حساب جديد ادعمنا

العرف في القانون - Customary law

إندمج الإنسان القديم داخل الجماعة بحكم الضرورة لتأمين حياته ومعيشته، وهداه تفكيره إلى حتمية التعاون مع غيره للتغلب على المصاعب التي كانت تعترضه في الحصول على غذائه، وكذلك أعتقد في أهمية التعاون للحماية من الأخطار التي تهدد حياته ومستقبله. وقد اقتضت هذه الأمور إلى ضرورة إيجاد وازع يمنع الظلم والأعباء بين الأفراد ويحقق العدل والاستقرار بينهم وذلك لم تستمر الجماعة ويكتب لها البقاء والتطور وهذا الوازع هو الذي أنشأ فكرة النظام الذي تولد منه الإحساس لأهمية وجود قاعدة قانونية.

مرَّ ظهور القاعدة القانونية في المجتمعات القديمة بعدة مراحل كان أولها مرحلة العدالة الخاصة والتي كانت مبنية على فكرة أن ظاهرة القوة تنشأ الحق وتحميه، وبعدها ظهرت مرحلة انتقالية وهي مرحلة تهذيب القوة واللجوء لنظام التصالح  ونظام التحكيم. وكانت تلك المرحلة تجهيزا لمرحلة التخلي عن القوة وظهور مرحلة التقاليد الدينية، وبعدها ظهرت مرحلة التقاليد العرفية حتى تبلور شكل القاعدة القانونية في مفهومها العام وظهرت فكرة التدوين بعد الاهتداء للكتابة. وستكون التقاليد العرفية أو العرف هو موضوع هذا المقال.

لتوضيح ماهيه العرف وتاريخه حتى الآن يجب التطرق لعدة موضوعات كالتالي:

ظهور العرف تاريخياً:

كانت مرحلة القواعد الدينية سابقة على مرحلة القواعد العرفية، وكان للقواعد الدينية دور كبير في ظهور العرف حيث مع مرور الوقت وتطور المجتمعات على المستويين الإقتصادي والأجتماعي وحدوث ترابط وعلاقات جديدية بين الأفراد أدى ذلك إلى تكرار المنازعات والحوادث المتشابهة التي كانت تعرض على الكهنة للفصل فيها وهذا الأمر قد أدى إلى صدور أحكام متماثلة، ومع استمرار ظهور تلك الأحكام المتطابقة ورفع صفة الإلهية عنها بمرور الوقت تولد الإطار الكامل للسوابق القضائية التي تبلورت مع دعائم التطور في حركة الحياة البشرية وظهرت في صورة قواعد عرفية. 

مفهوم العرف:

هناك العديد من التعرفيات لمفهوم العرف. حيث يُعَرَّفْ الفقه الحديث العرف بأنه عبارة عن مجموعة القواعد التي نشأت من تكرار إتباعها بصفة  مُلزِمة  من جانب أعضاء المجتمع لتنظيم العلاقات بينهم  بعد أن ثبت في إعتقادهم بأ،ها تتمتع بوصف الإلزام القانوني ويتوفر فيها عنصر الجزاء عند مخالفة أحكامها. ويقصد أيضا بالعرف اعتياد الناس على إتباع سلوك معين في مسألة معينة، مع تولد الإعتقاد بإلزامه وضرورة احترام هذا السلوك، واعتباره قاعدة قانونية تقتضي معاقبة من يخالفها.

أما بالنسبة للفقهاء: فقد عرف الجرجاني العرف بأنَّه ما استقرت عليه شهادة العقول وتلقته الطباع السليم بالقبول.

أركان العرف:

رغم اختلاف الفقهاء في تحديد أركان العرف لكي يكتسب الصفة القانونية، إلا أن الرأي الغالب والمُستقر عليه أنه يشترط في القاعدة العرفية وافر العنصريين المادي والمعنوي لكي تكتسب الصفة القانونية الملزمة، وبيان هذان العنصران كالتالي:

العنصر المادي: وهو ينتج من تكرار واقعة معينة، وإتباعها بصفة متواترة دون الرجوع  أو العول عنها مثل تكرار اللجوء إلى التحكيم من جانب أشخاص المجتمع لفض النزاعات التي احتدمت بينهما قد أدي إلى ظهور السوابق القضائية.

ولكن لهذا العنصر المادي بعض الشروط الواجب توافرها ليتحقق وهم كالتالي:

- العمومية : بمعنى أن تكون القاعدة القانونية التي ينشؤها العرف عامة ومجردة بحيث تخاطب الأشخاص بصفاتهم لا بذواتهم، وهذا لا يعني أن يكون العرف مطابقا على كل أقاليم الدولة , فقد يكون العرف محليا مختصا بجهة معينة  وإقليم معين وقد يكون العرف طائفيا خاصا بطائفة معينة كالتجار و الصناع.

- القِدم : يجب أن تكون العادة قديمة أي أن يكون سلوك الناس ثد استقر على حكم القاعدة العرفية مدة طويلة يحيث يمكن القول أن القاعدة استقرت في الجماعة ولا يوجد أجل معين لهذه المدة. 

- الثبات : وهذا يعني أن يتبع العرف بطريقة ظاهرة لجميع الناس وبغير تغير أي أن يكون هناك تسلسل زمني في إتباع القاعدة وبدون إنقطاع أو توقف وإلا زالت عنها صفة القاعدة القانونية، لأن إتباع العرف في بعض الأوقات والعدول عنه في أوقات أخرى ينفي عنه صفة الثبات.

- مطابقة النظام العام والأداب العامة في المجتمع: والواقع أن هذا الشرط نظري حيث لا يتصور عمليا أن يستقر العرف وتتوفر له أركانه في حين أنه مخالف للنظام والأداب العامة. ولكن يمكن مع ذلك أن نتصور حدوث تطور في فكرة النظام العام، وهي متغيرة من حيث الزمان والمكان، يحيث يمكن أن يصبح العرف الذي كان فيما مضى متفقا مع النظام خارجا عنه، ويترتب على ذلك عدم الإعتداد به، كعادة الأخذ بالثأر على سبيل المثال في العديد من المجتمعات.

العنصر المعنوي:

ويقصد به الإعتراف ضمنيا من جانب أشخاص المجتمع بضرورة إتباع القاعدة الجديدة وعدم مخالفتها وذلك بإحترمها والخضوع لها والإقتناع بأنها ذات طبيعة قانونية ملزمة. وعليه فلكي تكتسب القاعدة العرفية الطبية القانونية الملزمة يجب أن يتوافر فيهاا لركنان المادي والمعنوي حتى تستقر وتصلح لتنظيم أي علاقة بين الأشخاص وتكتسب هذين الركنين نتيجة إتباعها من جانب أشخاص المجتمع عامة منذ فترة طويلة وبطريقة ثابتة ومنظمة، والتزموا بها بعد أن أدركوا وجوب احترامها ، وبجود جزاء قانون يبطق على من يخل بها، ويكتسب من يضار من مخالفة حكمها حقًا يمكنه المطالبة به إما وديا أو بالإلتجاء إلى التحكيم والقضاء.

العرف والتشريع:

يلعب العرف وظيفة من الوظائف التالية بالنسبة للتشريع:

١- العرف المكمل للتشريع: فيكون مضمونه هو رجوع القاضي إلى قواعد العرف لطلب الحكم منهافي الحالات التي يخلو فيها التشرعي من الحكم المناسب. أما نطاقه فهو أن العرف يكمل نقص التشريع في فروع القانون عامة ولكن بنسب متفاوتة. حيث بظهر دور العرف جليا في القانون الدولي والقانون التجاري، في حين يتضاءل دوره في المعاملات المدنية، وينعدم في القانون الجنائي حيث يحكمه مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص تشريعي.

٢- العرف المساعد للتشريع: فيكون مضمونه هو رجوع القاضي إلى قواعد العرف ليستعين بها في كيفية تطبيق المعايير المرنة الواردة في النص التشريعي بهدف تطبيق حكم النص بأسلوب أكثر ملائمة. وعلى سبيل المثال من القانون المدني الأردني أن "نفقات تسليم الثمن وعقد البيع وتسجيله تكون على المشتري، ونفقات تسليم المبيع تكون على البائع، كل ذلك ما لم يوجد اتفاق أو نص قانون أو عرف يخالفه".

٣- العرف المخالف للتشريع: ويكون عبارة عن عرف مخالف لقاعدة قانونية مكملة، على خلاف العرف المخالف لقاعدة قانونية امرة الذي يبطل العمل به لعدم جواز الإتفاق على خلاف أحكام القواعد الأمرة.

يكون نطاق هذا النوع من العرف أنه يتم الأخذ بمبدأ عدم جواز قيام العرف المخالف للتشريع ويتقيد بمجال كل فرع من فروع القانون. بمعنى أن العرف المدني لا يجوز أن يخالف قاعدة امرة من قواعد القانون المدني، والعرف التجاري لا يجوز أن يخالف قاعدة امرة من قواعد القانون التجاري، بينما يجوز أن يخالف عرف تجاري قادة امرة من قواعد القانون المدني.

أثر العرف في المجتمعات القديمة: 

لعب العرف كأول مصدر تاريخيا لقواعد القانون دوراً هاماً في حياة المجتمعات القديمة بعد أن انتهى الدور الذي أحتكر فيه الكهنة دور المعروف في تنظيم أمور أفراد المجتمع والفصل في المنازعات التي كانت تنشب بينهم. وحيث أن قواعد العرف قد اًصبحت معلومة للجميع وتمثل التعبير الكامل عن إرادة الجماعة ورضائها الشمني في الإلتزام بها، وأن طبيعتها ترتكز على تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الأشخاص.

وكما كانت القواعد الدينية هي أساس ظهور العرف والتقاليد العرفية، فكذلك للعرف الدور الأول في تكوين القواعد القانونية في التشريعات التي ظهرت في العصور القديمة مثل تشعريات حمورابي في بلاد ما بين النهرين، وبوكخوريس في مصر القديمة، ومانو في الهند، وصولون وودراكون في بلاد الإغريق، والألواح الإثنى عشر في روما بالإضافة إلى ذلك أن العرف ما زال المصدر الأساسي في بعض التشريعات الحديثة وخاصة تلك التي تتبع المذهب الأنجلوساكسوني مثل القانون الإنجليزي.

نهاية فعلى الرغم من أهمية القواعد العرفية ومدى تأثير ظهورها بعد القواعد الدينية وكذلك تحقيقها لأهداف عديدة في المجتمعات القديمة. ولكن مرحلة التقاليد العرفية اتصفت بالثبات والجمود والتطور البطئ على مر الزمان وجعلت نمو العلاقات يتسم بالنمط البطئ وأدت إلى عدم الإستجابة السريعة لمقتضيات أي تطور في العوامل الإقتصادية والإجتماعية مما أحدث إعاقة في حركة الحياة داخل تلك المجتمعات القديمة.

المصادر والمراجع:

عادل بسيوني التاريخ العام للنظم والشرائع، جامعة القاهرة، مكتبة نهضة الشرق، مصر، 1993

د. سمير عبدالمنعم أبو العينين، المبادئ العامة للتاريخ وفلسفة نظم وقوانين حضارات العالم القديم، 2004

مهند وليد حداد، خالد وليد حداد، مدخل لدراسة علم القانون، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، 2008

سعد العنزي، العرف والعادة في الشريعة والقانون، مجلة الحقوق، العدد الأول، 1999

عبد المنعم البدراوي مبادئ القانون، مكتبة  سيد عبدالله وهبة، مصر، 1972

صوفي أبو طالب، مبادئ تاريخ القانون، دار نهضة مصر، مصر، 1971

د.محمد جمال مطلق الذنيبات، المدخل لدارسة القانون دراسة مقارنة، مكتبة القانون والإقتصاد، الرياض، 2012

Gaston May, introduction à la science du droit, 1920

Gyorgy Haraszti, Questions of International Law, vol.2, Sijthoff and Noordhoff International Publishers, USA, 1981

 

إقرأ أيضاً
المساهمون في إعداد هذا المقال:
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2020 .Copyright © Political Encyclopedia