حساب جديد

إقتراب الدولة في المجتمع - State In Society Approach

حظيت العلاقة بين الدولة والمجتمع على اهتمام العديد من المفكرين عبر العصور المختلفة، ويؤرخ للبوادر الأولى لهذا الاهتمام مع بداية الفكر السياسي ذاته لدى الأغريق القدماء، بحيث اعتبرت الدولة هي وحدة التحليل الرئيسية في تناول النظم السياسية، وقد صاحب ذلك افتراض جوهري بأنَّ الدولة هي القوّة العليا الناتجة عن المجتمع والمفروضة عليه في آن واحد، فهي تضع نفسها فوق المجتمع نظراً لما تملكه من سلطات تم التنازل عنها في سبيل تحقيق مصالح أفراده، مما يجعلها تحظى قبول وتأييد المجتمع ذاته، لذا نجد في كتابات أفلاطون - Plato وأرسطو  - Aristotle الحديث عن المدينة الفاضلة كانعكاس للصورة المثالية في علاقة الدولة والمجتمع، وهوبز - Thomas Hobbes في تصويره للدولة اللفيثان - Livyatan التي بيدها القوة لإنهاء حالة حرب الكل ضد الكل، بينما روسو - Jean-Jacques Rousseau يؤكد كونها تجسيداً للارادة الجمعية، حتى مع الفكر الماركسي فهي الكيان الذي يسعى إلى تحقيق مصالح الطبقة البرجوازية، وقد سادت تلك النظرة لدى المنظرين المعاصرين أيضاً من خلال التعامل مع الدولة باعتبارها هيكل تنظيمي للعلاقات بين قوى المجتمع، وبالرغم من تلك الاختلافات بين هذه الرؤى إلا أن ثمة إجماعاً كون الدولة تمثل السلطة العليا في المجتمع.

وقد شهد حقل السياسة المقارنة تطوراً في دراسات الدولة والمجتمع وأيهما أكثر تأثيراً، ففي الخمسينات ساد الاتجاه النظري التقليدي الذي يأخذ بمبدأ أولوية الدولة State Centric أو ما يطلق عليها بـ "الدولنة" Statism، وتقوم هذه المدرسة على افتراض استقلال الدولة النسبي عن المجتمع وأنها المصدر النهائي لكل السلطات فسادت مفاهيم كالدولة المهيمنة أو الوصية ونموذج الدولة الريعية.

وفي المقابل ظهر اتجاه آخر يأخذ بأولوية المجتمع Society Centric، والذي ينطلق من فرضية أسبقية المجتمع على الدولة، فالمجتمع هو الأصل والدولة تمثيل له غير مستقلة عنه، وزاد من تثبيت أواصر هذا الاتجاه فشل سياسات التنمية في أغلب الدول النامية التي قبلت بالحكم التسلطي من أجل تحقيق التنمية ونظريات التحديث، فضلا عن طبيعة السياق العالمي الذي اتسم بالعولمة وما صاحبها من تهديد لسيادة الدولة نظراً لظهور فواعل جدد في الداخل والخارج كتصاعد دور مؤسسات المجتمع المدني، فلم يعد الشكل التقليدي السابق للدولة مقبولاً.

وازدادت حدة الجدال مع حقبة الثمانينات بحيث شهد الحقل بعض التطورات المنهاجية ترتب عليها مراجعة نقدية شاملة للاقترابات المستخدمة في دراسة هذه العلاقة، أمثال كتاب إعادة الدولة - Bringing the State Back In لبيتر إيفانز - Peter Evans وتيدا سكوكبول - Theda Skocpol والذي عمد إلى إعتبار الدولة فاعل أساسي في العمليات السياسية والاجتماعية لكنها ليست الفاعل الوحيد، ودراسة أخرى لـ بون بعنوان رأس المال التجاري: جذور قوة الدولة في السنغال عام 1992م والتي أرجعت إخفاق الدولة في تحقيق التنمية إلى ما يشهده المجتمع من انقسامات رغم ما تمتلكه الدولة من موارد، بالاضافة إلى عدد من الدراسات الأخرى الهامة لـ كوليير وهاجوبيان وغيرهم، ومن ثم أعادت هذه الدراسات التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الداخل والخارج.

الدواعي النظرية لنشأة الاقتراب

شهدت العلوم السياسية بشكل عام وحقل الدراسات المقارنة بصفة خاصة عدد من الدواعي النظرية التي دعت إلى اكتشاف نموذج جديد من شأنه تفسير العلاقة ما بين الدولة من جانب والقوة المجتمعية من جانب آخر، ولعل أهمها: 

- في خمسينات القرن الماضي، ساد نموذج نظري يركز على الدولة باعتبارها محور العملية السياسية، ويهتم بصفة أساسية بدراسة الدولة في المجتمعات الغربية مما جعله محلاً للتحيز. 

- غلبة الطابع التاريخي والقانوني على دراسات النظم، ومن ثم وقوفها عند حد الوصف النصي للقوانين والدساتير والشكلي للمؤسسات الحكومية الرسمية مما أدى إلى قصور هذه الدراسات وعجزها عن تجاوز الوصف إلى التفسير. 

- وقد ظهر في نهاية الخمسينات عدد من المفاهيم كالنظام السياسي والثقافة السياسية والبيئة المحيطة، والتي لفتت الأنظار إلى وجود فاعلين جدد يؤثرون في عملية صنع القرار مما استلزم استعارة مناهج جديدة لتحليل دور هذه الفواعل المجتمعية. 

- في الثمانينات ظهرت بعض التطورات في الجنوب و الدول النامية أدرك من خلالها الباحثون عجز اقتراب الدولة عن تفسير عمليات التحول والتنمية في هذه الدول، والتي أرجعها الكثيرون إلى غلبة الدولة على السياسات التنموية دون مشاركة القوى الفاعلة من المجتمع. 

إقتراب الدولة والمجتمع : الآباء المؤسسين 

يعتبر جول ميجدال - Joel S. Migdal المؤسس الرئيسي لهذا الاقتراب حتى أنَّه يعتبر أبا الاقتراب، وقد نشر مجدال العديد من الدراسات أهمها (الدولة في المجتمع: 2001) ، (المجتمعات القوية والدولة الضعيفة: 1988) ، (المجتمع الفلسطيني والسياسة: 1980) ، (الفلاحين والسياسة والثورة: 1974) وغيرها، والتي حاول خلالها التأصيل لهذا الاقتراب وتطبيقه على حالات مختلفة. 

وقد قدَّم جول مجدال عدد من الدراسات النظرية التي حاول خلالها تقديم رؤية نظرية وتاريخية جديدة حول طبيعة وأنماط العلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية المختلفة، وقد بدأ دراسته بطرح مجموعة من التساؤلات الكبرى حول: ما هي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ومتى وكيف أصبحت الدولة قادرة على تأسيس سلطة سياسية قوية؟ ومتى نجحت في الاستئثار على وظيفة الضبط الاجتماعي داخل المجتمع؟ وكيف تؤثر أنماط النظم السياسية سواء ديمقراطية أو سلطوية على التحكم في المجتمع وسلوك أفراده؟ وما هي طبيعة الصراع بين الدولة والمنظمات الاجتماعية الأخرى؟ وهل يمكن أن تتواءم معاً؟ 

وللإجابة على تلك التساؤلات شرع مجدال في نقد المفاهيم التقليدية الخاصة بكل من الدولة والمجتمع ثم محاولة تقديم اقتراب جديد يوضح الأنماط والروابط المختلفة بين الدولة والقوى الاجتماعية الأخرى، وقد دعم نتائجه بمجموعة من الحجج التاريخية والامبريقية وخاصة في دول العالم الثالث، نظراً لأنَّ أشكال التفاعلات بين الدولة والقوى الاجتماعية فيها تكون أوضح منها في الدول المتقدمة. 

مفهوم الدولة:

أكد مجدال أن أغلب التعريفات بالرغم من تعددها وكثرتها تدور بشكل رئيسي حول مجموعة الأفكار التي قدمها ماكس فيبر - Max Weber والتي عمدت إلى التركيز على السمة المؤسسية للدولة، فهي عبارة عن منظمة أو مجموعة من المنظمات مهمتها الرئيسية تنظيم وضع القواعد والقوانين، وذلك من خلال احتكارها الشرعي لأساليب وأدوات استخدام القوة، ومن ثم يتمحور هذا الاتجاه من التعريفات بشكل أساسي حول سؤال السلطة أو السيادة، بينما ذهبت بعض التعريفات الأخرى إلى النظر للدولة كمنظمة مركزية هدفها تنظيم مجالات العلاقات الاجتماعية المتعددة، فالدولة لديها من القدرة الفعلية التي تمكنها من اختراق وتغلغل المجتمع من أجل تطبيق قرارات سياسية حاسمة، ففي هذا العالم الحديث لا يوجد إلا شكل واحد فقط من الوحدات السياسية الذي يحظى بالقبول والاعتراف وهو ما يطلق عليه بنموذج الدولة القومية (Nation State). 

ويعيب هذه التعريفات الكلاسيكية للدولة تركيزها الشديد على جانب واحد فقط من جوانب الدولة وهو القدرة على الإلزام القانوني والطابع البيروقراطي المميز دون الاهتمام بوظائف الدولة الأخرى، بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ أغلب هذه التعريفات قد أهملت عملية تكوين وتحول وظائف الدولة وطبيعة المقاومة التي تتعرض لها من جانب القوى الاجتماعية المختلفة، فأنصار هذا الاتجاه لم يعطوا الاهتمام الكافي للعلاقة بين الدولة والمجتمع وأنماط ووسائل فرض سيطرتها عليه. الأمر الذي دفعه إلى محاولة إعادة النظر في مفهوم الدولة من خلال رؤية أنثربولوجية جديدة تعمل على تجاوز الشكل التقليدي للدراسات النظرية لعلاقات السلطة إلى دراسة الممارسات المتفاوتة في علاقات الدولة والمجتمع مستخدما أدوات منهجية جديدة مثل أسلوب الملاحظة والمشاركة. 

ويرى مجدال أنَّه كي يتسنى لنا دراسة هذه العلاقة فإنه لابد في البداية من تحليل الدولة عبر تفكيكها إلى مستوياتها المختلفة، والتي يمكن إجمالها في أربعة مستويات أساسية وترتيبهم من أسفل إلى أعلى على النحو الآتي: 

أ- الخنادق (Trenches): ويشمل هذا المستوى المسئولين البيروقراطيين عن تنفيذ قرارات وأوامر الدولة بشكل مباشر في مواجهة المقاومة المجتمعية المحتملة ومنهم على سبيل المثال رجال الشرطة وموظفي الضرائب. 

ب- المكاتب الميدانية (The dispersed Field Offices): أي المكاتب المحلية التي تقوم بصياغة وتنفيذ سياسات الدولة على المستوى المحلي كالمحاكم ووحدات الجيش والشرطة. 

ج- المكاتب المركزية للوكالة (The Agency's Central Offices): وهي المسئولة عن صياغة السياسات القومية في العاصمة وغالبا تتكون من قيادات سياسية عليا وهم الأكثر عرضة للتأثير من قبل جماعات المصالح والقوى الاجتماعية الأخرى. 

د- المناصب القيادية (The Commanding Heights): وتشمل الشريحة العليا في مؤسسات الدولة وتخضع أيضا لضغوط سواء من القوى الداخلية أو الخارجية التي تسعى إلى التأثير على عملية صنع القرار وتوجيهها في صالحها. 

وتتضمن هذه الهيراركية في داخلها أشكالاً للضغط - خلافاً للضغوط المجتمعية والدولية الأخرى - تأخذ نمط إتجاهي من الطبقات العليا إلى الطبقات الأدنى، ومن ثم فإن تغيير القيادة وتوجهها من شأنه التدخل بالتأثير على استجابة المؤسسات للقضايا والأزمات التي تواجهها الدولة وكذلك السياق الذي يتم العمل بداخله، وحجم الضغوط الواقعة عليها من جانب القوى الاجتماعية ووزنهم النسبي في المجتمع. 

مفهوم المجتمع :

يعتبر مفهوم المجتمع من المفاهيم الإشكالية في أغلب النظريات والاتجاهات الفكرية التي تسعى إلى تقديم نظرية نسقية حول الدولة، ويذهب بعض علماء الاجتماع إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد الذين ينتظمون بشكل مستمر في أنماط من العلاقات والمنظمات والتفاعلات التي تشمل الأسرة والدين والثروة واللغة والثقافة والآداب". ومن خلال هذه العلاقات والتفاعلات تبرز عناصر الائتلاف والاختلاف بما يؤكد سمة التعقيد والتداخل والتفرد أيضاً، بحيث تتشابه المجتمعات في بعض السمات وتختلف في سمات أخرى، وبالرغم من ذلك حاول بعض المفكرين والأكاديمين فرض إطار نظري عام صالح للتطبيق على معظم المجتمعات دون الأخذ في الاعتبار طبيعة الاختلافات بينهم والسياقات المتباينة التي تتواجد خلالها. 

ويسعى أفراد المجتمع إلى تنظيم أنفسهم في فضاء منظم يمكنهم من خلاله التعبير عن مصالحهم واحتياجاتهم بمعزل عن التنظيم الحكومي الرسمي أي في صورة تنظيمية لها طابع الاستقلال النسبي عن الدولة وهو ما يطلق عليه المجتمع المدني (Civil Society) ويشمل الأحزاب وجماعات المصالح والنقابات والجمعيات الأهلية والحركات الاجتماعية وغيرها من أشكال التنظيمات الحديثة، إلا أنَّ هذه القوى الاجتماعية لا تعمل في فراغ وإنما في إطار بيئة معينة تسعى خلالها إلى تحقيق مصالحها من خلال تعبئة الأتباع وممارسة القوة مما يجعلها في مواجهة مع الدولة، وإذا ما تحققت الاستجابة المطلوبة تأكد للدولة دعم المجتمع لها، أي أنَّ هناك علاقة تكامل وظيفي بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة هي التي تمنح هذا المجتمع المدني الحق في الوجود ليعبر عن رغبات المواطنين ومشاركتهم، والمجتمع المدني يقدم الدعم والمساندة للدوة طالما أنها تسعى إلى الاستجابة لرغباتهم ومصالحهم. 

ولكن ما هو الضمان لتحقيق هذه الصورة المتوازنة للعلاقة بين الدولة ومنظمات التمثيل الاجتماعي؟ أو ما هي العوامل التي تحول دون تحول هذه العلاقة إلى شكل صراعي؟ سعى البعض إلى بحث مقومات النموذج المثالي للعلاقة بين المجتمع والدولة، فظهر مفهوم الديمقراطية الاتحادية أو الترابطية (Associational Democracy) وفي نطاقه تعمل الدولة والمجتمع المدني كتنظيمات متوازنة في إطار قانوني واحد، بحيث تتخلى الدولة عن بعض وظائفها لصالح تلك القوى الاجتماعية بما يسمح لها بالمشاركة في صياغة السياسات العامة بما يحقق درجة عالية من الاندماجية Corporatism).

الروابط بين الدولة والمجتمع:

يذهب مجدال إلى التأكيد على إستحالة فهم مفاهيم الدولة والمجتمع في العالم المعاصر دون التعرف على حقيقة الراوبط والتفاعلات بينهم، ويؤكد أن أشكال النضالات والتكيف في روابط العلاقة بين عناصر الدولة وباقي القوى الاجتماعية أنتجت عدد من المخرجات التي يمكن تقسيمها إلى أربعة مخرجات رئيسية: 

أ- التحول الكامل/ الكلي (Total Transformation): وهنا تسعى الدولة إلى إختراق المجتمع بهدف قهر القوى الاجتماعية المحلية وفرض سيطرتها الكاملة، وفي هذه الحالة يتحدد نجاح الدولة وفق قدرتها على تأثيرها على كيفية تعريف الشعب لأنفسهم وتلجأ إلى استخدام بعض الوسائل مثل الهجرة الجبرية، إحلال السكان المحليين بمستوطنين أجانب، الانتشار الواسع لاستخدام العنف وغيرها من الوسائل والأدوات التي تعمل على تدمير سيطرة القوى الاجتماعية المحلية، ويعتبر النموذج الصيني مثال على هذه الحالة.

ب- قيام الدولة على وجود القوى الاجتماعية (State Incorporation of Existing Social Forces): في هذا النوع تسعى الدولة إلى خلق مساحات جديدة تمكنها من تواجد بعض القوى الاجتماعية والمنظمات المدنية لتشكيل نمط جديد من السيطرة، إلا أن هذه المساحة تؤدي إلى تحقيق قدر كبير من الشرعية، وتقدم البرازيل نموذجاً صالحاً لهذه الحالة. 

ج- إدماج القوى الإجتماعية الموجودة في الدولة (Existing Social Forces' Incorporation of The State): في هذا النوع تتواجد عناصر الدولة عبر سيطرة القوى الاجتماعية لكن دون إحداث تغييرات راديكالية في نمط السيطرة، أو أنه في بعض الحالات حضور الدولة الجديدة قد يخلق نمط جديد من السيطرة تتصاعد خلاله القوى الاجتماعية من غير الدولة إلى أعلى.

د- فشل الدولة في الإندماج في المساحات المحلية (Dis-engagement of The State in The Local Arena): يظهر هذا الفشل في التأثير الضعيف للدولة على المجتمع، ومن جانب آخر يظل تأثير القوى الاجتماعية مقيد على الدولة، إلا أن هذا النمط – كالتحول الكامل- ينظر إليه كنموذج مثالي نادر حدوثه في الواقع. 

ومن ناحية أخرى، ظهرت محاولات من جانب بعض المفكرين لطرح مفهوم المجتمع المدني واستخدامه في دراسة الروابط بين الدولة والقوى الاجتماعية، حيث يرون أنه مصطح ملائم للتعبير عن المصالح المتناثرة في المجتمع، حيث أنه يفترض وجود توافق قيمي أو اتساق بين القوى الاجتماعية، بما يمكنه من التعبير عن مصالح مختلفة. إلا أن مجدال انتقد هذا المفهوم نظراً لافتراضه حدوث اتساق في الافكار الرئيسية بين القوى الاجتماعية وهو ما يصعب تحقيقه في الواقع. 

النموذج الرباعي لمجدال للعلاقة بين الدولة والمجتمع 

قام مجدال إزاء هذه الآراء والاستنتاجات التي توصل إليها إلى صياغة نموذج رباعي يعكس أنماط التفاعل بين الدولة من جانب والقوى الاجتماعية من جانب آخر، وقد اعتمد في صياغته على معياري القوة والضعف، ويتخذ هذا النموذج الأشكال التالية من العلاقات: 

1- نمط الدولة القوية والمجتمع القوي

2- نمط الدولة القوية والمجتمع الضعيف

3- نمط الدولة الضعيفة والمجتمع القوي

4- نمط الدولة الضعيفة والمجتمع الضعيف

وقد اعتمد مجدال في قياسه لمدى قوة أو ضعف الدولة على أساس قدرتها على ممارسة عملية الضبط الاجتماعي، ومن ثم فإن الدولة القوية هي الدولة القادرة على التحكم في المجتمع عبر سيطرتها على القوى الاجتماعية -أي أنها علاقة هرمية تكون فيها الدولة في رأس الهرم وتسيطر على باقي مراكز القوة في المجتمع- والعكس .

 إلا أنه أدرك بعد ذلك أن الضبط الاجتماعي ليس المعيار الوحيد لقوة الدولة، وهو ما أكدته تجارب عدد من الدول في أوربا الشرقية، لذا جاء كتابه الثاني (الدولة في المجتمع) أكثر تطوراً، بحيث أعتبر أن قوة الدولة تتحدد وفق قدرتها على الدمج والمزج بين عناصر القوة المختلفة: الداخلية والخارجية، ومن ثم قدرتها على إدارة التنويعات والانقسامات الاجتماعية، وبالتالي أكد على أن النمطين الأول والأخير بمثابة أنماط متطرفة من الصعب تحقيقها كلياً في الواقع العملي. 

مقولات الإقتراب 

نستخلص من الإطار التنظيري السابق للاقتراب عند المؤسس الرئيسي أنه يقوم على عدد من المقولات التي يمكن إجمالها في الآتي: 

1- إن الدولة لا تنفرد بممارسة التحكم أو الضبط الاجتماعي، وإنما هناك جماعات ومؤسسات رسمية وغير رسمية بتقوم بتحديد أنماط السلوك. 

2- إن الدولة ليست نقيض/ عدو للمجتمع، إنما هي طرف في المجتمع ضمن أطراف أخرى تتنافس جميعها من أجل السيطرة والتحكم الاجتماعي.

3- تحاول الدولة ترسيخ سيطرتها من خلال عدد من المؤسسات التي تساهم في دفع المواطنين للالتزام بأفعال تحقق غايات الدولة، مثل مؤسسة الشرطة والقضاء. 

4- إن بروز أنماط للقوى الجديدة في المجتمع كالمجتمع المدني لا يعني بالضرورة معاداتها للدولة إنما يمكن أن يكون هناك نمطاً تفاعلياً بينهما. 

5- أن الدولة القوية هي التي تسعى للسيطرة على القوى المجتمعية الأخرى من أجل الاستئثار بوظيفة الضبط الاجتماعي. 

المفاهيم الأساسية للاقتراب 

من خلال العرض السابق للاطار النظري للاقتراب عند مجدال يمكننا استنتاج أهم المفاهيم، ويعتبر بداية مفهوم الضبط أو التحكم الاجتماعي (Social Control) من المفاهيم المركزية داخل هذا الاقتراب، ويشير بصفة عامة إلى محاولة فرض الدولة هيمنتها على المجتمع، أي محاولة الدولة إلى التحكم في المجتمع وقيادة القوى المجتمعية المختلفة إلى أهدافها ورغباتها الخاصة. ومن ثم، تصبح الدولة القوية هي القادرة على تعبئة مواردها المادية وحشد الطاقات البشرية وإدارة التنويعات الاجتماعية أيضا بما يحقق لها الاستمرارية والسيطرة، ويتم قياس مدى قدرة الدولة على هذا التحكم عبر ثلاثة مؤشرات

1- الامتثال والطاعة (Compliance): أي قدرة الدولة على استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في توزيع الموارد التي تسيطر عليها، وضمان الاستجابة لها من قبل المواطنين.

2- المشاركة (Participation): أي التفاعل الطوعي من قبل المواطنين والجماعات المختلفة مع الحكومة للحصول على امتيازات، وهي تعكس قدرة الدولة على الحشد من خلال الاقناع.

3- الشرعية (Legitimacy): أي الشعور بالرضاء من جانب القوى المجتمعية عن الحكومة والقواعد الحاكمة. 

ويرتبط به مفهوم آخر وهو مفهوم هيكل الفرص السياسية للجماعات (Structure of Political Opportunities) فإن الدولة في إطار علاقتها مع القوى المجتمعية المختلفة تسعى إلى إحتوائها وتحقيق مصالحها بما يضمن لها دعمهم وتأييدهم خاصة جماعات المصالح القوية ورجال الأعمال، فإن هذه القوى تسعى إلى الضغط وممارسة سلطاتها على الدولة من أجل تحقيق مصالحها. 

ويستمد من المفهوم السابق مفهوم آخر من الأهمية الاشارة إليه وهو التمكين المتبادل (Mutual Empowerment) أي أن بناء علاقة بين الدولة والمجتمع تقوم على التعاون والتشارك وليس بالضرورة على الصراع، ويضمن هذا المفهوم التغلب على معضلات التنمية التي واجهتها الاقترابات السابقة نظرا لهيمنة الدولة واحتكارها على عمليات الاصلاح والتنمية، إلا أنها في هذا الإطار تتعاون مع غيرها من القوى الاجتماعية مما يزيد من قدرات الدولة ذاتها. 

تقييم إقتراب الدولة والمجتمع

 حاول جول مجدال خلال هذا الاقتراب وضع إطار نظري مناسب لتفسير أنماط العلاقات المختلفة ما بين الدولة من جانب والمجتمع من جانب آخر، وكذلك تجاوز النماذج التقليدية السائدة خلال تلك الفترة المراوحة ما بين أولوية الدولة أو أولوية المجتمع، ليؤكد أن العملية السياسية تتكون من طرفين يقوم كل منهما بعدد من الأدوار والوظائف، ويصبح هذا الاقتراب من الأهمية في تفسير عمليات التنمية والاصلاح، ومع ذلك تم توجيه عدد من الانتقادات إلى هذا الاقتراب كما في التالي: 

1- ترجع جذور اقتراب الدولة والمجتمع في جزء كبير منها إلى المدرسة الوظيفية الهيكلية (Structural functionalism) والتي اعتمدت عليها نظريات التحديث في الستينيات، وتركز في نظرتها للدولة باعتبارها مجموعة من المؤسسات والجماعات تقوم بأداء وظائف مختلفة كجزء لا يتجزأ من المجتمعات.

2- ويعتبر الانتقاد الرئيسي لهذا الاقتراب أنه يصور الدولة والمجتمع باعتبارهما متضادين، أو طرفين في معادلة صفرية، فقوة أحدهما تحتم بالضرورة ضعف الآخر، فالدولة القوية تسيطر على القوى الاجتماعية وتحتويها، والعكس فإن القوى الاجتماعية تقوى لتحتوي الدولة ذاتها، إلا أن التجارب المختلفة للدول أشارت إلى عدم حتمية هذا النموذج التنافسي للعلاقة والذي صاغه مجدال في أربعة أنماط –كما سبق الاشارة- وإنما هناك من الاشكال التوافقية أو التكاملية في وظيفة كل منهما، وبالتالي فإن العلاقة بينهما غير صفرية. 

3- ويعيب هذا الاقتراب أيضا التعامل مع الدولة باعتبارها كيان مستقل ومنفصل عن المجتمع، وهو أمر يتناقض مع الواقع العملي، فحتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية تصبح أداة لتحقيق مصالح المجتمع وليست متنافس معه. 

4- إنتقاد مفهوم الضبط الاجتماعي كمعيار لقيياس مدى قوة الدولة وضعفها، في حين أن هناك مؤشرات أخرى عديدة، فضلاً عن تنوع أنماط العلاقة بين الدولة والمجتمع، هي لا تأخذ دائماً النمط الهرمي المشار إليه وإنما قد تتنوع ما بين الدائري-المركزي، ودائري –هامشي وغيرهما طبقاً لأنماط التفاعل.

5- وتساءل البعض هل من الممكن أن يقود المجتمع ذاته إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة؟  فعقب الثورات العربية أعاد البعض النظر في نموذج مجدال محاولين اكتشاف مدى قدرته على ترجمة وتفسير هذا الوضع الثوري، وفي ضوء تأكيد اقترابه على النمط التنافسي الصفري فإن المجتمع بالضرورة منافس للدولة يسعى إلى السيطرة على وظائفها، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك، فإن المجتمع أدرك أهمية الدولة بمؤسساتها وحكوماتها وسلطتها لذا فرغم أنه يهدم النظام ويرفض سيطرته لكنه يخشى أن تنهار الدولة معه. 

 6- وعلى الرغم من أن هذا الاقتراب يسعى إلى تحليل العلاقة بين الدولة والمجتمع إلا أنَّه من الصعب فهم الهدف منه، ففي ضوء فصله ما بين الطرفين باعتبارهما متصارعين على العملية السياسية فإنه لابد حتماً للبقاء لأحدهما دون الاخر، فإما الفوضوية التامة بدون الدولة ومن ثم السيادة للمجتمع، أو القضاء على المجتمع وبقاء الدولة اللوثيان! وهو أمر يناقض الواقع والمنطق.! 

 

المصادر والمراجع:

أحمد زايد، "الدولة والمجتمع المدني: إشكاليات العلاقة"، سلسلة قضايا، القاهرة، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، 2011. 

علي الدين هلال، "دراسة الدولة من منظور العلاقة بين الدولة والمجتمع"، فصل من كتاب لم ينشر بعد عنوان تحليل النظم السياسية في عصر العولمة .

نادية مصطفى، وأمل حمادة (محررتان)، " الثورة المصرية ودراسة العلوم السياسية"، أعمال المؤتمر السنوي الأول لشباب أعضاء هيئة التدريس، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011. 

أمل حمادة، "معادلة جديدة: إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الثورات العربية"، مجلة السياسة الدولية، 2013.

ناهد عز الدين، "التحليل السياسي واقترابات دراسة التحول: من الدولة المتدخلة إلى التمكين المتبادل"، مجلة النهضة، العدد 19، إبريل 2004.

إسلام محمد السيد علي، عرض فصل بعنوان "الدولة في المجتمع: اقتراب النضال من أجل السيطرة"، دراسة غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011.

Bonne, Cathreine, "Merchant Capital and the Roots of State Power in Senegal", New York: Cambridge University Press, 1992.  

Collier, Ruth & David Collier, "Shaping the Political Arena: Critical Junctures the Labor Movement and Regime Dynamics in Latin America", Princeton: Princeton University Press, 1991.

Megdal, Joel S., "State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another", New York: Cambridge University Press, 2001.  ______________ , "Strong Societies and Weak States: State-Society Relations and State Capabilities in the Third World", New Jersey: PUP, 1988.  

Hagopian, Francis, "Traditional Politics and Regime Change in Brazil", New York: Cambridge University Press, 1996.  

 Hall, Peter (ed), "State in History", New York: B. Blackwell, 1986.

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2019 .Copyright © Political Encyclopedia