلية بلغت 80 -90% من حجم الاستثمارات في معظم هذه الدول غير أن المشروع قد دفع باتجاه توجيه التطورات الاقتصادية اللاحقة في دول غرب أوربا نحو حرية التجارة والتعاون الإقليمي، والإسراع بتحرير التجارة وإزالة القيود الجمركية، وبذلك أسهم في وضع أساس النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الأموال، وهذا ما أدى لاحقاً إلى تكوين اتحاد المدفوعات الأوربية وتدعيم فكرة التجارة متعددة الأطراف والابتعاد عن فكرة المقايضة واتفاقات الدفع.

ماذا بعد خطة مارشال:

واصلت الدول الأوروبية سياسة التعاون فيما بينها حتى وصلت إلى تشكيل الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليورو وغيرها من المنظمات المشتركة

1951 تشكيل الجمعية الأوروبية للفحم والصلب والتي ضمت ست دول: ألمانيا الغربية , إيطاليا, بلجيكا, فرنسا, لوكسمبورج وهولندا.
1975 معاهدة روما (اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة) وضمت الدول الأوروبية الست الموقعة على اتفاقية الفحم والصلب بهدف إيجاد شكل من أشكال التعاون الاقتصادي
1975-  1995 مرحلة التوسع للسوق الأوروبية المشتركة حيث انضمت ايرلندا والدنمارك وبريطانيا (1973), اليونان (1981), أسبانيا والبرتغال (1986) والسويد وفنلندا والنمسا (1995).
1985 أنشئ المجال الأوروبي الخال من الحدود عند توقيع الدول الأعضاء على العقد الموحد وهو يتيح حرية النقل بين الدول المشتركة سواء للأفراد أو حركة رؤوس الأموال.
1992 أعلن عن إقامة الوحدة الأوروبية بين الدول ال 15 الأعضاء (معاهدة ماستريخت)
1993 أعلن عن السوق الأوروبية الموحدة
2002 إصدار وبدء العمل بالعملة النقدية الموحدة اليورو بين 12 دولة فقط ( حيث لم تنضم ثلاث دول حينذاك وهي الدنمارك وبريطانيا والسويد)
2004 انضمت عشر دول جديدة دفعة واحد للاتحاد الأوروبي وهي (بولندا- آلتيك – سلوفاكيا - جزيرة مالطا - المجر- سلوفينيا – جزيرة قبرص -  استونيا – لاتفيا -  لتوانيا) ليصل بذلك عد الدول الأعضاء إلى 25 دولة.
2007 انضمت دولتان جديدتان وهي رومانيا وبلغاريا وانضمت سلوفينيا إلى اليورو 
2008 انضمت مالطا إلى اليورو
2009 انضمت سلوفاكيا إلى اليويور
2011 انضمت استونيا إلى اليورو
2013 انضمت كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي
2015 ليتوانيا تنضم للعملة الموحدة (اليورو)

يصل عدد دول أوروبا إلى 42 دولة منها 28 دولة منضمة للاتحاد الأوروبي (19 منها تتعامل بالعملة الموحدة اليورو). فيما يصل عدد الدول التي لم تنضم للاتحاد الأوروبي 14 دولة من غير المنتظر أن تنضم سبع دول إما لطبيعتها الدينية (الفاتيكان) أو صغر حجمها (أندروا – سان مارينو – ليخشتاين – مولدوفا – موناكو) أو لكونها دولة محايدة (سويسرا) .

عن الاقتصاد السياسي لمشروع مارشال 

أولاً: أن كسب السلام لا يقل أهمية عن الانتصار في الحرب. وهذا من دروس الحرب العالمية الأولى التي بلورها الاقتصادي الإنجليزي جون ماينارد كينز - John Maynard Keynes في كتابه «النتائج الاقتصادية للسلام - The Economic Consequences of the Peace» الذي حذر فيه من أن العقوبات والتعويضات الضخمة، التي فرضتها «معاهدة فرساي - Treaty of Versailles» على ألمانيا، ستؤجج نيران العداوة مرة أخرى بعد تدمير مقوماتها الاقتصادية وزيادة البطالة بين أبنائها واشتعال الأسعار بموجات غلاء، وأن الأحوال الاقتصادية المتردية ستدفع إلى صعود تيارات يمينية متطرفة وصراعات ومواجهة عسكرية حتمية؛ وهو ما حدث.

ثانياً: أن الدول التي تتصدر السباق الاقتصادي عالمياً عليها مسؤولية أكبر تجاه قضايا     ما يسمى «الصالح العام» الدولي. وهذه مسألة فطن إليها الاقتصادي تشارلز كيندلبرغر - Charles P. Kindleberger، أحد مهندسي مشروع مارشال، في تحليله لأزمة الكساد الكبير في فترة الثلاثينات قبل الحرب العالمية الثانية. فقضايا الصالح العام الدولي، مثل الاستقرار الأمني والمالي والنقدي وأمن حركة التجارة الدولية، هي أمور كان يفترض تاريخياً في كل نظام دولي، قبل الحرب العالمية الثانية، أن تقوم به مجموعة دول تقودها القوى الكبرى. ونعلم أن هذه المهام أُنيطت بمنظمة الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية بعد الحرب وفقاً لاتفاقيات ومعاهدات دولية. 

ثالثاً: أهمية إدراك أبعاد الاقتصاد السياسي وأوضاع التوازن الدولي في تصميم مشروع مارشال. فلقد كان للمشروع دافع سياسي لم يكن خافياً، خصوصاً مع إرهاصات الحرب الباردة، ألا وهو الإسهام في احتواء وتحجيم المد الشيوعي من خلال إنعاش اقتصادات الدول الحليفة، وزيادة قدراتها التنموية بما يجعلها سنداً لا عبئاً بعضها على بعض. 

رابعاً: أن بناء المؤسسات أهم من سخاء المساعدات. وفي الوقت ذاته كان هناك إدراك من قبل مصممي مشروع مارشال أن المؤسسات والأوضاع السياسية والاجتماعية ستتطور تدريجياً مع تحسن الاقتصاد ونمو قطاعاته، وأن هناك أهمية لوضع أسس منذ البداية لضمان كفاءة إدارة المساعدات المالية، واستهدافها لقطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية. وجدير بالذكر أن مشروع مارشال قد أقام مؤسسات قُطرية وإقليمية وعالمية، ما زال بعضها قائماً حتى اليوم، أو تطور فأصبح على وضعه الحالي مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومقرها باريس، والتي حلت محل منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي. 

خامساً: ضرورة أن يكون برنامج تدفق المساعدات المالية كافياً مستمراً، وليس مجزءاً متقطعاً حتى يؤتي الآثار المرجوة، وتكون معالجته مستهدفة لأسباب العلل الاقتصادية، لا مسكّناً لآلامها.

تم الإشادة بخطة مارشال عمومًا و كمصمم للخطة ، قال جورج مارشال نفسه ، "سياستنا ليست موجهة ضد أي بلد ، ولكن ضد الجوع والفقر واليأس والفوضى".

ومع ذلك، توقفت الجهود المبذولة لتمديد خطة مارشال إلى ما بعد فترة السنوات الأربع الأولى مع بداية الحرب الكورية في عام 1953. ولم يكن على البلدان التي تلقت أموالًا بموجب الخطة سداد الولايات المتحدة، حيث تم منح هذه الأموال في شكل المنح. ومع ذلك، عادت البلدان حوالي 5 في المائة من الأموال لتغطية التكاليف الإدارية لتنفيذ الخطة.

المصادر والمراجع:

وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب برامج الاعلام الخارجي ،أحداث بارزة في العلاقات الخارجية الأمريكية، 1900-2001، أجندة السياسة الخارجية، أفريل 2006.

د. محمود محيي الدين ،النائب الأول لرئيس البنك الدولي، عن الاقتصاد السياسي لمشروع مارشال، الأربعاء 13 يونيو 2018

Forrest C. Pogue, George Catlett Marshall, an article published at Britannica website, Retrieved: 3/03/2020.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia