ادعمنا

النظرية السياسية في الفكر الإسلامي

مقال أكاديمي محكم

النظرية السياسية في الفكر الإسلامي
المصدر: مجلة جامعة الانبار للعلوم القانونية والسياسية
الكاتب: أ.م.د. عواد عباس الحردان
الملخص:

لا نأتی بجدید إذا ما قلنا ابتداءً، إِنَّ الفکر السیاسی قد ساده منذ القدم ظهور نظریتین مختلفتین فی تحدید شرعیة السلطة (أی مصدرها) وتقییم طبیعتها وهما: (النظریة الثیوقراطیة) و (النظریة الدیمقراطیة)(1) اللتان تذهب الأولى منهما إلى أَنَّ (الله هو مصدر السلطة) وإلیه یعود اختیار الحکام، اختیاراً إلهیاً (مباشراً أو غیر مباشر). هذا الاختیار هو الذی أسبغ على السلطة شرعیتها الثیوقراطیة، وأسبغ على الحاکم صفة کونه (خلیفة الله) فی الأرض، ویتمتع بهذا (الحق الإلهی) المقدس لأَن تکون طبیعة سلطته سلطة دینیة ویمسک بیده السلطتین: الدینیة والدنیویة-معاً-. بینما تذهب النظریة الثانیة إلى أَنَّ (الشعب هو مصدر السلطة) وإلیه یعود اختیار الحکام اختیاراً شعبیاً (مباشراً أو غیر مباشر). هذا الاختیار هو الذی أسبغ على السلطة شرعیتها الدیمقراطیة، وأسبغ على الحاکم صفة کونه (وکیل الشعب) ویتمتع بهذا (الحق الطبیعی)، لأَن تکون طبیعة سلطته سلطة دنیویة (زمنیة ـ مدنیة)، ویمسک بیده السلطة الدنیویة ، دون السلطة الدینیة التی هی بید رجالها. وقد تسربّ تأثیر هذه النظریات إلى الفکر السیاسی العربی ـ الإسلامی، حتى أضحت منطلقاتها الأساسیة قریبة إلى منطلقات النظریات السیاسیة العربیة الإسلامیة أو شکل معدل منها. صحیح أَنَّ نظریة الحق الإلهی، فی الحضارة الإسلامیة فی النصف الثانی من القرن الأول الهجری قد اختلفت اختلافاً أساسیاً عن نشأة هذه النظریة فی الحضارة المسیحیة فی القرون الوسطى(2). کما أَنَّ نظریة الشورى الإسلامیة، هی ـ الأخرى ـ فی منطلقاتها ومبادئها، غیر نظریة الدیمقراطیات الغربیة أو حتى المعاصرة. بید أَنَّ، هذا الوضع لا یمنع من القول: إِنَّ بعض الصور والمقولات الوافدة منها، قد دخلت النظریة السیاسیة العربیة ـ الإسلامیة. والمتتبع للجذور التاریخیة لنظریات السلطة فی الإسلام سیکتشف بلا أدنى صعوبة ، إِنَّ حجة عمر  التی أطلقها فی سقیفة بنی ساعدة لمناصرة بیعة أبی بکر  (وأعنی بها قولته : لقد رضیک رسول الله  لدیننا ، أفلا نرضاک لدنیانا(3) ؟ قد فسّرها البعض ـ کفرقة البکریة القائلة بالنص الخفی على أبی بکر ـ إِنَّها دلیل على القول بـ(الحق الإلهی غیر المباشر). کما هو شأن بعض الصحابة کـ (غویم بن ساعدة) فی اتخاذ هذا التأمیر لأبی بکر فی الصلاة دلیلاً على إمامته للمسلمین عندما قال: (فو الله ما هلک رسول الله  حتى عرفنا أَنَّ أبا بکر خلیفة)(4). وهذا نفسه هو اعتقاد بعض الصحابة القائلین لأبی بکر ـ ولعمر من بعد ـ أَنَّک (خلیفة الله). صحیح إِنَّ رفض أبی بکر وعمر هذا التلقیب، وقبولهما بألقاب أخرى کـ(خلیفة رسول الله) و (أمیر المؤمنین) لدلیل على رفضهما هذا الحق الإلهی(5) فی مقابل قبولهما بالحق الطبیعی. بید أَنَّ بذرة هذا الاعتقاد، کما لاحظنا، کانت موجودة عند بعض الصحابة وتوضحت أکثر عندما تحدث الخلیفة الثالث عثمان  عن الخلافة باعتبارها قمیص قمصه الله له (6)، ورفض حق الأمة فی طلب عزله وخلعه، وهو الذی أثر عنه التلقّب بلقب (خلیفة الله). حتى سلک الأمویون من بعده ذلک المسلک . فمعاویة یقول : (الأرض لله .. وأنا خلیف الله)(7) وهو نفس مسلک العباسیین من بعده. فالمنصور العباسی کان یسمی نفسه (سلطان الله على الأرض)(8). ویبدو أَنَّ روح نظریة الحق الإلهی لیست ساریة بین بعض الصحابة والخلفاء فحسب ، بل وساریة بین عامة علماء المسلمین ـ کما یقول الشیخ علی عبد الرازق (9) ـ فی طبیعة أفکار معاصره الشیخ أبو الأعلى المودودی(10) وغیره من العلماء(*). إِنَّ أقوال الخلفاء هذه، بل وأقوال هؤلاء العلماء هی التی أوحت لبعض المفکرین والکتاب، القول، إِنَّ نظام الدولة الإسلامیة، لا یدخل فی عداد النظم الدیمقراطیة، بل، فی عداد النظم الثیوقراطیة(11). والحقیقة إِنَّ أقوال هؤلاء الخلفاء، وإِن لم تأخذ طابع التنظیر الواسع، وإِنَّ هذا الوضع الاستثنائی لم یکن قاعدة یمکن الاستناد علیها لاستنتاج حکم، من أَنَّ طبیعة الدولة العربیة ـ الإسلامیة ، کانت طبیعة ثیوقراطیة وإِنَّ سلطتها کانت سلطة دینیة، کما یقول هؤلاء الکتّاب(12). فإنها قد أخذت هذا الطابع الفکری والعقیدی ـ بعد ذلک ـ على أیدی الشیعة، فیما عرف بـ (نظریة النص فی الإمامة) فی مقابل (نظریة الاختیار فی الخلافة) عند أهل السنّة والجماعة وغیرهم.

الكلمات المفتاحية: النظرية السياسية، الفكر الإسلامي، الإسلامي



تحميل

شارك أصدقائك

ابقى على اﻃﻼع واشترك بقوائمنا البريدية ليصلك آخر مقالات ومنح وأخبار الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ

ﺑﺘﺴﺠﻴﻠﻚ في ﻫﺬﻩ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ البريدية، فإنَّك ﺗﻮاﻓﻖ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻼم اﻷﺧﺒﺎر واﻟﻌﺮوض والمعلوﻣﺎت ﻣﻦ الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ - Political Encyclopedia.

اﻧﻘﺮ ﻫﻨﺎ ﻟﻌﺮض إﺷﻌﺎر الخصوصية الخاص ﺑﻨﺎ. ﻳﺘﻢ ﺗﻮفير رواﺑﻂ ﺳﻬﻠﺔ لإﻟﻐﺎء الاشترك في ﻛﻞ ﺑﺮﻳﺪ إلكتروني.


للتواصل والاستفسار

[email protected]
كافة حقوق النشر محفوظة لدى الموسوعة السياسية. 2026 .Copyright © Political Encyclopedia